أمضت الشركات السنوات القليلة الماضية في تعليم موظفيها كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. أما الخطوة التالية فهي أكثر صعوبة، وتتمثل في إعدادهم لإدارة وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين ينفذون سلسلة من الإجراءات بصورة مستقلة بدلًا من الاكتفاء بالإجابة عن سؤال. ويتعين على الشخص الذي يوجّه أحد هؤلاء الوكلاء أن يقدم تعليمات واضحة، ويقسّم العمل إلى خطوات، ويتحقق من النتائج، ويعرف متى يتدخل لتولي المهمة بنفسه. كما يحتاج إلى فهم المهمة بالقدر الكافي الذي يمكّنه من اكتشاف أخطاء الوكيل.
روّجت شركة مايكروسوفت لفكرة أن كل موظف سيصبح «مديرًا لوكلاء الذكاء الاصطناعي»، أي شخصًا يفوّض المهام إلى هؤلاء الوكلاء ويتولى إدارتهم. لكن أبحاث الشركة تشير إلى أن معظم الموظفين وأصحاب العمل ليسوا مستعدين لذلك. ففي تقريرها لعام 2026 بعنوان «مؤشر اتجاهات العمل» (Work Trend Index)، الذي استند إلى استطلاع شمل 20 ألف موظف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، لم تتجاوز نسبة من يمتلكون مهارات قوية في الذكاء الاصطناعي ويحظون في الوقت نفسه بدعم مؤسسي قوي 19%.
ويتفق ذلك مع ما يلاحظه فهد بيزاري، المؤسس والشريك الإداري لشركة بيلامي ألدن (Bellamy Alden) الاستشارية المتخصصة في تمكين المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي، أثناء تدريبه فرق العمل لدى العملاء على إنشاء وكلائها الخاصة. وأوضح أن معظم المؤسسات التي يعمل معها، بما فيها الشركات متعددة الجنسيات الكبرى، لا تزال في مرحلة تعلم الاستخدام الفعّال لأدوات الذكاء الاصطناعي اليومية.
ويرى الخبراء أن سد الفجوة بين توقعات الشركات واستعداد الموظفين يتطلب التركيز بدرجة أقل على تعليمهم استخدام أدوات جديدة، وبدرجة أكبر على تنمية قدرتهم على إصدار الأحكام السليمة، ومنحهم فرصًا للتدرب على استخدامها، إلى جانب وضع الضمانات اللازمة لضمان الاستخدام المسؤول.
الإشراف على الوكلاء بدلًا من الاكتفاء بكتابة الأوامر لهم
صُمم جانب كبير من برامج التدريب على الذكاء الاصطناعي التي نفذتها الشركات حتى الآن للتعامل مع روبوتات المحادثة، حيث يقيّم المستخدم الإجابة فور تلقيها. أما وكيل الذكاء الاصطناعي، فينفذ سلسلة مترابطة من الإجراءات، ولذلك قد ينتقل الخطأ الذي يقع في مرحلة مبكرة إلى جميع المراحل اللاحقة.
وقال دورغا براساد داسيپالي، وهو مهندس معماري تقني أول وقائد هندسي يعمل على بناء وكلاء ذكاء اصطناعي لتعزيز إنتاجية المطورين، إن «إدارة وكيل ذكاء اصطناعي أقرب إلى إدارة زميل مبتدئ سريع وواثق من نفسه، منها إلى استخدام أداة». وأوضح أن المهارة الأساسية في هذه الحالة هي التحقق من النتائج، لا مجرد صياغة الأوامر.
ويغيّر ذلك الهدف من التدريب نفسه. وقال كليف جوركيويتش، نائب الرئيس للاستراتيجية العالمية في شركة فينوم (Phenom)، إن «تدريب شخص على استخدام أداة للذكاء الاصطناعي يهدف عادةً إلى مساعدته في الحصول على إجابة أفضل، أما تدريبه على إدارة وكيل فيهدف إلى مساعدته على إنجاز العمل بصورة موثوقة». وقد أنشأ جوركيويتش نحو 20 وكيلًا خاصًا به ودرّبها، ويشبّه مهمة إدارتها بالإشراف على متدرب، لا باستخدام مربع بحث.
حدّد معايير العمل الجيد أولًا
أوضح بيزاري أنه لا يمكن مراقبة الوكيل في كل مرة يعمل فيها، ولذلك يجب التخطيط لعمليات التحقق قبل بدء المهمة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا كان الموظفون يعرفون مسبقًا شكل النتيجة الجيدة والمعايير التي ينبغي أن تستوفيها.
وينصح داسيپالي بتوثيق هذه المعايير قبل تفويض المهمة، إلى جانب تحديد إجراءات التحقق التي ستُنفذ لمراجعة النتائج. وأشار إلى أن الموظفين الذين يتجاوزون هذه الخطوة «يقبلون مخرجات تبدو معقولة ظاهريًا، لكنها تتسبب بهدوء في تعطيل شيء ما».
وأكد مايك ديبريسكو، رئيس المعهد الأمريكي للمحاسبين الإداريين ومديره التنفيذي، وهو هيئة مهنية تضم أكثر من 140 ألف عضو، أن التفكير النقدي هو العنصر الأهم. وقال: «لا تكمن القيمة في جعل الذكاء الاصطناعي ينجز مهمة فحسب، بل في معرفة ما إذا كان قد أنجز المهمة الصحيحة بالطريقة الصحيحة». ويعني ذلك فهم المشكلة والمخاطر المرتبطة بها قبل إسناد أي عمل إلى الوكيل.
كذلك، يحتاج الوكلاء إلى فهم سياق العمل الذي يؤدونه. وأوضح بيزاري أن غياب هذا السياق قد يدفع الموظفين إلى قضاء ساعات في إصلاح أخطاء الوكيل. وضرب مثالًا بمستشار أول في إحدى الشركات التي عملت معها شركته، إذ أنشأ وكيلًا لصياغة العطاءات والمناقصات من دون مواءمته مع المعايير المعتمدة لدى شركته. ونتيجة لذلك، أنتج الوكيل صفحات من الادعاءات الواثقة بشأن خبرات الشركة السابقة، من دون الاستناد إلى أي مشروعات محددة بالاسم. ولم يبدأ الوكيل في كتابة المحتوى بما يتوافق مع أسلوب الشركة وخبراتها الفعلية إلا بعد تزويده بدراسات الحالة الخاصة بها وسجل إنجازاتها.
تدرب على إنشاء الوكلاء باستخدام مهام العمل الحقيقية
يرى بيزاري أن الدورات التدريبية الذاتية عبر الإنترنت والجلسات التي تستمر يومًا واحدًا قد تزيد الوعي بالذكاء الاصطناعي، لكنها لا تغيّر طريقة عمل الأشخاص. فالتعلم الحقيقي يحدث عندما ينشئ الموظفون وكلاء مخصصين لأدوارهم الوظيفية، تحت إشراف متخصصين.
ويوصي داسيپالي بتزويد الموظفين بمخرجات صادرة عن وكلاء تتضمن أخطاء متعمدة، ثم اختبار قدرتهم على اكتشاف تلك الأخطاء.
كما ينبغي أن تجري التدريبات الأولية في بيئة آمنة. ووفقًا لمنهجية الاختبار والتعلم التي يفضلها ديبريسكو، يعمل الموظفون على مشكلة حقيقية تواجه المؤسسة ضمن بيئة خاضعة للضوابط، ويتعلمون من الأخطاء التي تظهر قبل تعميم الحل على مستوى المؤسسة بأكملها.
وينبغي تطبيق الحذر نفسه على الوكلاء ذاتهم. إذ يؤكد جوركيويتش ضرورة إثبات قدرة الوكيل على التعامل مع مهمة واحدة بكفاءة قبل تكليفه بمهام إضافية.
حافظ على المهارات اليدوية دون تراجع
لا ينبغي أن ينتهي التدريب بانتهاء البرنامج التدريبي، لأن الموظفين الذين يفوضون مهامهم إلى الذكاء الاصطناعي قد يفقدون تدريجيًا القدرة على تنفيذ تلك المهام بأنفسهم. وحذّر بيزاري قائلًا: «إن المتخصصين الذين أضعف الذكاء الاصطناعي قدراتهم لم يعودوا قادرين على إدارته».
ويقدم المجال الطبي مثالًا على ذلك. ففي دراسة رصدية، تراجعت قدرة الأطباء الذين استخدموا أداة للذكاء الاصطناعي ترصد النموّات التي قد تسبق الإصابة بالسرطان، لمدة ثلاثة أشهر، على اكتشاف تلك النموّات عندما عملوا من دون الأداة.
وقد واجه قطاع الطيران المشكلة نفسها في وقت سابق. ففي عام 2013، دعت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية شركات الطيران إلى إدراج الطيران اليدوي ضمن العمليات التشغيلية المعتادة وبرامج التدريب.
وقال داسيپالي: «إذا لم يكن هناك أحد في الفريق قادرًا على أداء المهمة من دون الوكيل، فلن يكون أحد قادرًا على التحقق من عمله بصورة موثوقة». ولتجنب ذلك، يقترح إلزام الموظفين بشرح أسباب صحة النتائج التي يقدمها الوكيل، بدلًا من الاكتفاء بالقول إنها تبدو صحيحة، إلى جانب تدوير مسؤوليات المراجعة بين أعضاء الفريق حتى لا تتركز الخبرة لدى عدد محدود من الأشخاص.
درّب الموظفين الجدد بطريقة مدروسة
يواجه الموظفون في بداية مسيرتهم المهنية أكبر المخاطر. فبحسب بيزاري، اعتاد هؤلاء بناء خبراتهم من خلال المهام الروتينية والبسيطة التي تتطلب جهدًا عمليًا متكررًا. ومع تولي الذكاء الاصطناعي هذه المهام، أصبح على الشركات أن تعمل على بناء خبرات الموظفين بصورة مقصودة ومنهجية.
ووفقًا لداسيپالي، ينبغي أن يبدأ الموظفون بتعلم المهمة وتنفيذها يدويًا، ثم ينتقلوا إلى استخدام الوكلاء في المهام منخفضة المخاطر تحت إشراف مراجع مختص، ولا يحصلون على الاستقلالية الكاملة إلا بعد إثبات قدرتهم على اكتشاف الأخطاء.
ويتفق جوركيويتش مع ذلك، مؤكدًا أنه لا ينبغي للموظفين المبتدئين توجيه وكيل لتنفيذ عمل لا يستطيعون تقييمه بأنفسهم.
من جانبه، يرى ديبريسكو أن الأتمتة يجب ألا تصبح ذريعة للتوقف عن تعليم الأساسيات. فالإرشاد المهني، ومراقبة الزملاء ذوي الخبرة أثناء العمل، والمحاكاة العملية، كلها وسائل تساعد الموظفين في بداية مسيرتهم على فهم كيفية إنجاز العمل من أساسه، ومعرفة المشكلات التي قد تواجههم.
ومن دون هذا الأساس، يكمن الخطر، بحسب داسيپالي، في ظهور «جيل من الموظفين القادرين على توجيه الوكلاء، لكنهم عاجزون عن معرفة متى يرتكبون الأخطاء».
وضّح المسؤولية عن عمل الوكلاء
مهما بلغت جودة تدريب الموظفين، تظل مسؤولية العمل الذي ينجزه وكيل الذكاء الاصطناعي مسؤولية بشرية. وقال ديبريسكو: «يمكنك تفويض العمل إلى التكنولوجيا، لكن لا يمكنك تفويض المسؤولية والمساءلة إليها».
فالشخص الذي يوجّه الوكيل ويوافق على مخرجاته يتحمل مسؤولية النتيجة النهائية. وأوضح داسيپالي أن إلقاء اللوم على الوكيل ليس مقبولًا أكثر من إلقاء اللوم على متدرب. كما ينبغي أن تخضع المدفوعات، والاتصالات الموجهة إلى العملاء، والتغييرات التي تُجرى على البيانات، لموافقة شخص محدد بالاسم في جميع الأحوال.
وأضاف بيزاري أن كل شخص يوافق على العمل يتحمل مسؤولية التحقق منه، كما يتحمل الشخص الذي أنشأ الوكيل المسؤولية أيضًا إذا كانت المشكلة ناجمة عن التعليمات التي زُوّد بها أو عن غياب الضوابط الوقائية اللازمة.
لكن قبل إلقاء اللوم على أي شخص، ينبغي للمؤسسات أن تسأل ما إذا كان الموظف قد تلقى التدريب المناسب، ومُنح الوقت الكافي لمراجعة العمل، وحصل على الدعم اللازم عند الحاجة. وأوضح بيزاري أن استبدال الموظف لن يحل المشكلة إذا لم تتوافر هذه الشروط، لأن الموظف التالي سيواجه المشكلة نفسها. وتقول شركته لفرق العمل: «الأخطاء تكشف عن ثغرات في النظام، ومهمة الجميع هي اكتشافها».
ويعني ذلك أيضًا منح الموظفين مساحة لاختبار الوكلاء وتحسين أدائهم من دون الخوف من التعرض للعقاب بسبب خطأ واحد، بحسب جوركيويتش. وأوضح أن المطلوب هو أن يكون الإنسان في موقع القيادة، لا مجرد عنصر بشري ضمن سلسلة العمل. وهذا يعني أن دور الموظف لا يقتصر على أن يكون نقطة تحقق تمر عبرها المخرجات، بل يشمل مراجعة العمل في المراحل المناسبة، ومعرفة متى ينبغي منع الوكيل من اتخاذ القرار النهائي.
قيّم اكتشاف الأخطاء، لا مجرد إتمام المهام
إذا كان التدريب ناجحًا، فينبغي أن يظهر أثره في جودة العمل نفسه، لا في سجلات الدورات التدريبية. فمعدلات إكمال الدورات وأرقام استخدام الأدوات لا تقدم مؤشرات كافية على نجاح التدريب، بحسب ديبريسكو، الذي يركز بدلًا من ذلك على مدى تحسن قدرة الموظفين على طرح الأسئلة المناسبة، واكتشاف الأخطاء، ومعرفة الوقت الذي ينبغي لهم فيه التدخل.
ويرى داسيپالي أن أوضح مؤشر على النجاح هو عدد أخطاء الوكلاء التي تُكتشف أثناء المراجعة، بدلًا من اكتشافها من قبل العملاء أو الفرق الأخرى، إلى جانب معدل الحاجة إلى إعادة تنفيذ العمل.
كما ينبغي للشركات تحديد معايير الجودة قبل تشغيل أي وكيل، حتى تتمكن من تتبع مدى انخفاض الحاجة إلى تعديل مخرجاته بمرور الوقت، وقياس قدرة الموظفين على تصحيح الأخطاء قبل وصول العمل إلى العملاء، وفقًا لجوركيويتش.
وتشمل المؤشرات الأخرى مدى مبادرة الموظفين إلى استخدام الذكاء الاصطناعي من تلقاء أنفسهم، وإنشاء وكلائهم الخاصة دون انتظار توجيهات من الإدارة، بحسب بيزاري. لكنه يرى أن المؤشر الأهم يتمثل في مدى تفاعل الفريق مع الموضوع، من خلال طرح الأسئلة، وتبادل الأفكار، ومناقشة جوانب الالتباس، وإجراء حوارات مستمرة حول الذكاء الاصطناعي.
