ملخص: يتناول المقال "دليل لغة المساواة" الصادر عن نادي سييرا الأمريكية، الذي يهدف إلى تصحيح استخدام المصطلحات التي قد تهمش أو تسيء لفئات معينة من الناس، مثل تجنب كلمات مثل "أعمى" و"مجنون" لصالح تعبيرات أكثر شمولية وإنسانية. يشجع الدليل على استخدام لغة تضع الإنسان أولًا، مثل استبدال "العبد" بـ "الشخص المستعبد" و"ذوي الإعاقة" بـ "الأشخاص الذين يعيشون مع الإعاقة"، ويشمل كذلك رفض مصطلحات تحمل دلالات عنصرية أو طبقية. ورغم هدفه في تعزيز الشمولية والمساواة، يواجه الدليل انتقادات بسبب صعوبة قبوله في المجتمع العام، حيث يشعر البعض بأن اللغة الجديدة تخلق تباينًا بين الخطاب العام والأكاديمي، وتمنع النقاش المفتوح حول التحديات الاجتماعية الحقيقية.
لا يشجع “دليل لغة المساواة” الصادر عن منظمة نادي سييرا الأمريكية على استخدام كلمات stand “قف” وAmericans “أمريكيون” وblind “أعمى” وcrazy “مجنون”؛ إذ لا تنجح الكلمتان الأوليان في اتباع مبدأ الشمولية، فلا يقدر كل شخص على الوقوف، وليس كل من يعيش في هذا البلد مواطنًا وأما الكلمتان الأخيرتان، فحتى عند استعمالهما بطريقة مجازية (كما في عبارة Legislators are blind to climate change “المشرعون غير مدركين بتغير المناخ”)، فهما مهينتان لذوي الإعاقة، ويرفض الدليل أيضًا استخدام مصطلح the disabled “ذوي الإعاقة” لصالح people living with disabilities “الأشخاص الذين يعيشون مع الإعاقة”، لنفس السبب الذي أدى إلى استبدال مصطلح slave “العبد” بـ enslaved person “الشخص المستعبد”، وذلك للتأكيد، وفقاً لمبادئ ما يسمى “استخدام اللغة التي تضع الناس أولًا”، بأن “الجميع هم أشخاص في المقام الأول وقبل كل شيء، ولا تحددهم إعاقتهم أو أي هوية أخرى”.
وإن الغرض من الدليل ليس فقط التأكد من أن نادي سييرا يتجنب استخدام مصطلحات مهينة بشكل واضح، مثل welfare queen (أيْ من يتلاعب بالنظام)، بل هو يسعى إلى تطهير اللغة من أي آثار للامتياز أو التسلسل الهرمي أو التحيز أو الاستبعاد. وفي سعيه، قام نادي سييرا بتحديد قائمة لا نهائية من الكلمات، فالكلمات مثل urban “حضري” وvibrant “حيوي” وhardworking “مجتهد” وbrown bag “أيْ من يحمل طعامه من المنزل” جميعها تعتبر ذات تمييز عنصري، وطلب الدليل أن تَحِلّ كلمة “Y’all” محل كلمة “you guys” الذكورية، وتحل عبارة elevate voices “الارتقاء بالأصوات” محل كلمة empower “التمكين”، التي كانت في السابق محفزة، ولكنها الآن متعالية، وإن كلمة The poor “الفقير” تعتبر عنصرية طبقية، وكلمات مثل battle “المعركة” و minefield”حقل الألغام” تعتبر تجاهلًا للمحاربين القدامى وكلمة depressing “يبعث الاكتئاب” تسيء لمن لديه إعاقة ولا يوجد تفسير لوجود كلمة migrant “مهاجر” في الدليل، فقط يجب أن تختفي.
وتنتشر أدلة لغة المساواة في بعض المؤسسات الرائدة في البلاد، وخاصةً المنظمات غير الربحية، فلدى جمعية السرطان الأمريكية دليل، وكذلك جمعية القلب الأمريكية وجمعية علم النفس الأمريكية والجمعية الطبية الأمريكية وجمعية الترفيه الوطنية والمتنزهات وكلية الدراسات المهنية بجامعة كولومبيا وجامعة واشنطن، وتوصي أدلة هذه المؤسسات ببعض الكلمات وترفض أخرى، وفي بعض الأحيان تكون تلك الكلمات هي نفسها، مبررة بلغة متطابقة تقريبًا. ويرجع ذلك إلى أن معظم الأدلة تستند إلى نفس المصادر من منظمات ناشطة مثل دليل أسلوب تقدمي ومعجم وسائل المساواة العنصرية، وبعض المصادر الأخرى، وكما يستشهد المرشدون أيضًا ببعضهم بعضًا إذ إن إجمالي عدد الأشخاص وراء مشروع التطهير اللغوي صغير نسبيًّا، ولكن قوتهم هائلة. وقد لا يجري تبني اللغة الجديدة في أوساط واسعة في المجتمع الأمريكي، ولكنها تؤثر بالفعل على الدوائر رفيعة المستوى، وتنتشر من السلطات التي تقررها والمنظمات التي تعتمدها إلى المنشورات العامة واسعة النطاق، مثل هذا المقال.
وعلى الرغم من أن الأدلة تشير إلى أن اللغة “تتطور”، إلا أن هذه التغييرات تأتي ممن لديهم السلطة؛ فهذه التغييرات لم تنشأ من العادات اللغوية المتغيرة طبيعيًّا لعدد كبير من الأشخاص، بل يجري تسليمها في بيانات مكتوبة بواسطة “خبراء” غامضين يزعمون أنهم يتحدثون نيابة عن “مجتمعات” غامضة الهوية، دون أن يجري تقديم حساب علني للجمهور الذي يتعرض للإصلاح الأخلاقي القسري، ويفوز المصطلح الجديد دون الحاجة إلى المناقشة. فعندما يستبدل مجلس مشرفي سان فرانسيسكو مصطلح felon “مجرم سابق” بـ justice-involved person “شخص متورط مع نظام العدالة”، فإنه يقدم إيحاءً يتعلق بالأيديولوجيا – يوجد شيء غير شرعي فيما يتعلق بالقوانين والمحاكم والسجون، وإذا قبلت التغيير – كما ستشعر بالتأكيد في بعض السياقات أنه يجب عليك ذلك – فإنك توافق أيضًا على الإيحاء.
وفي بعض الحالات، أدت الفجوة بين لغة المساواة والخطاب العادي إلى ردود فعل عكسية، فعندما بدأ استعمال مصطلح Latinx “أيْ شخص لاتيني الأصل” في الأوساط المتقدمة، أظهر استطلاعًا للرأي أن غالبية كبيرة من اللاتينيين والهسبانيين لا يزالون يستخدمون المصطلحات المألوفة ولم يسمعوا بالمصطلح الجديد والذي يصعب نطقه، وقلّ بالمحصلة استعمال المصطلح الجديد. إلا أن جمعية السرطان الأمريكية تذكر أن Latinx، فضلًا عن المصطلحات الأخرى المحايدة جنسيًّا مثل Latine وLatin@ وLatinu، “قد تكون مقبولة بشكل كامل أو قد لا تحظى بتقبل كبار السن وقد تحتاج إلى شرح إضافي”. وقد قاد الانتقاد العام جامعة ستانفورد إلى إلغاء مبادرتها للقضاء على اللغة المسيئة بشكل كامل، ليس لكون المبادرة سخيفة، بل لأنها حسب إعلان الجامعة، تعتبر “تعارضًا عرضيًّا للشمولية”.
وبشكل عام، لا تستقبل لغة المساواة أي ردّ فعل، وإن الكلمات المُدانة لا يجري استبدالها أبداً. وبمجرد أن تُطبّق قاعدة جديدة – لا يمكن الإطلاق على الأيام المأساوية في التاريخ “يوم أسود”، أو أن “النادلة” يجب أن تصبح “مقدمة طعام”، أو تعلّم كلمات مثل underserved وvulnerable فجأة باللون الأحمر – فلا عودة عندها، وإن الاستمرار في استخدام كلمة قد اعتُبرت مسيئة يُعتبر دليلًا على الجهل في أحسن الأحوال، أو في أسوأ الأحوال، دليلًا للإصرار على الإساءة.
ومثل أي استخدام ملقن، تتمتع لغة المساواة بطابع اصطناعي وغير طبيعي؛ إذ تستخدم الأدلة مفاهيم تبدو علمية لإعطاء انطباع بالموضوعية للأحكام الشخصية: كالتمييز العرقي الهيكلي وعرض قيمة التنوع والتسلسل الهرمي للوضع التعسفي، وإن تلك المفاهيم تخلق بنفسها تسلسلات هرمية للوضع – فهي تؤكد على السلطة الفكرية والأخلاقية من خلال تكديس الأسماء المجردة في أشكال غير مألوفة تخبرك بما يجب عليك أن تفعله، وعلى الرغم من أن الأدلة توصي باستخدام كلمات متاحة للجميع (تقترح إحداها أن مستواها بمستوى دليل مخصص للصف السادس إلى الثامن)، إلا أن قواميسهم تبدو كدليل فني، حيث يُعدّ بوساطة فِرَق متخصصة عالية الكفاءة من خلف الكواليس تهدف إلى ردع المبتدئين، وتمنح هذه اللغة القدرة على إقامة الأعراف الجديدة.
وإن إتقان لغة المساواة هو انضباط يتطلب الجهد والتأمل، تمامًا مثل تعلم لغة أجنبية مقدسة – مثل اللغة العبرية القديمة أو لغة السنسكريت. ويحث نادي سييرا الموظفين على “أن يأخذوا المساحة والوقت الذي يحتاجونه لتنفيذ هذه التوصيات في عملهم بتمعن”. ويقول دليل الجمعية الوطنية للترفيه والمتنزهات للقراء: “في بعض الأحيان ستخطئ أو تنسى وهذا أمر طبيعي، فقط خذ لحظة واعترف بذلك وتعهد باختيار كلمات أفضل في المرة القادمة”.
وتتغير الأعراف بدون مناقشة عامة، وبصورة مفاجئة ومتكررة تجعل المبتدئ في حالة من عدم التوازن ويحاول دومًا اللحاق بالأحداث ويشعر بشكل غامض بأنه مخطئ. وإن الشيء الذي يبدو سخيفًا اليوم لن يكون موضع شك بحلول الغد، وحتى الأدلة بحد ذاتها لا يمكنها أن تظل دائمًا محدثة، فتُعد عبارة “أصحاب البشرة الملونة” عبارةً قياسية حتى اليوم الذي يجري فيه تخفيض رتبتها من قبل جمعية القلب الأمريكية وغيرها، لكونها عامة جدًّا. وتفضل جمعية السرطان الأمريكية استعمال مصطلح marginalized “مهمشون” بدلًا من underresourced “المحرومين” أو vulnerable “المعرضين للخطر”، ولكن في دليل الجمعية الوطنية للترفيه والمتنزهات، يكتسب مصطلح “المهمشون” الآن “دلالات سلبية عند استعماله بشكل عام. ومع ذلك، فقد يكون المصطلح ضروريًّا وملائمًا في سياق معين. فإذا استعملته، تجنب وضع لام التعريف، ولا تستعمل “مهمش” صفةً. ويمكن أن يكون استعمال “مهمش تاريخياً” مقبولًا في بعض الأحيان، أما “أشخاص مهمشون” فغير مقبول. وحتى أكثر طالب مخلص لدليل الجمعية الوطنية للترفيه والمتنزهات لا يمكنه أن يعرف متى يجب أن يستعمل “مهمش”؛ فالإرشادات تبدو مصممة لتثير قلق المستخدمين حتى لا يستطيعوا التحدث بشكل جيد، ولكن هذا الارتباك في الإرشادات لا يمكن تجنبه؛ لأنه مع الاستخدام المتكرر، فقد تنتقل الدلالة السلبية إلى أكثر الكلمات لطفًا، حتى يتعين تنقيحها. وسوف تستمر عمليات الاستباحة إلى أجل غير مسمى، لأن – الظلم – نفسه سيظل موجودًا دائمًا.
واستلهامًا بسترونك ووايت، يطالب المرشدون باستعمال مصطلحات محددة بدلًا من مصطلحات عامة واستعمال الكلام البسيط بدلًا من التلميحات واستخدام الصوت المبني للمعلوم بدلًا من الصوت المبني للمجهول. ومع ذلك، فهم ينتهكون التوجيهات بشكل مستمر، ولا يمكن لحملة القضاء على اللغة الضارة أن تفعل غير هذا الأمر؛ فقد تخلت إحدى أقسام كلية العمل الاجتماعي في جامعة جنوب كاليفورنيا عن مصطلح “field”، كما في العمل الميداني (والذي يمكن أن يرتبط بالعبودية أو العمل الهجري)، لصالح مصطلح لاتيني غامض يدعى “practicum”. ويقدّم نادي سييرا مصطلح refuse to take action أيْ رفض اتخاذ إجراء بدلًا من paralyzed by fear أيْ العجز من شدة الخوف، حيث تُستبدل الصورة الملموسة بعبارة لا تستحضر أي صور ذهنية. كما يقترح مصطلح protect our rights “حماية حقوقنا” بدلًا من عبارة stand up for our rights “الدفاع عن حقوقنا” النشطة بشكل أكبر. أيها أكثر لطفًا، mentally ill “المصاب بمشاكل نفسية” أم person living with a mental-health condition “الشخص الذي يعيش مع حالة صحية نفسية”؟ وأيها أكثر غموضًا، ballsy “الجريء” أم risk-taker “المستعد للمجازفة”؟ وما هو التنوع والمساواة والشمول إلا مفاهيم مجردة ذات معانٍ غامضة ويخلق تكرارها اتفاقًا اصطناعيًّا ويعكر الفكر الواضح؟ فعندما يشير مسؤول جامعي إلى طالب فردي بأنه “متنوع”، تفقد الكلمة الاتصال بأي شيء ملموس – وهذا هو الهدف.
وإن الاتجاه العام للغة المساواة هو طمس لمعالم الحقائق الصعبة وغير السارة في كثير من الأحيان، وإن هذه المقاومة للواقع هي جاذبيتها الرئيسة. وبمجرد اكتساب المفردات، فإنه في الواقع من السهل قول “أشخاص لديهم موارد مالية محدودة” بدلًا من “الفقراء”؛ فالأولى تخرج من فمك دون انقطاع ولا تترك طعمًا مرًّا ولا تثير أي تفاعل، والثانية هي كلمة صادقة تجاه الواقع ومرة وقد تثير غضبًا أو حزنًا لدى بعض الأشخاص فاللغة غير الدقيقة أقل عرضةً للإساءة. ستؤلمك الكلمات الدقيقة والصور الحية والعبارات القوية، لأنها مرتبطة بنقل الحقائق المؤلمة.
ويُعد كتاب “Behind the Beautiful Forevers” لكاثرين بو بمثابة تحفة فنية غير روائية، تروي قصة سكان الأحياء الفقيرة في مومباي بعمق وحميمية الرواية. وقد نُشر الكتاب في عام 2012م، قبل ظهور اللغة الجديدة:
"كان الاسم الأول لصاحبة الساق الواحدة هو سيتا، فقد كانت ذات بشرةٍ فاتحة، وعادةً ما تعتبر هذه ميزةً، ولكن ساقها العرجاء قد أثرت سلبًا على قيمتها بوصفها عروسًا، وقد قَبل والداها الهندوس العرض الوحيد الذي حصلوا عليه: رجل فقير وغير جذاب ويعمل بجد ومسلم وعجوز – وكما قالت والدتها ذات مرة وهي عابسة: “نصف ميت، ولكن من غيره يرغب فيها”.
إذا تمت ترجمته إلى لغة المساواة، سيكون المقطع كالآتي:
"كانت سيتا شخصًا يعاني من إعاقة، ونظرًا لأنها تعيش في نظام يركز على البيض مما ينتج عدم المساواة بين الجماعات العرقية والإثنية، فإن مظهرها الجسدي يمنحها مجموعة من الامتيازات والفوائد التي لا تستحقها، ولكن إعاقتها قد خفضت مكانتها أمام الشركاء المحتملين، وقد قَبل والداها، اللذان كانا من الهندوس، عرض زواج من أحد أفراد المجتمع الذي ينتمي إلى مجتمع يملك موارد مالية محدودة، وهو شخص يجري تعريف مظهره الجسدي على أنه مختلف عن معايير المجتمع مما يؤدي إلى تعريضه لمعاملة غير متكافئة، شخص يعتبر في الخطاب السائد بأنه “يعمل بجد”، ومن ديانة مسلمة، وكبيرٌ في السن، وعند الإشارة إليه، استخدمت والدة سيتا لغة قد تعتبر ضارة من قبل ممثلي المجتمعات التي تعاني من التهميش التاريخي".
وتفشل لغة المساواة في تحقيق ما تدعيه، فإن هذه الترجمة لا تزيد من التعاطف مع سيتا ومعاناتها. بل على العكس تمامًا – فإنها تبعد سيتا عن القارئ، وتضعها على بُعد مسافة كبيرة؛ إذ يتدفق ضباب كثيف من المصطلحات المتخصصة يخفي كل ما يجعل النص القصير واضحًا ومليئًا بالفهم والتعاطف الحقيقي.
وإن المعركة ضد العبارات الملطفة والتعبير المبالغ فيه قائمة منذ فترة طويلة، وغالبًا ما تكون معركة نتيجتها الخسارة. وما هو جديد وربما أكثر تهديدًا في لغة المساواة هو نوع خاص من الضغوط التي تفرضها، فالانطباع الذي تطالب به ليس مجرد بيروقراطية، بل هو أخلاقي أيضًا. ولكن تجميع عبارات معتمدة مسبقًا من كتيب إلى جمل يجعلها تبدو كالمسائل العقائدية الخوارزمية التي لا قيمة أخلاقية لها. إذ تنبع اللغة الأخلاقية من نضال العقل الفردي لاستيعاب الحقيقة ونقلها بأكبر دقة ممكنة، ونظرًا لصعوبة الجهد وعدم رحمة النتيجة، فإنه ليس واضحًا أن الكتابة مثل تلك التي تقدمها بو لها مستقبل؛ فكتابها “حقيقي بشكل مبالغ فيه” بالنسبة إلينا. ويمكن اعتبار المشروع نفسه لصحفية أمريكية بيضاء قضت ثلاث سنوات في حي فقير في الهند لسرد قصة العائلات التي تعيش فيها فعلًا مروعًا من الاستغلال الثقافي. ووَفقًا للقواعد الجديدة، فمصير الكتابات العظيمة مثل مصير كلمتي blind وurban. افتح رواية “Light in August” أو “Invisible Man” على أي صفحة عشوائية وانظر كم من الكلمات ستنجو دون تلطيف اليوم.
ومن الصعب العثور على عيوب في المنطق الذي يقف وراء أدلة لغة المساواة، فهي تسعى إلى عالم خالٍ من القمع والظلم، ونظرًا لأن تحقيق هذا الهدف يتخطى قدرة أي شخص، فإنهم يلجؤون إلى ما يمكن التحكم فيه ويحاولون تطهير وتنقيح اللغة حتى لا يجري استبعاد أحد وحتى لا يمكن لها أن تضر بالذين يعانون بالفعل، وإن تجنب العبارات المهينة والانتباه إلى الإهانات غير المقصودة والتحدث إلى الناس بكرامة هي أمور ضرورية في أي مجتمع لائق، ومن الأدب توجيه الكلام إلى الأشخاص بالطريقة التي يرغبون فيها ويؤدي السياق دورًا مهمًا دائمًا: فمن غير المرجح أن يستعمل المعالج مصطلحات مع مريض بالطريقة نفسها التي يستعملها مع زميل، ولكن ليس من واجب الكتّاب أن يقدموا الأشخاص كما يرغبون في أن يُقدّموا – فالكتّاب ملتزمون بقرائهم وبالحقيقة.
وإن مهمة لغة المساواة العالمية هي السعي للخلاص، وليس للإصلاح السياسي أو اللباقة الشخصية – وذلك مسعى بروتستانتي وأمريكي، رغم نفور الأدلة من أي إشارة إلى المواطنة الأمريكية؛ إذ إن الأمريكيين لا يفعلون شيئًا ناقصًا. تتبع الأدلة قواعد الوعظ البروتستانتي حتى العبارة الأخيرة، وبمجرد أن تبدأ في هذه الرحلة، لا يمكنك التوقف عند كلمة Oriental “الشرقي” أو thug “البلطجي”، فمن شأن ذلك أن يترك الكثير من الشر طليقًا لذا، عليك أن تنطلق في رحلة مثيرة لتطارد كلمات مثل gentrification وlegal resident وfood stamps وgun control، حتى يجري القضاء على آخر خطيئة ويجري تصحيحها – وهذا أمر لا يمكن أن يحدث في عالم سيئ.
وإن هذا الإنفاق الكبير للطاقة في تنقية اللغة يكشف عن ضعف الإيمان في أشكال التقدم المادي الأكثر أهمية، فإذا لم نعرف كيفية إنهاء العنصرية، يمكننا على الأقل أن نصفها بأنها منهجية. تريد الأدلة إخفاء قبح مجتمعنا لغويًّا. وحتى من وجهة نظر كتّاب الأدلة، فهم يقومون بما هو أكثر ضررًا من فائدة – ليس بسبب حظرهم السخيف لكلمات عادية مثل congresswoman “نائبة الكونغرس” وexpat “مغترب”، أو التعذيب الذاتي للضمير الذي يتطلبه استخدام الدليل، ولكن لأن الأدلة تجعل من المستحيل مواجهة الظلم الذي يرغبون في تصحيحه، وهذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ عندها أي تغيير، فلا يصبح السجن مكانًا أقل وحشية عندما يطلق على شخص محبوس فيه “شخص يعاني من نظام العدالة الجنائية”. وإن السمنة ليست أكثر صحة “للأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن”، فمن الصعب معرفة من الذي قد يتضرر من عبارات مثل native New Yorker أو under fire، وأشك حتى في شعور كتّاب الدلائل بالإساءة، ولكن الأشخاص في كتاب “Behind the Beautiful Forevers” يعلمون أنهم فقراء – ولا يستطيعون تحمل تكلفة اللغة الملطفة، ولا تخدع لغة المساواة أي شخص يعاني من الأمراض والمشاكل الحقيقية، بل تهدف إلى الحفاظ على مشاعر أولئك الذين يستعملونها فقط.
إن مشروع الأدلة هو مشروع مثالي، ولكنه يعكس تشاؤمًا عميقًا فهو ينتمي إلى ثقافة ممزقة، حيث تكون الإيماءات الرمزية أفضل من الأفعال العملية، ولم يعد فيها الجدال مرغوبًا، ولكل وجهة نظر لهجتها العميقة غير المفهومة، ولا يمتلك القوة سوى الأشخاص الأكثر إلمامًا. وكل ما وصفته ليس مشكلة حزب اليسار التقدمي، فلليمين المتطرف مفردات مختلفة، ويعتمد أيضًا على شعارات استبدادية تضع الأعراف الجديدة، وسنزدهر سياسيًّا إذا استطاع الأميركيون أن يتحدثوا ويتشاجروا بلغة عامة لا تتطلب أي دليل.
