القائمة الرئيسية

ما الذي يتعلمه ابني من الذكاء الاصطناعي؟

ما الذي يتعلمه ابني من الذكاء الاصطناعي؟
ملخص المقال

يتناول المقال ملاحظات محلل نفسي حول كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي (AI) على نمو ابنه، حيث يرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي يعزز الفضول والقدرة على طرح الأسئلة المعقدة. ومع ذلك، يثير الكاتب قلقاً عميقاً بشأن فقدان ما يسميه "الاحتكاك المثمر" في الطفولة، وهي التجارب الأساسية لعدم المعرفة، والانتظار، والسعي لفهم الأمور دون حل فوري، والتي يعتبرها حاسمة لتنمية القدرة على تحمل عدم اليقين، والتفكير النقدي، وتنظيم الانفعالات. ويوضح أن الذكاء الاصطناعي، بفضل استجابته الفورية والصبر اللامتناهي، يحوّل هذه التجارب العميقة إلى مشاكل يمكن "حسمها" بسرعة، مما قد يعيق بناء الذات وتشكيل العلاقات العاطفية السليمة، حيث أنه يحاكي الفهم دون امتلاك ذاتية حقيقية أو تحمل مسؤولية. ويخلص الكاتب إلى أن الذكاء الاصطناعي يغير الظروف الأساسية لتشكل الطفولة بطرق غير مفهومة تماماً بعد، مع عواقب محتملة على توقعات الأطفال من المعرفة والعلاقات وأنفسهم.

جاءني ابني، البالغ من العمر عشر سنوات، مؤخرًا بسؤال عن الثقوب السوداء. ولم يطرح سؤاله بالطريقة المعتادة التي يسأل بها الأطفال، وهم في حالة من التململ وسهولة التشتت، بل أتى به مصحوبًا بتركيز شديد، يوحي بأنه أمضى وقتًا يفكر في الموضوع بالفعل.

كان قد أمضى بعض الوقت في التحدث إلى أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا نموذج لغوي كبير يُدعى كلود (Claude).

اطلعت على المحادثة بينهما، واكتشفت أنها كانت جيدة. فقد اتسمت التفسيرات بالصبر والملاءمة لمستوى فهمه. واصل ابني طرح الأسئلة، واعترض على بعض الإجابات، وتلقى ردودًا تكيّفت مع مستواه. وعندما جاء إليّ، كان مندمجًا في الموضوع بصدق، يطرح أسئلة من النوع الذي يكشف عن عقل فضولي يعمل بنشاط ويبحث عن الفهم.

لكنني لاحظت أيضًا أمرًا آخر. فالمسألة ليست أنه يبحث عن المعلومات، إذ إن الأطفال الذين تراودهم أسئلة عن الثقوب السوداء لطالما اتجهوا إلى مصادر خارجية، كالكتب أو أحد الوالدين أو المعلمين ذوي المعرفة الواسعة. ما تغيّر هو السرعة. فعندما يواجه ابني حالة من عدم اليقين، من النوع الذي كان يتطلب في الماضي التعايش معه لبعض الوقت، أصبح يلجأ إلى الإجابة في وقت أقصر مما كان يفعل سابقًا. لم يعد السؤال أمرًا يستحق التمهل والتأمل، بل أصبح مشكلة ينبغي حسمها. ووجدت نفسي أتساءل عما يعنيه ذلك لعلاقته بتجربة البقاء من دون معرفة الإجابة.

قد يشير هذا التحول، على الرغم من دقته وخفائه، إلى أمر يستحق أن نأخذه على محمل الجد.

فقدان الاحتكاك المثمر

أنا محلل نفسي، وأمضي حياتي المهنية في الاهتمام بما ينشأ في المساحة الفاصلة بين الأشخاص، بما في ذلك ما يحدث عندما تُملأ هذه المساحة بسرعة أكبر مما ينبغي.

لطالما تضمنت الطفولة قدرًا من الاحتكاك المثمر. ويشمل ذلك عدم معرفة كيفية عمل الأشياء، وانتظار الإجابة، ومحاولة فهم أمر ما من دون التوصل إلى حل فوري. وهذه التجارب ليست مجرد تفاصيل عابرة في مسار النمو، بل تشكل جزءًا من الطريقة التي يتعلم بها العقل تحمّل عدم اليقين، والإبقاء على السؤال مفتوحًا، ومواصلة السعي إلى الفهم رغم الصعوبات. فالقدرة على التعايش مع عدم المعرفة في حد ذاتها إنجاز نمائي، تقوم عليه مهارات التفكير الإبداعي، وتنظيم الانفعالات، والتعامل مع عالم نادرًا ما يقدم حلولًا واضحة ونهائية لكل شيء.

رأيت مثالًا مصغرًا على ذلك منذ وقت ليس ببعيد. كان ابني ينتظر وصول طرد يحتوي على قطعة حاسوب ادخر المال لشرائها، لكن موعد التسليم تأخر بسبب الأحوال الجوية. في طفولتي، وربما في طفولة الأجيال السابقة، كان مثل هذا الموقف يعني قضاء فترة طويلة من بعد الظهر في الترقب والنظر من النافذة. أما ابني، فقد فتح محادثة لحسم حالة عدم اليقين: كم تستمر عادةً تأخيرات التوصيل بسبب الطقس؟ وما العوامل التي تحدد مدتها؟ وكيف يمكن قراءة بيانات تتبع الشحنة لدى شركة التوصيل للحصول على أدق صورة ممكنة؟

كانت المحادثة مفصلة، وبدا لي أن المعلومات الواردة فيها موثوقة. واكتسب ابني معرفة محدودة لكنها مفيدة في مجال الخدمات اللوجستية، غير أنه خرج أيضًا بتقدير زمني لم تكن له، في نهاية المطاف، أي صلة بما حدث فعلًا. فقد وصل الطرد في ذلك المساء، ولم يتبع أيًا من المواعيد التي حسبها بعناية بمساعدة أداة الذكاء الاصطناعي.

ليست المشكلة أن الذكاء الاصطناعي أخطأ، فتوقع موعد وصول شاحنة تأخر تسليمها أمر صعب. وإنما تكمن المشكلة في أن تجربة الانتظار، تلك التجربة الطفولية القديمة المتمثلة في الرغبة في شيء لم يصل بعد، تحولت إلى مشكلة بحثية يمكن إدارتها بدلًا من تجربة ينبغي تحمّلها.

لقد أعجبت كثيرًا بقدرته على التصرف وإيجاد المعلومات، وأنا ممتن لأنه أتيحت له الفرصة للتفكير في مشكلة معقدة. لكنني وجدت نفسي أتساءل أيضًا عما كان ذلك اليوم سيقتضيه منه لو لم تكن هذه الأداة متاحة له.

يقلل الذكاء الاصطناعي من هذا النوع من الاحتكاك تحديدًا، ويفعل ذلك بكفاءة، وغالبًا ما يكون مفيدًا. لكن إزالة تجربة عدم المعرفة باستمرار من حياة عقل لا يزال في طور النمو ليست فعلًا محايدًا. فهي تشكل ما يتوقع العقل من نفسه أن يكون قادرًا على فعله.

لا تزال الأبحاث المتعلقة بتأثير ذلك في التفكير حديثة، ويركز معظمها على البالغين. ومع ذلك، تشير نتائجها إلى اتجاه متكرر. ففي إحدى الدراسات التي أُجريت في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Media Lab)، والتي حظيت بنقاش واسع ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران، أظهر البالغون الذين كتبوا مقالات باستخدام شات جي بي تي أنماطًا أضعف وأقل انتشارًا من الترابط بين مناطق الدماغ مقارنةً بمن كتبوا من دون مساعدته. كما واجه كثيرون منهم صعوبة في استحضار جمل كانوا قد كتبوها للتو والاستشهاد بها. وأطلق الباحثون على هذا النمط اسم «الدَّين المعرفي».

ووجدت دراسة أخرى، استندت إلى استطلاع شمل 666 بالغًا، ارتباطًا بين زيادة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي وضعف التفكير النقدي، وكان هذا الارتباط أوضح لدى المشاركين الأصغر سنًا. واقترح مؤلف الدراسة أن ذلك قد ينتج عن تفويض الجهد الذهني إلى الأدوات الخارجية بدلًا من بذله ذاتيًا.

لا شيء من هذه النتائج مؤكد حتى الآن، لكنها تشكل نمطًا لافتًا من الأدلة الأولية. كما أن تعميمها على الأطفال ليس أمرًا مباشرًا. فالشخص البالغ الذي يفوض جهده الذهني إلى أداة ما يكون قد بنى بالفعل القدرة التي يتخلى عن استخدامها، بينما لا يزال الطفل في مرحلة تطوير هذه القدرة. فهل يجعل ذلك التأثير أقل لدى الأطفال، أم يجعله أشد وأكثر استدامة؟ لا نعرف حتى الآن.

ويختلف هذا الأمر عما أحدثته الهواتف الذكية. فقد تركزت المخاوف المتعلقة بها إلى حد كبير على الانتباه والحياة الاجتماعية، أي ما يشاهده الأطفال، وكيف يقضون أوقاتهم، وكيف يتفاعلون مع بعضهم بعضًا. وهذه مخاوف حقيقية وجادة، لكن الذكاء الاصطناعي يُحدث نوعًا مختلفًا من التغيير. فهو ليس مجرد شاشة أخرى تتنافس على جذب انتباه الطفل، بل أقرب إلى حضور تفاعلي يستجيب له، ويشرح له، ويكيّف إجاباته وفقًا لاحتياجاته، والأهم من ذلك أنه لا يتعب أبدًا.

وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى الطفل الذي لا يزال في طور النمو، بطريقة لم نتمكن بعد من استيعاب أبعادها بالكامل.

التعلّم من خلال التواصل

يتعلم الأطفال معرفة ذواتهم من خلال العلاقات مع العقول الأخرى. وهذه العملية ليست معرفية في المقام الأول، بل تتشكل عبر تجارب أن يفهمهم الآخرون أو يسيئوا فهمهم، وأن يتحدوهم، ويفاجئوهم، ويعارضوهم. ومن خلال هذه اللقاءات، يكتشف الأطفال أن للآخرين حيواتهم الداخلية الخاصة، بما تتضمنه من وجهات نظر وحدود تختلف عن وجهات نظرهم وحدودهم. ويتعلمون كيفية التعامل مع الفجوة بين ما يتوقعونه من الآخرين وما يتلقونه منهم فعلًا. ومع مرور الوقت، تشكل هذه المفاوضات الداخلية والخارجية الهيكل الذي تتكون عليه الذات.

ما يميز الذكاء الاصطناعي من منظور النمو النفسي ليس أنه مخطئ أو مشوّه للحقائق أو ضار بالضرورة، بل أنه شديد الاستجابة للمستخدم من دون أن يمتلك ذاتية حقيقية. فهو يحاكي تجربة أن يشعر المرء بأنه مفهوم، من دون وجود عقل آخر يمتلك حياة داخلية فعلية وراء هذه الاستجابة.

بالنسبة إلى البالغ، يمكن إدراك هذا الفرق، حتى وإن كان من السهل أحيانًا نسيانه. أما الطفل، الذي لا تزال قدرته على التمييز بين عقل يمتلك حياة داخلية حقيقية وآخر يحاكي امتلاكها في طور التشكّل، فقد لا يكون قادرًا بعد على استيعاب هذا الفرق بالكامل.

بدأ الباحثون يرصدون كيفية محاولة الأطفال فهم هذه المسألة في الوقت الفعلي. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها جامعة إدنبرة على أسر تستخدم مكبرات الصوت الذكية، لوحظ أن أطفال المرحلة الابتدائية كانوا يحاولون معرفة ما إذا كان الجهاز الموجود في المطبخ يمتلك عقلًا خاصًا به. وتوصلوا بصورة مؤقتة إلى استنتاجات، من بينها العبارة التي استُخدمت عنوانًا للدراسة: «أليكسا لا تملك كل هذه المشاعر».

لكن ذلك الجهاز كان يتحدث بعبارات مبرمجة إلى حد كبير، على خلاف الأنظمة التي يتحاور معها الأطفال اليوم، والتي تتميز بطلاقة الحديث وطابعه الشخصي، وقدرتها على التكيف مع طبيعة تفاعلات كل طفل على حدة. ونتيجة لذلك، أصبح فهم دلالات هذه التجربة أكثر صعوبة.

وهذا يخلق واقعًا جديدًا في مسار نمو الأطفال. فعندما يلجأ الطفل إلى الذكاء الاصطناعي في لحظة ارتباك أو ضيق، ويتلقى استجابة سلسة وصبورة تبدو وكأنها تفهمه وتتناغم معه، فإن نظام التعلّق العاطفي لديه ينشط. ويشعر الطفل، من الناحية الوظيفية على الأقل، بأن هناك من يصغي إليه ويفهمه. وهذا الشعور، بصرف النظر عن مصدره، له آثار حقيقية.

«تتبنى هذه الأنظمة مفرداتك، وتتكيف مع أسلوبك في التعبير، وتتذكر ما يشغلك، وتظل متاحة في الثالثة صباحًا من دون أي تذمر».

توم وولدرِدج، دكتور في علم النفس

لم ألاحظ أن ابني يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي طلبًا للدعم العاطفي، وأنا سعيد بذلك، لأن الأسئلة في هذا الجانب أكثر صعوبة وتعقيدًا.

تكيّف هذه الأنظمة نفسها مع المستخدم. فهي تتبنى مفرداته، وتحاكي أسلوبه في التعبير، وتتذكر ما يقلقه، وتظل متاحة في الثالثة صباحًا من دون شكوى. وفي الغالب، لا يتضمن تصميمها ما يدفعها إلى معارضة المستخدم أو مطالبته بأي شيء. ومن الصعب تخيل ترتيب أكثر ملاءمة لاستثارة نظام التعلّق العاطفي لدى طفل يشعر بالوحدة أو يفتقر إلى البيئة المنظمة اللازمة لنمو نفسي سليم.

وتشير الأرقام الأولية إلى أن كثيرًا من الأطفال وجدوا طريقهم بالفعل إلى هذه الأنظمة. ففي استطلاع وطني نشرته مؤسسة كومون سينس ميديا (Common Sense Media) عام 2025، تبيّن أن نحو ثلاثة أرباع المراهقين الأمريكيين استخدموا رفيقًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي، وأن نحو ثلثهم اختاروا مناقشة أمر مهم أو جاد مع الذكاء الاصطناعي بدلًا من مناقشته مع شخص آخر. ووصف عدد مماثل محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي بأنها مُرضية بقدر محادثاتهم مع الأصدقاء على الأقل.

وفي المملكة المتحدة، وجدت المنظمة غير الربحية «إنترنت ماترز» (Internet Matters) أن نحو طفل واحد من كل ثمانية أطفال يستخدمون روبوتات المحادثة يفعل ذلك لأنه لا يجد شخصًا آخر يتحدث إليه. وقد بلغ القلق لدى الجمعية الأمريكية لعلم النفس حدًا دفعها إلى إصدار تنبيه صحي عام 2025، أشارت فيه إلى أن المراهقين أقل ميلًا من البالغين إلى التشكيك في دقة المعلومات التي تقدمها الآلات أو في دوافعها، محذرةً من أن الرفقة المحاكية قد تبدأ في إزاحة العلاقات الإنسانية التي يحدث النمو النفسي الفعلي في إطارها.

بالنسبة إلى الطفل الذي يفتقر إلى الدعم الموثوق، قد يكون الارتياح الذي يوفره هذا النظام حقيقيًا، ولذلك أتردد في التقليل من قيمته أو رفضه. لكن الارتياح ليس جوهر التعلّق العاطفي. فالعلاقة الكاملة القائمة على التعلّق تتطلب وجود شخص آخر يمكن أن يتغير حقًا بوجودك، وأن يتغير معك؛ شخص يتأثر بك، وله حدوده، ويخطئ أحيانًا، ويمكن مساءلته عن أخطائه.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمدد تجربة الشعور بأن هناك من يستجيب لاحتياجاتك العاطفية إلى أجل غير محدد. لكنه لا يستطيع أن يتأثر بك وجدانيًا.

وبالنسبة إلى الطفل الذي لا يحظى باهتمام يُذكر، أو لا يحظى بأي اهتمام على الإطلاق، فقد يكون هذا أفضل من لا شيء. فالطفل الذي يشعر بالحزن قبل النوم، ثم يجد في ساعات الصباح الباكر استجابة تسجل حزنه وتتعامل معه، قد يحصل على قدر من الدعم الحقيقي في أثره، ولن أرغب في حرمانه منه.

لكن ينبغي أن نكون صريحين بشأن هذا الترتيب، الذي أتوقع أن يصبح أكثر شيوعًا. فهو حل ترقيعي، وليس حلًا بنيويًا للمشكلة. وعندما تصبح الآلة المصدر الأكثر موثوقية للاهتمام في حياة الطفل، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالآلة، بل بالحرمان الذي جعل وجودها ضروريًا. والأهم من ذلك أن الثقافة التي تستجيب للأطفال المحرومين من الاهتمام بتوفير البرمجيات لهم، إنما تعالج الأعراض وتترك البنية الأساسية التي أدت إلى المشكلة على حالها.

غياب المساءلة

هناك أيضًا مصدر قلق أقل وضوحًا يتعلق بالسلطة والمساءلة.

لطالما تعلم الأطفال كيفية التعامل مع مصادر المعرفة المتنافسة، بما فيها الوالدان والمعلمون والأقران والكتب، ولكل منها وجهة نظرها وحدودها ومسؤولياتها الخاصة. ويُعد تعلم التعامل مع هذه المصادر جزءًا من النمو نفسه. فالطفل الذي يكتشف أن أحد والديه لا يعرف إجابة سؤال ما، أو أن معلمه قد يخطئ، أو أن صديقه يرى الأمور بطريقة مختلفة، يطور علاقة أكثر تمايزًا ونضجًا مع المعرفة.

«يبدو الذكاء الاصطناعي وكأنه يعرف الكثير، ويعبّر عن نفسه بطلاقة وثقة، لكنه لا يمتلك وجهة نظر ثابتة ولا يتحمل أي مسؤولية عما يقوله».

توم وولدرِدج، دكتور في علم النفس

يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا المشهد، في الصورة التي يُرجح أن يلجأ إليها الطفل بمفرده، بوصفه مصدرًا يبدو واسع المعرفة، ويتحدث بطلاقة وثقة، لكنه لا يمتلك وجهة نظر ثابتة ولا يتحمل مسؤولية ما يقوله.

وعندما يسأل الطفل عن سبب فشل صداقة ما، أو عما إذا كان محقًا في الشعور بالأذى، فقد تؤثر الإجابة التي يتلقاها في الرواية التي يبنيها لنفسه حول ما حدث. وعلى خلاف الوالد أو المعلم، قد لا يتحدى النظام افتراضات الطفل بقدر ما يوسعها ويضيف إليها تفاصيل تعززها.

ولا شيء من ذلك متأصل بالضرورة في التكنولوجيا نفسها. فمن الممكن تصميم نظام يتبنى موقفًا واضحًا ويكون مسؤولًا عن الإجابات التي يقدمها، لكن معظم الأنظمة التي يستخدمها الأطفال ليست مصممة بهذه الطريقة.

ويبدو أن الأطفال يستجيبون لما تتيحه لهم هذه الأنظمة. فقد وجد التقرير نفسه الصادر عن «إنترنت ماترز» أن نحو ثلثي الأطفال البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و17 عامًا استخدموا روبوتًا للمحادثة قائمًا على الذكاء الاصطناعي. ومن بين هؤلاء، طلب نحو الربع المشورة من أحد هذه الأنظمة، سواء بشأن الواجبات المدرسية أو مسائل شخصية أكثر حساسية، فيما لم يُبدِ أربعة من كل عشرة أي تحفظات بشأن اتباع النصائح التي تلقوها.

الظروف التي تتشكل فيها الطفولة

لا يعني أي مما سبق أن وجود الذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال أمر خاطئ. فالفوائد التي اختبرها ابني حقيقية؛ إذ أصبح أكثر فضولًا، وأكثر قدرة على طرح أسئلة متقدمة، وأكثر ثقة في استكشاف مجالات غير مألوفة. وهذه مكاسب حقيقية ومهمة.

بعض ما يعود به إلى المنزل يبعث على سعادتي. فقد سألني مؤخرًا عما إذا كان من الممكن دفع قارب شراعي إلى الأمام بالنفخ في شراعه باستخدام قشة. وكانت الإجابة التي تلقاها أفضل من الإجابة التي كنت سأتمكن من تقديمها. فحين تنفخ في شراعك من على متن القارب نفسه، فإن تأثير النفخ يُلغي نفسه إلى حد كبير، لأنك تدفع الهواء إلى الأمام، بينما يدفعك الهواء في الاتجاه المعاكس.

لكن هذا الإلغاء ليس كاملًا. فإذا التقط الشراع تيار الهواء وغيّر اتجاهه، يتبقى قدر ضئيل من قوة الدفع الصافية. أما إذا استغنيت عن الشراع تمامًا ووجهت القشة إلى الخلف، فستكون قد صنعت محركًا نفاثًا صغيرًا جدًا.

قضى ابني بقية اليوم في استكشاف موضوع الدفع، متنقلًا بين الصواريخ والحبار، ومحاولًا فهم السبب الذي يجعل تركيب مروحة على قارب شراعي لغزًا قديمًا في الفيزياء له إجابة مفاجئة.

لكن النمو لا يتعلق فقط بإمكانية الوصول إلى المعرفة، بل يتعلق أيضًا بالظروف التي تتشكل فيها الذات. وتشمل هذه الظروف، على نحو أساسي، تجربة عدم المعرفة والانتظار والسعي إلى الفهم من دون ضمان الوصول إلى إجابة. وهذه ليست أوجه قصور ينبغي التخلص منها لتحسين الكفاءة، بل هي البيئة التي يتعلم العقل من خلالها حدود قدراته وإمكاناته.

فالطفل الذي لم يضطر قط إلى التعايش مع سؤال مفتوح، والذي اعتاد دائمًا الوصول إلى حضور صبور وطليق في التعبير ومتاح بلا حدود لحسم الأسئلة، قد يكتسب المعرفة من دون أن يكتسب القدرة على تحمّل عدم اليقين، وهي القدرة التي تجعل المعرفة قابلة للاستخدام الحقيقي.

هذا هو الأمر الذي أجد نفسي أعود إليه كلما راقبت ابني. فهو، من جوانب عديدة، أكثر حيوية من الناحية الفكرية مما كان يمكن أن يكون عليه لولا ذلك. يستكشف موضوعات أبعد، ويطرح أسئلة أفضل. وفي الوقت نفسه، أصبح يلجأ بسرعة أكبر مما اعتاد إليه عند مواجهة عدم اليقين، متجهًا نحو حضور متاح دائمًا، وصبور دائمًا، ومستجيب دائمًا.

ما لا أستطيع معرفته حتى الآن هو ما يتعلمه بهدوء بشأن ما ينبغي أن يتوقعه من المعرفة، ومن العلاقات، ومن نفسه.

نحن لا نجري دراسة بحثية، بل نربي أطفالًا. وقد تغيرت الظروف التي تتشكل فيها الطفولة مرة أخرى، بطرق لم تتضح لنا بعد دلالاتها الكاملة.

المصدر

مقالات ذات صلة