القائمة الرئيسية

هل الصحافة العلمية تحتضر؟

هل الصحافة العلمية تحتضر؟
ملخص المقال

يناقش المقال مدى تعرض الصحافة العلمية للانهيار، مشيرًا إلى أن المخاوف الحالية من تراجعها – والتي تتجلى في تقلص صحف ومجلات علمية عريقة مثل "ساينتيفيك أمريكان" – تُعد مزيجًا من قلق مبالغ فيه أحيانًا (على غرار "الذعر الأخلاقي" الذي شهده المجال عام 1986) وواقعٍ جديدٍ ومثيرٍ للقلق. يعزو الكاتبان هذا التحدي إلى عاملين رئيسيين: أزمة الصحافة المؤسسية الشاملة الناتجة عن صعود الإنترنت وتغير أنماط الاستهلاك، والانتشار الواسع للمعلومات العلمية عبر المنصات الرقمية. ورغم ازدهار "التواصل العلمي" في الفضاء الرقمي، فإنه يختلف جوهريًا عن "الصحافة العلمية" الحقيقية التي تتطلب تحقيقًا معمقًا وتدقيقًا مكلفًا ومستقلًا. لذا، يخلص الكتاب إلى أن بعض المخاوف مبرر، لكن الأمل يظل قائمًا في تجاوز الصحافة العلمية لهذه التحولات من خلال الابتكار.

عندما توقفت مجلتان من مجلات العلوم الشعبية عن الصدور في العام نفسه، من بين نحو 17 مجلة كانت متداولة آنذاك، قال أحد المعلقين: «لم تتراجع مجلات العلوم تدريجيًا، بل انهارت تمامًا». وقال المدير العام لإحدى المجلات التي أخفقت إن «هناك تصورًا سائدًا بأنها لم تعد ذات صلة». أما أحد الناشرين، فتذكر أنه كان في «حالة من الصدمة» عندما بدأت حالات الإخفاق بالظهور.

في أي عام حدث ذلك؟ في عام 1986. فما كان يُوصف قبل ذلك ببضع سنوات بأنه «طفرة علمية» في صناعة الإعلام، أصبح يُطلق عليه الآن «انهيار علمي». وصدرت أصوات يائسة من أوساط العلوم والصحافة العلمية، معربة عن قلقها من أن يكون الاهتمام بالعلوم مجرد «موضة عابرة».

وقد عادت المخاوف نفسها إلى الظهور بعد 40 عامًا، مع تقليص الناشرين أعداد العاملين في التغطية الصحفية للعلوم والبيئة في العديد من الصحف والمجلات. وربما جاءت أكبر صدمة في أواخر يونيو 2026، عندما بيعت مجلة ساينتيفيك أمريكان (Scientific American) إلى ملاك جدد، سرعان ما سرّحوا 15 موظفًا وخفّضوا رواتب عدد كبير من الموظفين الآخرين. غير أن ذلك جاء امتدادًا لعمليات تسريح طالت كتّاب العلوم والبيئة في صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post)، التي عمل فيها أحدنا، كريس موني، لما يقرب من عشر سنوات، وصحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal)، وإذاعة ناشونال بابليك راديو (National Public Radio)، وشبكة سي بي إس نيوز (CBS News).

وقد أعرب أحد كتّاب العلوم المخضرمين مؤخرًا عن قلقه من أنه يكتب «مرثية للصحافة العلمية». وقال كاتب آخر: «إننا نعيش في بلد تراجعت فيه المؤسسة الصحفية تراجعًا هائلًا». وفي منصة بلوسكاي، علّق أحد المستخدمين قائلًا: «إن الانقراض الجماعي لوسائل الإعلام يواصل مسيرته بلا توقف».

وبصفتنا باحثين في مجال الصحافة العلمية، تساءلنا: هل ما يحدث مجرد تكرار دوري للمخاوف التي تظهر كلما تعرض هذا المجال لانتكاسة؟ أم أن هناك أمرًا جديدًا وأكثر إثارة للقلق يحدث بالفعل؟

الإجابة هي مزيج من الأمرين.

يشكو العلماء من التغطية الإعلامية للعلوم منذ أكثر من قرن، ويصفونها بأنها غير كافية، بل وغير دقيقة في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من سنوات طويلة شهدت زيادة في التغطية الإعلامية وتحسنًا في تأهيل الصحفيين المتخصصين في العلوم، فإن المؤسسات العلمية لا تزال تدعو باستمرار إلى توفير صحافة علمية أكثر جودة واتساعًا.

لكن الأمر الأقل وضوحًا هو ما إذا كان البالغون من غير المتخصصين في العلوم يرغبون فعلًا في الحصول على مزيد من المحتوى العلمي، وما إذا كانوا مستعدين لدفع المال مقابل استهلاكه بمعدلات تفوق ما يفعلونه حاليًا. ويظل هذا السؤال مطروحًا، على الأقل عندما لا يُقدَّم المحتوى على يد شخصيات مشهورة، مثل عالم الفلك كارل ساغان في ثمانينيات القرن الماضي، أو مارك روبر في عصرنا الحالي، وهو مهندس سابق في وكالة ناسا تحول إلى صانع محتوى على يوتيوب وشخصية بارزة على نتفليكس، وحاز جوائز عن أعماله.

في عام 1987، حلّل أحدنا، بروس لوينشتاين، انهيار الطفرة العلمية. وخلص آنذاك إلى أن هناك جمهورًا واضحًا للصحافة العلمية، وإن لم يكن حجمه بالضرورة كبيرًا بالقدر الذي توقعه بعض المعلقين والناشرين.

ووفقًا لتحليل بروس، فإن الحديث عن انهيار الطفرة العلمية كان يمثل حالة من «الهلع الأخلاقي»، أي قلقًا حقيقيًا، لكن الأطراف المعنية كثيرًا ما تبالغ في تقدير خطورة المشكلة أو مدى انتشارها. وفي الواقع، واصلت الصحافة العلمية ازدهارها خلال العقود التي أعقبت طفرة ثمانينيات القرن الماضي، إذ ظهرت برامج جديدة لتدريب الصحفيين العلميين، وتأسست منصات إعلامية جديدة، وبرزت أشكال مختلفة من المحتوى مع توسع استخدام الإنترنت.

وربما تمثل المخاوف الحالية حالة أخرى من الهلع الأخلاقي، فهي تستند إلى مشكلات حقيقية، لكنها قد لا تعكس الصورة كاملة كما يصورها البعض. وفي هذا السياق، بدأ كريس موني، وهو الباحث الآخر بيننا، بجمع البيانات لتحديث التحليل السابق.

وتشير النتائج إلى أن المتشائمين اليوم لديهم بالفعل بعض الحجج التي تدعم موقفهم. فمن بين 29 مجلة بارزة للعلوم الشعبية تأسست في الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر، لم يتبقَّ سوى 11 مجلة. كما أن ثمانيًا من حالات الإغلاق حدثت منذ عام 2000.

ومع ذلك، لا بد من توضيح بعض التحفظات. فهذه المحاولة الأولية ترصد فقط حالات توقف المجلات المطبوعة عن الصدور، كما تقتصر على المجلات التي تغطي مجالات علمية واسعة، بدلًا من التركيز على مجال واحد فقط، مثل علم الفلك، وتستهدف جمهورًا عامًا من القراء. ولذلك، فهي تستبعد إلى حد كبير المنشورات التعليمية، ومجلات الخريجين، والمطبوعات المخصصة للأعضاء. ومع ذلك، نعتقد أن القائمة تتضمن أهم العناوين في هذا المجال.

والرسالة التي تكشف عنها هذه البيانات واضحة ولا يمكن تجاهلها: كثير من المبادرات الإعلامية في مجال العلوم تفشل، وقد كان الأمر كذلك دائمًا. فعلى سبيل المثال، أطلقت شركة ماكغرو هيل عام 1946 مجلة ساينس إلوستريتد (Science Illustrated)، وهي مجلة علمية جماهيرية لم يكتب لها النجاح، ولم تستمر حتى عام 1949. وهناك قصص كثيرة مشابهة تكررت على امتداد العقود.

وتُعد خسارة مجلة بوبولار ساينس (Popular Science) من أبرز الخسائر الحديثة في عالم المجلات المطبوعة. وتعود جذور هذه المجلة إلى بوبولار ساينس مونثلي (Popular Science Monthly) التي تأسست عام 1872. وفي عام 2011، كان إجمالي توزيع بوبولار ساينس يتجاوز مليون نسخة شهريًا. لكنها قلّصت وتيرة صدورها لتصبح مرة كل شهرين، ثم مرة كل ثلاثة أشهر، قبل أن تتوقف عن إصدار النسخ المطبوعة تمامًا بحلول عام 2021. وبحلول نهاية عام 2023، توقفت أيضًا عن إصدار المجلة الرقمية. ومع ذلك، لا تزال تنشر محتوى علميًا عبر الإنترنت، وتقدم بودكاستين.

كما واجهت مجلة ناشيونال جيوغرافيك (National Geographic)، وهي واحدة من عمالقة المجلات، صعوبات أيضًا. ففي عام 2023، سرّحت عددًا من الكتّاب العاملين فيها، وفقًا لتقارير نشرتها صحيفة واشنطن بوست، كما توقفت عن بيع أعدادها الشهرية عبر منافذ بيع الصحف. ومع ذلك، لا تزال المجلة تصدر نسخًا مطبوعة.

إن تعرض ثلاث من أعرق المنشورات وأكثرها شهرة، وهي ساينتيفيك أمريكان وبوبولار ساينس وناشيونال جيوغرافيك، لتقليص أنشطتها خلال السنوات الأخيرة، يشير بلا شك إلى وجود مشكلة أعمق من مجرد تعثر بعض المجلات.

وعند استعراض المشهد العام لنشر العلوم الموجهة إلى الجمهور، يبدو أن هناك عاملين أساسيين يستحقان النظر.

أولًا، لا تقتصر الأزمة على الصحافة العلمية وحدها، بل تشمل البنية الكاملة للعمل الصحفي، التي تشهد تحولات جذرية. فالصعوبات التي تواجه المنشورات المطبوعة تتجاوز المجال العلمي بكثير، وتعكس في جوهرها صعود الإنترنت وتغير أنماط استهلاك المحتوى.

ويمكن القول إن الصحف المطبوعة تأثرت بهذه التحولات بدرجة أكبر من المجلات المطبوعة. فعلى سبيل المثال، تُظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن قطاع الصحف في الولايات المتحدة فقد نحو 80% من وظائفه بين عامي 2000 و2025، مقارنة بنحو 65% من الوظائف في قطاع نشر الدوريات. وفي الوقت الذي كنا ننهي فيه كتابة هذا المقال، أعلنت مجموعة صحف ماكلاتشي (McClatchy)، المملوكة لصندوق تحوط، عن تخفيضات كبيرة في غرف الأخبار. ويبدو أن هذه التخفيضات تتراوح بين 30% و50% من العاملين في التحرير لدى بعض المنشورات، وقد تكون أكبر من ذلك في منشورات أخرى. وقد عانت الصحف والمجلات على حد سواء من تحولات حادة في سوق الإعلانات، التي انتقل جزء كبير منها إلى الإنترنت، فضلًا عن التغيرات التي طرأت على طرق استهلاك الأجيال الشابة للأخبار والمعلومات.

ترتبط بعض التحديات التي تواجه الصحافة اليوم بالعوامل الاقتصادية، بينما يرتبط بعضها الآخر بالعوامل السياسية. وهذان الجانبان متداخلان؛ إذ إن السعي المحموم إلى تحقيق الأرباح في الوقت الراهن يشجع على اندماج الشركات وتوحيد ملكيتها، ويضعف فرص المؤسسات الإعلامية الصغيرة التي تقبل بالتخلي عن بعض الأرباح مقابل تحقيق أهداف أخرى. وقد تشمل هذه الأهداف تشجيع الشباب على الاهتمام بالعلوم، وإبراز قيمة المعرفة المتخصصة، أو التعبير عن الإعجاب بعظمة العالم الطبيعي وجماله.

ثانيًا، أصبح الوصول إلى المعلومات والتعليقات المتعلقة بالعلوم أسهل وأوسع نطاقًا من أي وقت مضى من بعض الجوانب. فالمنشورات التي تعمل عبر الإنترنت فقط، ومنصات التواصل الاجتماعي، ويوتيوب، جميعها توفر للمهتمين بالعلوم مجموعة أوسع بكثير من المعلومات مقارنة بما كان متاحًا في الماضي.

وقد تجاوز الإنترنت التلفزيون منذ أكثر من عقد من الزمن ليصبح المصدر الأساسي للمعلومات العلمية لدى الجمهور، وفقًا لبيانات استطلاعية جمعتها المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة. أما المنصة الجديدة التي قد تحمل أكبر الآمال للصحافة العلمية والتواصل العلمي اليوم، فهي منصة سابستاك (Substack)، التي تتيح للصحفيين المستقلين والشخصيات الإعلامية بناء جماهير خاصة ومخلصة، مستعدة لدفع المال مقابل المحتوى الذي يقدمونه.

وهكذا، فإن التواصل العلمي يزدهر، لكن ذلك يختلف عن ازدهار الصحافة العلمية. فالنمو الذي يشهده هذا المجال يميل إلى تفضيل التعليقات السريعة والآراء والانطباعات، بدلًا من الصحافة المؤسسية التي تلتزم بالتحقق من المعلومات، وتتحمل تكاليف باهظة مرتبطة بعملها. وتشمل هذه التكاليف صحفيين قد يقضون أشهرًا في إعداد تحقيق واحد، وفرقًا من المحررين، بل ومحامين أيضًا.

ولا يزال قدر كبير من المعلومات العلمية المنشورة عبر الإنترنت يفتقر إلى التصفية والتدقيق المستقلين. إذ تدفع الشركات والمؤسسات وبعض المؤثرين بالمحتوى لأغراض ترويجية، ونادرًا ما يتعمق هؤلاء في البحث عن الأخطاء أو تتبع القصص المعقدة أو كشف تضارب المصالح، وهي أمور تشكل جوهر العمل الصحفي الحقيقي.

وفي نهاية المطاف، فإن المخاوف المتعلقة بإخفاق الصحافة العلمية تعكس في جوهرها مخاوف أوسع بشأن انهيار الصحافة المؤسسية عمومًا. فالدور الاجتماعي للصحافة، الذي عبّرت عنه عبارة شهيرة مفادها «مواساة المتألمين وإزعاج المطمئنين»، لا يزال بالغ الأهمية. ومع ذلك، يرى توم روزنستيل، الصحفي والناقد الإعلامي، في كتابه الجديد الصحافة القادمة (The Next Journalism)، أن المرحلة المقبلة تتطلب ظهور نماذج فكرية جديدة للعمل الصحفي.

وعليه، فإن إجابتنا عن السؤال الذي طرحناه في البداية هي: نعم، قد يكون بعض القلق السائد حاليًا مبالغًا فيه، ويمثل نوعًا من الهلع الأخلاقي. لكن جزءًا آخر من هذا القلق مبرر تمامًا. ومع ذلك، لا نزال نحتفظ بالأمل في أن تتمكن الصحافة العلمية من تجاوز هذه التحولات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، وأن تنجو من آثارها. ولكي تحقق ذلك، سيكون عليها أن تتحلى بالابتكار نفسه الذي يتميز به الباحثون الذين تتولى تغطية أعمالهم.

المصدر

مقالات ذات صلة