على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قادر على زيادة إنتاجية العاملين وإتاحة المجال أمامهم للعمل دون تدخل، فإنه قد يقوض استقلاليتهم في الوقت نفسه. وتترتب على ذلك دلالة تثير القلق بشأن كيفية تنظيم صانعي السياسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، إذ يتبين أن النهج القائم على «إبقاء الإنسان في موقع التحكم» ليس المعيار الصحيح للحكم على هذه المسألة.
عندما نتساءل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر إيجابًا أم سلبًا في العمل، فإننا نقصد عادة أحد أمرين: هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين؟ وكيف سيؤثر في الأجور؟ والآن، بدأ سؤال ثالث يبرز في النقاش العام، وهو: هل يجعل الذكاء الاصطناعي العمل نفسه أفضل أم أسوأ؟
للإجابة عن هذا السؤال الثالث، أبحث أنا والمؤلف المشارك معي في كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في استقلالية العاملين. ونطرح تصورًا للعمل المستقل بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، أو ما يُعرف بالوكلاء، يمكن أن يوجّه تطوير الذكاء الاصطناعي المكمّل للقدرات البشرية ونشره. ونرى أن العاملين بحاجة إلى الاحتفاظ بدورهم بوصفهم أصحاب العمل ومؤلفيه الفعليين، فضلًا عن قدرتهم على تحمل المسؤولية والمساءلة عن أفعالهم.
كيف يغيّر وكلاء الذكاء الاصطناعي طبيعة العمل؟
تنطلق دراستنا من بيانات تتناول كيفية تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي في تجربة العاملين لعملهم، وفي تصوراتهم لماهية «العمل الجيد». ولجمع هذه البيانات، طوّرنا وكيلًا يعمل بالذكاء الاصطناعي لإجراء مقابلات مع متخصصين في تقنية المعلومات وعلماء البيانات. واخترنا هذه الفئات من العاملين لأنهم من أوائل من يواجهون التأثير الكامل لأدوات البرمجة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي.
أفاد كثير من العاملين بأن تجاربهم مع وكلاء الذكاء الاصطناعي كانت إيجابية، وأن هذه الأدوات أحدثت آثارًا إيجابية في أعمالهم. وذكروا أنهم أصبحوا أكثر إنتاجية، وأنهم تمكنوا من إنجاز مهام لم يكونوا قادرين على إنجازها من قبل، وأصبح لديهم تحكم أكبر في كيفية استثمار وقتهم، كما استطاعوا توجيه جهودهم نحو مهام يجدونها أكثر إثارة للاهتمام.
ومع ذلك، عبّر العاملون أنفسهم عن شعور مستمر بالقلق لا يمكن تفسيره بمجرد الحديث عن زيادة الإنتاجية. وتمثل أحد المخاوف المتكررة في احتمال أن يتحول العامل، على حد تعبير أحد المشاركين في المقابلات، إلى «جليس أطفال للذكاء الاصطناعي»، أي أن ينحصر دوره في مراقبة النظام ومتابعته. وأعربت إحدى محللات البيانات عن خشيتها من أن يبدأ زملاؤها في النظر إليها باعتبارها «مجرد ناقلة للرسائل، لا صاحبة للعمل». ووصف آخرون شعورهم بأنهم أصبحوا «بلا حاجة»، أو أن دورهم اختُزل في «وضع علامات على العمل ومراجعته»، رغم أن أياً من صلاحياتهم الرسمية لم يتغير.
وأبدى المشاركون في دراستنا قلقًا أيضًا من أن يستحوذ الذكاء الاصطناعي على جوانب مهمة من أعمالهم. وبرز في هذا السياق موضوعان رئيسيان على وجه الخصوص.
أولًا، أراد العاملون ضمان استمرارهم في اتخاذ الأحكام المعيارية بأنفسهم، مثل الموازنة بين المصالح المتعارضة أو فهم قيم العملاء وأولوياتهم.
ثانيًا، أرادوا الاحتفاظ بمسؤوليتهم عن العمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم من أن يجدوا أنفسهم في موضع يُحمّلون فيه المسؤولية عن قرار لم يشاركوا في صياغته بالقدر الكافي.
وهنا تكمن الإشكالية. فالتصورات التقليدية للعمل المستقل تركز على مشكلة خضوع العامل للأوامر والسيطرة. وتقوم النظرة السائدة إلى الحرية في العمل، سواء في الفلسفة أو في السياسات العامة، على ما نسميه «مشكلة التدخل»، أي القلق من أن يتمكن شخص يمتلك سلطة عليك، مثل مديرك، من إصدار الأوامر لك، أو إكراهك، أو التدخل في اختياراتك (Anderson، 2017).
وتُوسّع النقاشات المتعلقة بالإدارة الخوارزمية والمراقبة نطاق هذا التصور ليشمل الذكاء الاصطناعي أيضًا، إذ يتمثل الخوف في أن تمنح الخوارزميات المديرين أدوات جديدة لمراقبة العاملين وتوجيههم وفرض الانضباط عليهم (Kellogg وآخرون، 2020؛ Muldoon وRaekstad، 2023).
وبالاستناد إلى هذه المعايير القائمة على التحكم، لا يبدو أن استقلالية متخصصي تقنية المعلومات وعلماء البيانات الذين أجرينا معهم المقابلات قد تراجعت. فالذكاء الاصطناعي لا يصدر إليهم أوامر، وسلطة المدير لم تتغير. فما الذي كان يقلق العاملين إذن عندما عبّروا عن مخاوفهم بشأن استقلاليتهم؟
كيف يمكن للأفراد العمل باستقلالية بمساعدة وكلاء الذكاء الاصطناعي؟
يكون التصور الذي يربط استقلالية العامل بغياب التدخل مناسبًا عندما يتمثل التهديد الحقيقي في مدير يمتلك سلطة غير متكافئة مع سلطة العامل. غير أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يطرحون نوعًا مختلفًا من التهديد. فوكلاء البرمجة لا يهيمنون على العامل ولا ينتقصون من قدرته على التحكم في عمله، بل يستحوذون بهدوء على جوهر العمل ومضمونه، بينما يظل العامل، من الناحية الرسمية، في موقع المسؤول عن إدارته. وإذا قيّمنا جودة الوظائف استنادًا فقط إلى هوية الطرف الذي يمتلك سلطة التحكم ومدى تحرر العامل من التدخل، فقد يبدو العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي جيدًا، بل ربما أفضل من السابق، في حين تتآكل تدريجيًا قيمة أساسية يوليها العاملون أهمية كبيرة.
ونرى أن ما يدافع عنه هؤلاء العاملون يمكن فهمه على نحو أدق من خلال مفهوم المكانة المهنية، أي الموقع المعياري الذي يشغله الفرد داخل المؤسسة، والذي يتيح له إنجاز عمله بوصفه صاحبه الفعلي، وتملّكه، والدفاع عنه وتبرير قراراته بشأنه. وتتطلب هذه المكانة وجود نطاق من مهام العمل يتمتع الفرد بالتحكم الحقيقي فيه، لكنها تتجاوز ذلك لتشمل عنصرين إضافيين.
التأليف الفعلي للعمل
يتمثل العنصر الأول في التأليف الفعلي للعمل، أي توجيه العمل بصورة حقيقية، والقدرة على التعبير من خلاله عن أحكام الفرد ومهاراته ووجهة نظره، بدلًا من الاكتفاء بالإشراف على نظام يتولى التفكير الجوهري وإنجاز العمل الفعلي.
وهذا ما يفسر حرص المشاركين في مقابلاتنا على الاحتفاظ بالمهام التي تتطلب إصدار الأحكام والتقديرات، واستياءهم من اقتصار دورهم على التحقق من صحة العمل سطرًا بسطر.
وقد ظهرت أكثر التجارب إيجابية عندما استخدم العاملون الذكاء الاصطناعي لإعداد مسودة أولية، ثم أضافوا إليها لمستهم الخاصة وطوّروها لتصبح عملًا يعبر عنهم. أما أكثر التجارب سلبية، فكانت تلك التي تولى فيها الذكاء الاصطناعي التفكير، ولم يُترك للعامل سوى مراجعة النتائج والتحقق منها.
ومن اللافت أن الفرد قد يفقد ملكيته الفعلية للعمل دون أن ينتزعها منه أحد. فقد وصف عدد من العاملين كيف سمحوا للذكاء الاصطناعي بإنجاز قدر مفرط من العمل، ثم اكتشفوا، على حد تعبير أحدهم، أنهم «لم يعودوا أصحاب المخرجات». لم يتدخل أي مدير في عملهم، وإنما تخلّى العامل نفسه ببساطة عن موقعه بوصفه المسؤول الأول عن توجيه عمله والتحكم فيه.
المساءلة
يتمثل العنصر الثاني في المساءلة، أي أن يعترف الآخرون بالفرد بوصفه الشخص الذي يتعين عليه الدفاع عن العمل والإجابة عن الانتقادات الموجهة إليه. والأهم أن المساءلة هنا تعني موقعًا أو صفة مؤسسية، وليست مجرد شعور شخصي.
لنتأمل الفرق بين شخص يفكر سرًا في مزايا علاج طبي وعيوبه، وطبيب يوصي مريضًا بتلقي ذلك العلاج. فقد يكون التفكير في الحالتين متطابقًا، لكن الفارق يكمن في أن الطبيب يمكن أن يُطلب منه تبرير توصيته، وأنه ملزم بتقديم هذا التبرير لشخص تتأثر مصالحه بالقرار، كما أن إجابته تحمل وزنًا وأهمية.
وينطبق الأمر نفسه على العمل. فقد قال لنا أحد المديرين: «أحتاج إلى أن أكون قادرًا على وضع اسمي على شيء ما». أراد العاملون الاحتفاظ بمسؤوليتهم عن أعمالهم، ولكن بشرط أن يكونوا أصحابها الفعليين وأن يكون لهم دور حقيقي في تشكيلها. أما أن يُطلب من العامل تحمل مسؤولية مخرجات أنتجها الذكاء الاصطناعي دون أن يسهم بصورة مؤثرة في صياغتها، فذلك يجمع بين أسوأ ما في الحالتين: المسؤولية دون ملكية فعلية للعمل.
وتترتب على ذلك نتيجتان أساسيتان.
أولًا، يمكن للمؤسسات والجهات التنظيمية أن تبني استقلالية العاملين أو تقوضها.
ثانيًا، ينبغي إدراج الاستقلالية بهذا المعنى ضمن قائمة المقومات الأساسية للعمل الجيد، إلى جانب الأجور والأمان الوظيفي والمعاملة العادلة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى السياسات العامة؟
إذا كانت الاستقلالية تعني امتلاك المكانة المهنية التي تتيح للفرد توجيه عمله وتملّكه والدفاع عنه، فإن التوجه التلقائي نحو إبقاء الإنسان «ضمن دائرة اتخاذ القرار» لا يكفي، بل قد يضر باستقلاليته في بعض الحالات.
ويتمثل أحد أبرز الضمانات التي يقرها قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي للأنظمة عالية المخاطر في اشتراط الإشراف البشري، وفقًا للمادة الرابعة عشرة، بما يشمل القدرة على مراقبة النظام والتدخل في عمله وتجاوز قراراته عند الحاجة. غير أن العامل الذي يستطيع الاعتراض على مخرجات الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يسهم بأي شيء من عنده في العمل، يمتلك سلطة الإشراف، لكنه يفتقر إلى المكانة المهنية الحقيقية. ومن منظور الاستقلالية، فإن التحكم البشري الشكلي والفارغ أسوأ من الأتمتة الكاملة.
وفيما يتعلق بالسياسات الرامية إلى توفير وظائف جيدة، تترتب على ذلك ثلاثة آثار أساسية.
تصميم العمل بما يعزز التأليف الفعلي، لا الإشراف فحسب: ينبغي أن تتضمن معايير جودة الوظائف وقواعد المشتريات العامة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في بيئة العمل أسئلة حول ما إذا كانت الأداة تتيح للعاملين الاحتفاظ بمهام جوهرية تتطلب إصدار الأحكام والتقديرات، وتمكّنهم من الإسهام الفعلي في صياغة العمل، بدلًا من الاكتفاء بالتحقق من وجود إمكانية لدى الإنسان للضغط على زر الإيقاف.
مواءمة المساءلة مع التأليف الفعلي للعمل: ينبغي ألا يُحمّل العاملون مسؤولية مخرجات لم يكن لهم دور حقيقي في تشكيلها، وألا يُساءلوا عن نتائج قرارات لم يملكوا أي سلطة فعلية على اختيار استخدام منتج من منتجات الذكاء الاصطناعي فيها لإنجاز مهمة معينة.
منح العاملين صوتًا مؤثرًا في كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي واستخدامه: إن تحديد المهام التي سيتولاها النظام، وكيفية إعادة توزيع التقدير والمسؤولية، ومدى تمتع العاملين بالمرونة اللازمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع أحكامهم المهنية، كلها عوامل تحدد ما إذا كانوا سيحتفظون باستقلاليتهم أم لا. ولذلك، ينبغي اتخاذ هذه القرارات بمشاركة العاملين وممثليهم، لا بمعزل عنهم.
من الممكن تمامًا أن يعزز الذكاء الاصطناعي استقلالية العاملين، كما يمكنه أن يقوضها. ولا تتحدد النتيجة بمجرد القدرات التقنية للذكاء الاصطناعي في حد ذاتها. فإذا استمرت السياسات الرامية إلى توفير وظائف جيدة في التركيز على سؤال واحد فقط، وهو ما إذا كان الإنسان يحتفظ بسلطة التحكم الرسمية، فإنها ستنتهي إلى إقرار صلاحية بيئات عمل يكون العاملون فيها قد فقدوا، بهدوء وتدريجيًا، دورهم بوصفهم أصحاب أعمالهم الفعليين والقادرين على توجيهها وصياغتها.
