تُعد تربية الأبناء خلال مرحلة المراهقة واحدة من المراحل الأخيرة في رحلة الوالدين التربوية. وخلال هذه السنوات، يسهل إعطاء الأولوية لدرجات الأبناء الدراسية، وإنجازاتهم الرياضية، وغيرها من مظاهر التفوق، لا سيما مع اقترابهم من مغادرة المنزل والاعتماد على أنفسهم.
وعلى الرغم من أن الإنجاز يُعد أحد مؤشرات النجاح، فإن هناك مهارة أخرى تؤثر في رفاه المراهقين ونموهم، لكنها غالبًا ما تُغفل، وهي النضج العاطفي.
وفقًا لعالمة النفس الإكلينيكي ليندسي غيبسون، يتطور النضج العاطفي من خلال الروابط العاطفية العميقة، التي تبدأ بعلاقة الطفل بوالديه ومقدمي الرعاية الأساسيين له. وتُظهر الأبحاث أن النضج العاطفي يتمثل في القدرة على تقبّل الرعاية والتعبير عنها، وضبط الانفعالات الشديدة، واتخاذ قرارات حكيمة. ومن دون هذه القدرة، يصبح المراهقون أكثر عرضة للشعور بالوحدة وانخفاض مستوى الرضا عن الحياة، وفقًا لما توصلت إليه إحدى الدراسات.
وفي أحدث كتبها، كيف تربي طفلًا يتمتع بالنضج العاطفي (How to Raise an Emotionally Mature Child)، تشير غيبسون إلى أن «جودة مستقبل البشرية تعتمد على النضج العاطفي للأجيال القادمة».
جولي فراغا: تذكرين في كتابك أن مستقبل البشرية سيعتمد على النضج العاطفي. لماذا تكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة في الوقت الراهن؟
ليندسي غيبسون: يُعد النضج العاطفي أمرًا بالغ الأهمية لرفاهنا بوصفنا أفرادًا، ولضمان سلاسة المجتمع وإنتاجيته وقدرته على الابتكار. فعندما تتمتع بالنضج العاطفي، تصبح قادرًا على التفكير واستباق العواقب، كما يمكنك مراجعة تجاربك السابقة والتعلم مما فعلته من قبل. وبذلك، تستطيع الاعتماد على تفكيرك لمساعدتك على التعامل مع الواقع.
ويعني النضج العاطفي أيضًا الانتباه إلى عالمك الداخلي، بما يشمله من مشاعر وخيال وآمال وأحلام وروابط مع الآخرين وإحساس بالانتماء.
جولي فراغا: يولي مجتمعنا أهمية كبيرة للإنجاز، في حين لا يمنح الذكاء العاطفي القدر نفسه من الاهتمام. كيف يمكن للوالدين مساعدة أبنائهم المراهقين على تحقيق التوازن بين الأمرين؟
ليندسي غيبسون: هناك توجه ثقافي واضح في المجتمع نحو تقدير الذكاء والإنجاز. لكن عندما يبالغ الوالدان في التركيز على هاتين الصفتين، قد يشعر الطفل بأن الأداء والتفوق أهم من أفكاره ومشاعره وإحساسه بالأمان.
يحتاج الأطفال إلى الشعور بأنهم محاطون بالرعاية والاحتواء الآمن، وأنهم يحظون بالدعم خلال رحلة نموهم. فهذا يساعدهم على اكتساب المرونة النفسية والشعور بالأمان والثقة بالنفس، وهي صفات يحتاجون إليها عندما ينطلقون إلى العالم ليعيشوا باستقلالية.
أما إذا انصب التركيز المفرط على الذكاء والإنجاز، فقد ينتهي الأمر بتنشئة شخص يتمتع بقدرات كبيرة في مجال معين، لكن جانبه العاطفي يظل غير متطور بما يكفي. والتوازن بين الجانبين هو ما يصنع الفارق.
جولي فراغا: تتحدثين في كتابك عن أهمية مساعدة الأطفال على تنمية إحساسهم بذواتهم. هل يمكنك توضيح أهمية ذلك، لا سيما خلال مرحلة المراهقة التي يسعى فيها الأبناء إلى تكوين هويتهم المستقلة؟
ليندسي غيبسون: تتمثل إحدى الطرق التي يكتشف بها المراهقون هويتهم في التعرف على ما لا يمثلهم أو لا يريدون أن يكونوا عليه. فقد يحاول المراهق تجاوز أحد الحدود أو مخالفة إحدى القواعد، وهذا أمر طبيعي في مسار نموه. وما يهم الوالدين هو أن يدركا ويتخيلا أن لطفلهما قلبًا وعقلًا مستقلين عنهما، وهي عملية تُعرف باسم «التعقّل» أو «التمثّل العقلي» (Mentalization).
والذات هي ذلك الصوت الداخلي الذي يوجهنا ويخبرنا بما ينبغي لنا فعله أو تجنبه. فقد يقول لنا: «لا تفعل ذلك»، أو «حان الوقت لتخوض التجربة». وهي التي ترشدنا نحو ما يتوافق بدرجة أكبر مع تفردنا وهويتنا والشخص الذي يمكن أن نصبح عليه.
ويتشكل إحساسنا بذواتنا من خلال علاقاتنا بالأشخاص الذين نحبهم ويحبوننا. ولكي يشعر الأطفال بالأمان، يحتاجون إلى علاقات متينة ومستقرة ومتواصلة وعميقة مع والديهم ومقدمي الرعاية لهم، بحيث يشعرون بأن هؤلاء يفهمونهم ويتفاعلون معهم على نحو صادق وعميق. كما يحتاجون إلى والدين يتحليان بالفضول تجاه شخصياتهم، ويساعدانهم على اكتشاف جوانب ذات معنى في هويتهم من خلال الإصغاء إليهم والتفاعل معهم. وعندما تتوافر هذه الأسس، ينمو لدى الأطفال إحساس داخلي بأنهم أشخاص حقيقيون يمتلكون ذواتهم المستقلة.
جولي فراغا: يعيش الوالدان اليوم حياة مزدحمة، ويعانيان أعباء ذهنية وعاطفية كبيرة. وقد تبدو تربية أطفال يتمتعون بالنضج العاطفي مهمة إضافية شاقة تُضاف إلى قائمة طويلة من المسؤوليات. ما النصيحة التي تقدمينها لهما؟
ليندسي غيبسون: إن تخصيص الوقت للتوقف قليلًا والتعامل مع طفلك بوصفه إنسانًا حقيقيًا له أفكاره ومشاعره يستحقان الاهتمام، يمكن أن يُحدث أثرًا كبيرًا في تعزيز ثقته بنفسه وقدرته المستقبلية على التكيف والصمود أمام الصعوبات.
ويتطلب التمهل والتروي ممارسة مستمرة؛ فعندما يصل الإنسان إلى العمر الذي يؤسس فيه أسرة، يكون قد اعتاد غالبًا توجيه جهوده نحو تحقيق الأهداف. وقد يكون الوالدان شديدي القسوة على نفسيهما، لأن ثقافتنا تولي الإنجاز أهمية مفرطة.
لكن الابتعاد عن هدفك، ولو لثانية واحدة، من أجل الاهتمام بطفلك، أمر يستحق أن تتدرب عليه، لأن تلبية احتياجات الأطفال تقوم أساسًا على منحهم الاهتمام الذي يحتاجون إليه. كما يكتسب الأطفال الثقة بالنفس عندما يدركون أن لهم قيمة، وأنهم لا يقلون أهمية عن أي شخص آخر.
جولي فراغا: ما السلوكيات التي تُعد طبيعية لدى المراهقين، لكن الوالدين قد يسيئان تفسيرها باعتبارها تحديًا أو سوء سلوك؟
ليندسي غيبسون: يجرّب المراهقون أحيانًا قول أشياء أو القيام بتصرفات تتعارض مع ما اعتادوا عليه خلال تنشئتهم السابقة، مثل استخدام ألفاظ معينة أو ارتداء ملابس مختلفة. وقد يشعر الوالدان بالانزعاج من هذه التصرفات، ويكون رد فعلهما: «ما هذا؟ أشعر بعدم الارتياح تجاه هذا السلوك».
وهناك طريقتان مهمتان للتعامل مع مثل هذه المواقف.
أولًا، اطرح على ابنك المراهق أسئلة حول الأشياء التي يهتم بها، مثل الأنماط التي يفضلها في الملابس أو الصفات التي يعجب بها في إحدى الشخصيات التي يتخذها قدوة. حاول إبداء الاهتمام بما يحبه، دون أن يتحول هذا الاهتمام إلى تدخل متطفل في خصوصياته. ويمكنك سؤاله عن أسباب انجذابه إلى أشياء معينة أو تجربته أنماطًا جديدة ومختلفة.
ثانيًا، ضع في اعتبارك أنه عندما يرد عليك المراهق بحدة، أو يكون سيئ المزاج، أو يغلق الباب بعنف، فإن مراكز الانفعال في دماغه تكون في حالة نشاط شديد. وقد لا تتكرر هذه الشدة الانفعالية بالطريقة نفسها في مراحل حياته اللاحقة، لأن الدماغ يعطي الأولوية للتطور العاطفي خلال هذه المرحلة العمرية.
جولي فراغا: هل يمكنك توضيح المزيد عن الأسباب التي تجعل نمو المراهقين يسير على هذا النحو؟
ليندسي غيبسون: نعم، أعلم أنه من السهل أن نتساءل: «لماذا جعلت الطبيعة الأمور تسير بهذه الطريقة؟». والسبب هو أن الذات العاطفية والعلاقات الإنسانية تحتلان مكانة بالغة الأهمية في نجاحنا الحقيقي عندما نصبح بالغين مستقلين.
فبصفتنا بالغين، نحتاج إلى معرفة أنفسنا معرفة عميقة وشاملة، وإلى الاستعانة بمشاعرنا لتوجيه سلوكنا وقراراتنا. أما المراهقون، فلا يزالون يحاولون فهم هذه الجوانب وتعلم كيفية التعامل معها.
ويتطلب تعلم إدارة المشاعر قدرًا كبيرًا من الممارسة. فالمراهقون يكتشفون للمرة الأولى ما يعنيه الشعور بالغضب الشديد، أو الوقوع في الحب، أو التعرض لخيبة الأمل. ويختبرون هذه المشاعر بأقصى درجات شدتها التي قد يمرون بها في حياتهم، لأن الدماغ يضطلع خلال هذه المرحلة بمهمة تطوير قدراتهم العاطفية، والمساهمة في تشكيلهم ليصبحوا أشخاصًا أكثر عمقًا وتكاملًا من الناحية الإنسانية.
جولي فراغا: ما النصيحة التي تقدمينها للوالدين عندما تثير انفعالات أبنائهم المراهقين مشاعرهم الشخصية وتستفز ردود أفعالهم؟
ليندسي غيبسون: تذكر أنه عندما يستجيب ابنك المراهق بطريقة حادة أو انفعالية أو متحدية، أو يوجه إليك ألفاظًا مسيئة، فإنه لا يزال غير قادر على التحكم الكامل في مشاعره.
وبدلًا من التعامل معه بصرامة شديدة واستخدام عبارات توحي بأنه شخص سيئ، حاول أن تقول له: «أنا مهتمة حقًا بمعرفة شعورك تجاه هذا الأمر. أريد أن أسمع حججك ووجهة نظرك، لكن عندما تناديني بألفاظ مسيئة، يصبح من الصعب عليّ أن أستمع إليك وأتفاعل معك. هذا الأسلوب لا يساعدنا. نحن في هذه الأسرة لا نسيء إلى بعضنا بالألفاظ، وهذا السلوك لن يكون مقبولًا عندما تصبح بالغًا أيضًا».
وبهذه الطريقة، يتحول التفاعل إلى فرصة تعليمية يتعلم من خلالها المراهق كيف يستجيب الناس للأساليب المختلفة في التعامل والتواصل. أما القسوة التي تُسكت المراهق على الفور، فتثبط رغبته في التعبير عن مشاعره أمام الآخرين، وهو ما لا يساعده على تنمية المرونة النفسية أو بناء علاقات صادقة.
جولي فراغا: ما السلوكان اللذان قد يمارسهما الوالدان بهدف تعزيز النضج العاطفي لدى أبنائهما، لكنهما قد يؤديان في الواقع إلى نتائج عكسية؟
ليندسي غيبسون: يتمثل السلوك الأول في المبالغة في أهمية الإنجاز والسعي إلى بناء سيرة ذاتية حافلة بالنجاحات. وبالطبع، يدرك الوالدان مدى صعوبة الحياة في مرحلة البلوغ، ويشعران بأن من واجبهما نقل هذه الحقيقة إلى أبنائهما. لكن عندما يصبح الإنجاز أولوية مطلقة، ويبدأ الأبناء في الاعتقاد بأن جميع جوانب الحياة الأخرى ستسير على ما يرام بمجرد تحقيق أهداف معينة أو إنجاز أمور محددة أولًا، فإننا لا نساعدهم على تطوير قدراتهم العاطفية والاجتماعية. بل نسهم في تكوين شخصية أحادية البعد، تتمحور حول الإنجاز على حساب جوانب أخرى أساسية في الحياة.
أما السلوك الثاني، فيتمثل في اعتقاد بعض الوالدين أن أبناءهم لن يتعلموا أو ينضجوا ما لم يفرضوا عليهم عواقب قاسية أو عقوبات شديدة. فعندما نحاول إيصال المعلومات والدروس إلى الطفل من خلال العقاب، فإننا نعلمه في الواقع الخضوع لغضب الآخرين وسلطتهم والتحكم الذي يمارسونه عليه.
وبالطبع، نريد لأبنائنا أن يدركوا عواقب أفعالهم ويتحملوا مسؤوليتها، لكننا قد نبالغ أحيانًا في ردود أفعالنا. فلا يمكن للإنسان أن يعيش حياة متكاملة وسليمة إذا ظل منشغلًا باستمرار بتوقع غضب الآخرين منه والخوف من ردود أفعالهم.
