أدرك أنني مهووس بعض الشيء بمعدات المطابخ، حسنًا؟ لذلك، ربما لا داعي إلى أن تديروا أعينكم استنكارًا على نحو مسرحي، كما فعل أبناء عمومتي، عندما أخبركم بأنني وزوجتي اشترينا موقد طهي حثيًا أنيقًا وفاخرًا، كان سعره، لنقل، مرتفعًا بعض الشيء بالنسبة إلى زوجين من الطبقة المتوسطة. وربما يمكنكم أيضًا تخيل مدى انزعاجي عندما اكتشفت أن موقد الطهي الحثي الفاخر هذا، هل ذكرت أنه كان باهظ الثمن؟ لا يتضمن سطح الطهي الأملس الضروري الذي يُفترض أن يكون فوق عيون الحث، وأنه يتعين عليك شراء هذا السطح بصورة منفصلة من شركة أخرى. ولم تكن هذه المعلومة معلنة بوضوح على الموقع الإلكتروني. والأسوأ من ذلك أن السطح لا يمكن أن يكون مصنوعًا من الزجاج المقسّى، وهو ما كنت أظن أنه المادة المستخدمة في أسطح مواقد الحث، علمًا بأن تكلفة القدم المربعة منه لا تتجاوز نحو 30 دولارًا. بل كان لا بد من استخدام مادة خاصة مستحدثة تُسمى «ديكتون»، تبلغ تكلفتها خمسة أضعاف ذلك المبلغ. «ما مادة الديكتون هذه بحق السماء؟» سألت السماء، أو زوجتي على الأقل.
اتضح أن لسؤالي إجابتين. الأولى أن الديكتون مادة اصطناعية ابتكرتها شركة كوسنتينو الإسبانية عام 2013، وتتميز بمقاومة مذهلة للحرارة والضغط والخدوش والتحطم والبقع. إنها مادة عالية التقنية كان تصنيعها سيكاد يكون مستحيلًا قبل ثلاثين عامًا فقط. أما الإجابة الثانية، وهي صحيحة بالقدر نفسه، فتتمثل في أن الديكتون ليس في جوهره سوى الخزف.
ومن المفارقات أن الخزف يُعد في الوقت نفسه أحد أقدم الإنجازات التكنولوجية المتقدمة للبشرية وأحد أحدثها. فقد صُنعت الأشكال الأولية الأولى من الخزف قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وكان ذلك إنجازًا تقنيًا مذهلًا بمعايير عصره، لا يقل في طابعه غير المسبوق عن التطور الذي شهده علم استخلاص المعادن من الحديد في الفترة نفسها تقريبًا. ثم شهدت تكنولوجيا الحديد نهضتها الثانية في منتصف القرن التاسع عشر، عندما أتاح ابتكار عمليتي بسمر وسيمنز مارتن لتنقية الحديد للمصنّعين إنتاج فولاذ عالي الجودة بتكلفة منخفضة. أما الخزف، فيشهد نهضته من جديد اليوم؛ فالخزفيات المتقدمة عالية التقنية تمثل عناصر أساسية في الطفرة المستمرة التي يشهدها علم المواد، وهو العلم الذي يدرس العلاقة بين البنية الداخلية للمادة وخصائصها الفيزيائية.
ينصب قدر كبير من الاهتمام، وبحق، على صعود العالم الرقمي والظهور المتسارع للذكاء الاصطناعي. لكن هذا الاهتمام يحجب أحيانًا التحول المستمر الذي لا يقل أهمية في عالمنا المادي، أي البيئة المبنية من حولنا، بفعل علم المواد. فقد أطلق هذا العلم موجة هائلة من الابتكارات المنتشرة في كل مكان، إلى حد يجعلها تكاد تكون غير مرئية، حتى إنه غيّر حرفيًا الجدران المحيطة بنا. ويذكّرنا الخزف بأن السعي إلى ابتكار أنواع جديدة من المادة ظل يؤدي دورًا مؤثرًا في تاريخ البشرية منذ زمن بعيد.
الكاولين
بدأت الخطوات الأولى نحو ابتكار الخزف عندما شرع الخزافون في شمال الصين في تجربة نوع غير مألوف من الطين، يتميز بلونه الشبيه بالطباشير وحبيباته الدقيقة، ويُعرف باسم الكاولين. وكان الكاولين معروفًا بلونه الذي يجعله مفيدًا في صناعة الدهانات والطلاءات والمواد المالئة. لكن الخزافين اكتشفوا أن تعريض هذا الطين الأبيض اللين، الذي لا يوحي مظهره بشيء استثنائي، لدرجات حرارة شديدة الارتفاع يؤدي إلى نتائج مذهلة.
يبدو الطين العادي كتلة غير متبلورة من المواد اللزجة، لكنه في الواقع يتكون من أعداد هائلة من البلورات المجهرية. وتتخذ هذه البلورات بنية غير مألوفة؛ إذ تتكون من صفائح مسطحة متراصة بعضها فوق بعض، مثل أوراق اللعب داخل رزمة، وتربط بينها مجموعات الهيدروكسيل بروابط ضعيفة. ومجموعات الهيدروكسيل هي مجموعات تتكون من الهيدروجين والأكسجين المرتبطين معًا، ويرمز إليها الكيميائيون بالصيغة OH−.
عندما يُحرق الطين داخل فرن فخاري، تبدأ مجموعات الهيدروكسيل بالاهتزاز والتحرر من بنيتها، فتتفكك الصفائح وتُعاد صياغتها لتتحول إلى بلورات طويلة شبيهة بالإبر، تتشابك فيما بينها لتشكّل بنية متينة. وفي الوقت نفسه، تتحد مجموعات الهيدروكسيل الحرة لتصبح جزيئات ماء تتبخر على هيئة بخار داخل الفرن الساخن، تاركة وراءها الأكسجين الذي يدخل في تركيب البلورات الجديدة.
يحتوي طين الكاولين على نسبة وفيرة من معدن الكاولينيت، وهو معدن يتكون من الألومنيوم والسيليكون والأكسجين والهيدروجين، وصيغته الكيميائية Al₂Si₂O₅(OH)₄. وتشير الأقواس في الصيغة إلى أن كل وحدة من هذا المركب تحتوي على أربع مجموعات هيدروكسيل. وعند تسخين الكاولينيت في الفرن، يفقد هو الآخر مجموعات الهيدروكسيل ويعيد تنظيم بنيته، مكوّنًا شبكة ثلاثية الأبعاد من البلورات الشبيهة بالإبر. لكن عندما ترتفع درجة الحرارة إلى نحو 1200 درجة مئوية، وهي درجة أعلى بكثير من درجات الحرارة المعتادة في صناعة الفخار التقليدي، يحدث للكاولين شيء آخر. إذ ينفصل السيليكون عن الأكسجين أولًا، ويتحدان لتكوين السيليكا، التي تتحول إلى سائل زجاجي كثيف يملأ جميع الفراغات المحيطة بالإبر البلورية وداخلها، مكوّنًا بنية متصلة وكثيفة وشبه شفافة، هي الخزف.
في الصين، كما في سائر أنحاء العالم، كانت صناعة المواد الخزفية من الصناعات الأساسية منذ آلاف السنين. فقد شكّل الطين عنصرًا رئيسيًا في البناء، سواء في صناعة الطوب أو الطوب اللبن أو الجدران المصنوعة من أغصان الأشجار المغطاة بالطين، كما استُخدم في الطهي وصناعة الأواني وأدوات المائدة، وفي الفنون، بما في ذلك الأصباغ والمنحوتات، بل وحتى في التواصل؛ إذ كانت الألواح الطينية أولى الأسطح التي استُخدمت للكتابة. غير أن ابتكار الخزف مثّل قفزة هائلة إلى الأمام، نتجت عن تضافر مجموعة من الابتكارات المتعددة.
لم تكن الأفران التقليدية قادرة على بلوغ درجات الحرارة اللازمة لحرق الخزف، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن فتحات تصريف الدخان، الموجودة في سقف الفرن، كانت تسمح بخروج الهواء الساخن بسرعة تكاد تضاهي سرعة تولّده، مما يؤدي إلى تبريد الفرن. وتواجه المدافئ المنزلية التقليدية مشكلة مماثلة؛ فهي ممتعة للنظر إليها عندما تكون مشتعلة، لكنها شديدة الضعف من حيث كفاءة التدفئة. ولحل هذه المشكلة، صمم الخزافون الصينيون أفرانًا ذات تيار هوائي هابط، تجبر الهواء الساخن على الخروج عبر فتحات في أرضية الفرن، فتحبس الحرارة حول القطع الفخارية. لكن درجات الحرارة المرتفعة هذه كانت تشكل خطرًا مقلقًا، إذ كان من الممكن أن تتشقق الأفران العادية أو حتى تنصهر. لذلك ابتكر الخزافون الصينيون أنواعًا جديدة من الطوب المقاوم للحرارة. ولم تكن هذه سوى واحدة من سلسلة طويلة من الابتكارات.
ألتينكتور
عندما شاهد الأوروبيون الخزف القادم من شرق آسيا للمرة الأولى، ربما في القرن الثالث عشر، أُصيبوا بالذهول. فقد كان أصلب وأقوى وأنعم وأكثر دقة ولمعانًا من أي نوع آخر من الفخار، وسرعان ما تحول إلى سلعة مرغوبة بشغف شديد، وإلى ما يشبه «الذهب الأبيض» لدى أثرياء القارة الأوروبية وأصحاب النفوذ فيها. وأصبحت أطقم الأواني الخزفية البيضاء اللامعة الضخمة رمزًا للترف والفخامة، أشبه بالطائرات الخاصة والنوادي الحصرية التي لا يدخلها إلا المدعوون في عصر النهضة.
ولأن النخب الأوروبية لم تكن راضية عن الأسعار المرتفعة التي فرضها التجار الذين استوردوا الخزف من آسيا، أنفقت مبالغ طائلة في محاولات إنتاج خزفها الخاص، لكنها أخفقت إخفاقًا ذريعًا على مدى عدة قرون.
كانت إحدى المشكلات الأساسية أن أحدًا في القارة الأوروبية لم يكن يعرف أن الخزف يُصنع من الكاولين. ولم يكن الأوروبيون يعرفون أيضًا أن الكاولينيت وحده لا يحتوي على كمية كافية من السيليكات السائلة الزجاجية اللازمة لإنتاج الخزف الحقيقي، ولذلك كان الخزافون الصينيون يضيفون إليه مسحوقًا ناعمًا من حجر يُعرف باسم «حجر الصين»، وهو نوع من الغرانيت المتحلل جزئيًا ويحتوي على السيليكون.
وفي محاولتهم إنتاج أوانٍ بيضاء تشبه الخزف الصيني، أضاف الخزافون الأوروبيون مواد مثل أكسيد القصدير والزجاج المطحون إلى الطين. وأفضت هذه الطريقة إلى ظهور منتجات خزفية مثل المايوليكا الإيطالية، والفيانس الفرنسي، وخزف دلفت الهولندي. وكانت النتائج جميلة في كثير من الأحيان، لكنها افتقرت إلى خصائص الخزف الحقيقية، مثل عدم نفاذ الماء، ومقاومة قوى الشد، والرنين المميز الذي يصدر عن الأكواب الخزفية عند النقر عليها بملعقة.
وهنا ظهر الكونت إهرنفريد فالتر فون تشيرنهاوس (1651–1708)، وهو عالم رياضيات وفيزياء وفيلسوف وُلد في ناخبية ساكسونيا. درس تشيرنهاوس الرياضيات والفلسفة في البداية، لكنه افتتن بالخزف عندما بلغ العشرينيات من عمره. وابتداءً من نحو عام 1679، أجرى سلسلة من التجارب استخدم فيها مرايا نحاسية مقعرة لتركيز أشعة الشمس الشديدة الحرارة على أنواع متعددة من المعادن والمواد المعدنية والخزفيات. وأدرك في نهاية المطاف أن العدسات الزجاجية يمكن أن تتفوق على المرايا، فابتكر طريقة لصب الزجاج وتصنيع عدسات كبيرة وسميكة قادرة على تركيز أشعة الشمس. ثم أرسل عينات من النتائج التي توصل إليها إلى ملوك أوروبا، محاولًا الحصول على تمويل لإنشاء أكاديمية علمية في ساكسونيا، لكنه لم ينجح في ذلك.
وفي شتاء عامي 1693 و1694، توصل تشيرنهاوس إلى اكتشاف مفاجئ، إذ عثر على نوع من الطين لا ينصهر. وقد استُخرج هذا الطين من بلدة كولديتز، الواقعة على بعد نحو 25 ميلًا جنوب شرقي لايبزيغ في ساكسونيا، وكان يحتوي على الكاولين، وإن لم يكن تشيرنهاوس يعرف ذلك بالطبع. وعندما أضاف إلى الطين الألباستر أو الطباشير، ثم سخّن الخليط، حصل على مادة خزفية صلبة صفراء اللون وشبه شفافة إلى حد ما، أطلق عليها اسم «خزف الشمع».
لكن المشكلة أنه لم يتمكن من إنتاج هذه المادة بكميات كبيرة؛ إذ كانت عدساته قادرة على تركيز أشعة الشمس على مساحة تتراوح بين 10 و15 سنتيمترًا مربعًا، لكنها لم تكن قادرة على تسخين مساحات كبيرة بما يكفي. وعندما حاول إنتاج الخزف في الأفران التجارية، تشققت جدرانها أو انصهرت. وبينما كان تشيرنهاوس يكافح لتطوير فرن أفضل، تواصل معه أوغسطس القوي، حاكم ساكسونيا.
قبل ذلك ببضع سنوات، كان شاب محتال في بروسيا يُدعى يوهان فريدريش بوتغر قد أعلن أنه اكتشف «ألتينكتور»، وهي مادة كيميائية أسطورية من مواد الخيمياء يُزعم أنها تشفي جميع الأمراض وتحول المعادن الرخيصة إلى ذهب. وفي مثال صارخ على العواقب الوخيمة للمبالغة في الادعاءات، أمر ملك بروسيا، الذي كان يتوق إلى الحصول على الذهب واحتكار ألتينكتور، باعتقال بوتغر فورًا ووضعه تحت ما سُمّي «الحجز الوقائي». لكن بوتغر تمكن من الفرار إلى ساكسونيا، حيث ألقى حاكمها أوغسطس القوي، الذي كان يتوق إلى الذهب بالقدر نفسه، القبض عليه بدوره، واحتجزه في علّية داخل حصن يقع خارج مدينة دريسدن، وأمره بإنتاج الذهب.
أمضى بوتغر سنوات في العمل، وظل طوالها يعد بإنتاج «ذهب الخيميائيين»، لكنه عجز، على نحو يثير الدهشة، عن الوفاء بوعده. ومع تزايد إحباط أوغسطس، طلب في عام 1704 من تشيرنهاوس الإشراف على العمل المتعلق بألتينكتور. غير أن تشيرنهاوس، الذي لم يُبدِ أي اهتمام بالخيمياء، دعا بوتغر إلى العمل معه على إنتاج الخزف بدلًا من ذلك. ووافق بوتغر على مضض، حفاظًا على حياته.
تمكن تشيرنهاوس وبوتغر وغوتفريد بابست فون أوهاين، وهو مسؤول رفيع المستوى في قطاع التعدين، وكان أقرب ما يمكن أن يوجد آنذاك إلى عالم متخصص في علوم الأرض، من تطوير طين أحمر يمكن تحويله إلى طوب مناسب لبناء أفران الخزف. وفي يونيو عام 1708، عثر بابست فون أوهاين على مصدر لطين أبيض يكاد يكون كاولينًا نقيًا، وإن لم يكن يعرف ذلك، وأرسله إلى الرجلين الآخرين. وفي أغسطس وسبتمبر، مزج تشيرنهاوس الطين الأبيض بالحجر الجيري المطحون، ثم سخّن الخليط داخل أفران مصنوعة من الطين الأحمر الجديد. وبذلك تمكن، بمفرده، من صنع كوب يشبه إلى حد بعيد الخزف الصيني الأبيض، سواء في مظهره أو في خصائصه.
لكنه لم يعش طويلًا ليستمتع بانتصاره. ففي أكتوبر، سقط تشيرنهاوس ميتًا بصورة مفاجئة، ويُقال إن السبب كان إصابته بالزحار. وقبل وفاته، سلّم بابست فون أوهاين صندوقًا أسود مليئًا بالوثائق. وعُثر على الصندوق بين مقتنيات بوتغر بعد وفاته، وربما يفسر ذلك سبب كتابته إلى أوغسطس في مارس عام 1709، مدعيًا أنه المكتشف الوحيد لطريقة تصنيع الخزف.
وفي العام التالي، أصدر أوغسطس مرسومًا رسميًا بتأسيس المصنع الملكي للخزف في مايسن، وهي بلدة صغيرة أخرى بالقرب من دريسدن، وعيّن بوتغر مسؤولًا عنه. واستغرق العاملون في المصنع عشر سنوات إضافية قبل أن يكتشفوا أن «طين الصين»، أو بالأحرى نوعًا محليًا مشابهًا من الحجر، كان أفضل من الحجر الجيري بوصفه مادة مضافة. وبعد ذلك، أصبحت مايسن مركز صناعة الخزف في أوروبا.
وجنى أوغسطس أموالًا طائلة من هذه الصناعة، حتى إنه بنى «قصرًا يابانيًا» ملأه بنسخ من منتجات الخزف الآسيوية المصنوعة في مايسن. وكان يتباهى أمام زواره بأنه تفوق على الصينيين، وكان محقًا في ذلك؛ إذ كان خزف مايسن أصلب وأقل مسامية من الخزف الصيني الأصلي.
الديكتون
إذا كان خزف مايسن يمثل الجيل الثاني من الخزف، فإن مادة الديكتون التي أستخدمها في موقد الطهي تمثل الجيل الثالث، وربما ما بعده. تُصنع هذه المادة من خلال تحويل مزيج سائل كثيف من مسحوق الخزف والزجاج والكوارتز إلى ألواح، ثم تمرير هذه الألواح عبر مكبس هيدروليكي ضخم يطبق ضغطًا يبلغ 25 ألف طن متري، قبل تقويتها بالتسخين إلى درجة حرارة تصل إلى 1200 درجة مئوية. وقد استغرق ابتكار الديكتون ست سنوات، وكلف ما يقارب 200 مليون دولار.
تحتوي المواد الخزفية التقليدية على فراغات وعيوب مجهرية تعمل بوصفها «مراكز لتركيز الإجهاد»، أي إنها تركز الطاقة الناتجة عن الصدمات بدلًا من توزيعها، وهو ما يؤدي إلى تشقق المادة. أما الحرارة والضغط المرتفعان المستخدمان في إنتاج الديكتون، فيدفعان الذرات الموجودة في جزيئات الكاولينيت والكوارتز إلى الانتشار عبر الحدود الفاصلة بين الجسيمات المتلامسة، مما يحول المادة بأكملها إلى كتلة صلبة واحدة تقريبًا. ونتيجة لذلك، تمكنت هذه التقنية من الحد إلى حد كبير من أقدم نقاط ضعف الخزف وأكثرها رسوخًا، وهما الهشاشة والضعف البنيوي.
ولا يمثل الديكتون سوى جانب واحد من النهضة المستمرة التي يشهدها الخزف، وهي بدورها جزء من ثورة أوسع نطاقًا في علم المواد. وقد تأسس هذا المجال في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، عندما اضطر علماء الفيزياء والكيمياء والمهندسون إلى العمل معًا خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وسباق الفضاء. لكنه انطلق فعليًا في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، مع تطور تقنيات القياس والتصنيع الدقيقين. وكانت معظم ابتكاراته تدريجية، لكن حصيلتها التراكمية أحدثت تأثيرًا هائلًا في حياتنا اليومية.
ولإعطاء مثال شخصي، أُصيبت حماتي الراحلة بإعاقة دائمة بعد انزلاقها على بلاط حمام خزفي مبلل. وهذا النوع من الحوادث يتعرض له عشرات الآلاف من الأشخاص في الولايات المتحدة كل عام. في الماضي، كانت الشركات تصنع البلاط المقاوم للانزلاق عن طريق تغطيته بحبيبات خشنة وحادة، أشبه بوضع ورق الصنفرة على سطح الأرضية، وهي طريقة لم تحظَ بشعبية مستحقة في المنازل.
لكن قبل عشر سنوات، طرحت شركات إيطالية وإسبانية لصناعة البلاط، مثل «سيراميكا سانت أغوستينو» و«إينالكو»، أنواعًا من البلاط تُعرف باسم البلاط المنشّط بالماء أو البلاط المخصص للاستخدامين الداخلي والخارجي. وتحتوي هذه الأنواع على مركبات بلورية خاصة تُدمج في سطح البلاط أثناء التصنيع بالحرارة. وعندما يكون البلاط جافًا، يبدو مثل البلاط الخزفي العادي ويشبهه في ملمسه. لكن عندما يبتل ويطأه شخص بقدمه، يدفع الضغط الماء إلى آلاف المسام الموجودة على سطحه، فينشأ تأثير يشبه تأثير كؤوس الشفط بين القدم والبلاط، مما يقلل الانزلاق على الفور.
وكم مقدار المعاناة التي يمكن أن يمنعها هذا النوع من البلاط المنشّط بالماء؟ تشير حسابات تقريبية إلى أن أثره، من حيث عدد الوفيات التي يمكن تجنبها، قد يعادل أثر القضاء على سرطانات الأطفال.
وثمة مثال شخصي آخر. فقد أُصيبت ابنتي في الحادية عشرة من عمرها بعدوى نادرة في العظام، وأصبحت تستخدم الآن مفصل ورك خزفيًا. والسبب في استخدام الخزف أن المفاصل الاصطناعية المصنوعة سابقًا من الكوبالت والكروم يمكن أن تطلق أيونات معدنية في مجرى الدم، وقد تنتقل هذه الأيونات إلى المشيمة لدى النساء الحوامل، مما قد يلحق الضرر بالجنين.
وفي الفترة نفسها تقريبًا التي طرحت فيها شركات الخزف البلاط المنشّط بالماء، بدأ الباحثون استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج هياكل خزفية حيوية مسامية تشبه الشبكات، بهدف تعويض العظام التالفة. وهذه الهياكل ليست بدائل دائمة للعظام، بل تعمل بوصفها سقالات تتيح للأوعية الدموية وخلايا العظام الانتقال إلى الفراغات الموجودة داخل البنية الخزفية الحيوية. ومع مرور الوقت، تذوب البنية الخزفية ويحل محلها نسيج جسم المريض نفسه، بينما يتخلص الجسم من بقايا السقالة.
ويمكنني مواصلة الحديث عن استخدام تقنية النانو لملء مسام الخزف بهدف تعزيز عمق الألوان ومقاومة البقع، أو طباعة طبقات من أيونات الفضة على سطح الخزف لتعزيز خصائصه المضادة للميكروبات، أو استخدام ثنائي سيليكات الليثيوم لصناعة غرسات سنية فائقة الرقة تتمتع بقوة غير مسبوقة.
لكن ربما تكون أفضل طريقة لتوضيح الأمر هي تخيل جدتي، التي كانت تعرض بفخر على خزانة جانبية أطقم الخزف الميسني الرقيقة كالصدفة، الموروثة عن والدتها. لا شك أنها كانت ستُذهل لو علمت أنني أطبخ اليوم فوق لوح رقيق من الخزف، وألقي بلا مبالاة بقدور ثقيلة مملوءة بالماء المغلي على سطحه. لكن عندما حاولت أن أشرح لابني مدى روعة هذا الإنجاز، نظر إليّ بوجه خالٍ من التعبير. فهو لم يعش يومًا في عالم لا تصنع فيه الأشياء من الخزف.
