إسناد مهام العمل للذكاء الاصطناعي يكلفنا ثمناً باهظاً
يؤدي الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في إنجاز العمل المعرفي إلى مفارقة خطيرة: فقد تبدو المخرجات مصقولة ومنظمة وموثقة، بينما تخفي أخطاء جوهرية مثل الاستشهادات والمصادر المفبركة، كما حدث في حالات رسمية كلفت مؤسسات وحكومات خسائر مالية وسمعة مهنية. والمشكلة لا تقتصر على ضعف جودة المخرجات، بل تمتد إلى تراجع قدرة الإنسان على التفكير والتحليل والتقييم عندما يتولى الذكاء الاصطناعي عملية بناء الأفكار نيابة عنه، خصوصًا في بيئات العمل التي تكافئ سرعة الإنجاز أكثر مما تكافئ جودة التفكير. وتظهر الدراسات أن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تحسن الأداء، في ظل نقص التدريب وانتشار الاستخدام العشوائي وغير الشفاف، كما أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تزال تخفق في نسبة كبيرة من المهام المهنية المعقدة. لذلك لا يكمن الحل في منع الذكاء الاصطناعي، بل في إعادة تحديد دوره بحيث يدعم التفكير البشري ولا يحل محله، عبر منح الموظفين وقتًا كافيًا للتفكير والعصف الذهني وبناء الأفكار بعيدًا عن الأدوات الذكية، ثم إخضاع المخرجات البشرية والآلية معًا لمراجعة نقدية صارمة تشمل المنطق والمصادر والافتراضات والمنهجية. فالقيمة الحقيقية للعمل المعرفي لا تكمن في المنتج النهائي وحده، وإنما في العملية الذهنية التي تُنتجه وتُمكّن الإنسان من فهمه وتقييمه والدفاع عنه.
