تخيّل لو أن شركة «واي كومبينيتور» لتمويل الشركات الناشئة واحتضانها كانت تمتلك مدينة سان فرانسيسكو وتديرها. هل تعاني المدينة ازدحامًا مروريًا مفرطًا؟ هذا سيئ للأعمال. عندئذ، ستُبنى الطريق السريعة 101 على ثلاثة أو أربعة مستويات، وربما تضم المنطقة الحضرية اثني عشر خطًا لمترو الأنفاق، لتصبح شبكتها أقرب إلى شبكتي مدريد أو أوساكا منها إلى شبكة قطارات منطقة خليج سان فرانسيسكو الحالية. وماذا عن المباني التراثية؟ إنها جميلة، لكن هذه مدينة للتكنولوجيا. ستملأ ناطحات السحاب شبه الجزيرة بأكملها. وربما تخفض المدينة الضرائب بدلًا من فرض ضرائب على ثروات المليارديرات، بهدف تشجيع مزيد من مؤسسي الشركات والشركات نفسها على الانتقال إليها.
ليس هذا سوى تصوير كاريكاتوري بسيط نسبيًا لطريقة عمل الحكومات المحلية في الصين. فقد تحولت مدن تقع على مستوى المقاطعات، مثل خفي وهانغتشو، إلى مراكز تجارية رائدة عالميًا في مجالات السيارات الكهربائية والإلكترونيات الاستهلاكية والألواح الشمسية والبطاريات والذكاء الاصطناعي. ويقود هذه المدن رؤساء بلديات تتشابه الحوافز المهنية التي تحكم مساراتهم مع حوافز الشركاء في شركات رأس المال الجريء؛ إذ يحصلون على الترقيات عندما تنمو الشركات والمشروعات الواقعة ضمن محافظهم الاستثمارية، ويُقالون عندما تفشل. وتعمل المدن التي يديرونها بوصفها تكتلات اقتصادية متكاملة رأسيًا، لا تستفيد من نجاح الشركات المحلية الرائدة فحسب، بل تستفيد أيضًا من النمو الأوسع الذي تحققه أعداد كبيرة من الشركات التي تنمو في أعقاب تلك الشركات وتستفيد من وجودها.
في الغرب، يُعزى نجاح الصين غالبًا إلى استعداد الحكومة المركزية لاختيار الشركات الفائزة وتوجيه الاقتصاد من أعلى إلى أسفل. وقد خلص كثير من الغربيين إلى أن بلدانهم تحتاج إلى نهج مماثل قائم على التوجيه المركزي لإنشاء شركات رائدة قادرة على منافسة الصين. لكن دور بكين أقرب إلى دور واضع القواعد في بطولة كبرى. فالحكومات دون الوطنية، بما فيها حكومات المقاطعات والمدن والبلدات والقرى، مسؤولة عن نحو 85 في المئة من الإنفاق العام، وفقًا لصندوق النقد الدولي، وتذهب الحصة الأكبر من هذا الإنفاق إلى المستوى الحضري.
إن التدخل الحكومي المكثف الذي يلاحظه المراقبون لا يصدر، في الواقع، عن بكين بقدر ما يصدر عن الحكومات المحلية، التي يبلغ عددها الآلاف في الصين، والتي تتنافس فيما بينها على جذب الاستثمارات وتعزيز المكانة والنفوذ. وهذه المحركات المحلية للنمو، والمنافسة القائمة بينها، هي ما يدفع النجاح الاقتصادي الصيني المذهل، وهي أيضًا ما يتعين على العالم الغربي تبنيه حتى يتمكن من مواكبة الصين.
أبطال محليون
خلال العقود الأولى التي أعقبت انفتاح الاقتصاد الصيني في ثمانينيات القرن العشرين، كانت عبارة «صنع في الصين» تعني سلعًا رخيصة تُنتج بكميات ضخمة لصالح الشركات الغربية. أما اليوم، فقد أصبحت الشركات الصينية رائدة عالميًا في التصنيع عالي التقنية، وأصبح كثير منها أسماء مألوفة في المنازل الغربية. فشركة هواوي تُعد، على الأرجح، من أكثر شركات الاتصالات تقدمًا في العالم، وشركة بي واي دي هي أكبر شركة مصنعة للسيارات الكهربائية، بينما تنتج دي جي آي أكثر من 90 في المئة من الطائرات المسيّرة الاستهلاكية في العالم.
وهناك شركات أقل شهرة، لكنها لا تقل أهمية، مثل جيلي، عملاق صناعة السيارات الذي بدأ نشاطه في ثمانينيات القرن العشرين مصنعًا لقطع غيار الثلاجات، ثم أصبح يمتلك شركات فولفو ولوتس وبولستار، إلى جانب حصة في أستون مارتن. وهناك أيضًا شركة فيفو، التي أصبحت اليوم أكبر مورّد للهواتف الذكية في الهند.
ما يجمع هذه الشركات هو أن بكين لم تؤدِّ أي دور في تأسيسها. فجميعها شركات خاصة شجعتها الحكومات المحلية. وقد نشأت هواوي وبي واي دي ودي جي آي في المنطقة الاقتصادية الخاصة بمدينة شنتشن، حيث كان بإمكان المسؤولين البلديين وضع لوائح محلية من دون التقيد بالقواعد الوطنية. أما جيلي، فقد تلقت دعمًا هادئًا من مقاطعة تشجيانغ في وقت لم يكن يُسمح فيه، من حيث المبدأ، بتصنيع السيارات إلا للشركات التي تعيّنها الدولة. وانبثقت شركة فيفو عن شركة تأسست في دونغقوان، بعدما رفضت مدينة تشونغشان المجاورة منح قادة الشركة حصصًا في ملكيتها.
حظيت بعض القطاعات، مثل البطاريات والإلكترونيات، ومؤخرًا السيارات الكهربائية، بدعم خاص من بكين باعتبارها صناعات استراتيجية. واستفادت الشركات العاملة في هذه المجالات من الإعانات المالية والإعفاءات الضريبية، ومن الإعفاء من ضريبة المبيعات في حالة السيارات الكهربائية. لكن الدولة، على الرغم من استعدادها لدعم قطاعات معينة، لم تكن تنحاز مسبقًا إلى شركات أو مناطق بعينها لتصبح مهيمنة بفضل ذلك الدعم. فقد حددت بكين الجائزة، وتركت للمسؤولين المحليين مهمة التنافس على الفوز بها.
وتُعد خفي، عاصمة مقاطعة آنهوي الواقعة في الجزء الشرقي الداخلي من الصين، المثال الأشهر على هذه العملية. ففي عام 2008، استثمرت الحكومة البلدية 500 مليون دولار في شركة «بي أو إي تكنولوجي» المتخصصة في شاشات العرض الإلكترونية، بهدف إنشاء خط إنتاج لشاشات الكريستال السائل من جيل جديد، وهو ما وضع الصين للمرة الأولى في طليعة الدول المنتجة للشاشات. وكانت خفي آنذاك مدينة عادية لا تمتلك صناعة لشاشات العرض، بينما لم تكن شركة بي أو إي تتجاوز المرتبة التاسعة عالميًا بين الشركات المصنعة لشاشات الكريستال السائل.
وفرت المدينة الأراضي اللازمة، ووصلات المرافق العامة، والتمويل الرخيص لتأسيس شركة تابعة بالشراكة مع بي أو إي، امتلكت المدينة 81 في المئة منها. وقد استثمرت المدينة في هذه الشراكة ما يقارب عُشر إجمالي إيراداتها في ذلك العام. وأثبت الرهان نجاحه؛ إذ أصبحت بي أو إي اليوم أكبر شركة مصنعة لألواح العرض في العالم، وتنتج نحو ربع شاشات الهواتف الذكية عالميًا.
وأعادت المدينة استثمار العوائد التي حققتها في رهانات أخرى شبيهة باستثمارات رأس المال الجريء، وحققت هذه الاستثمارات نجاحات كبيرة بوتيرة لافتة. فقد أثمر استثمار خفي في شركة صناعة السيارات «نيو»، التي دعمتها المدينة عام 2020 مقابل حصة تبلغ 24 في المئة، عن معدل عائد داخلي تجاوز 30 في المئة. أما شركة «سي إكس إم تي»، المتخصصة في تقنيات الذاكرة، والتي تمتلك مدينة خفي 24 في المئة منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتأتي مباشرة خلف سامسونغ وإس كيه هاينكس وميكرون، بحصة تبلغ 7 في المئة من السوق العالمية لرقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، المعروفة اختصارًا باسم DRAM، وهي الذاكرة قصيرة الأجل المستخدمة في الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية ومراكز البيانات. وخلال العقد الممتد حتى عام 2023، استثمرت المدينة نحو 25 مليار دولار من الأموال العامة، وحققت أرباحًا معلنة تقارب 9 مليارات دولار.
وحذت مدن أخرى حذو هذا النموذج القائم على رأس المال الجريء، محققة زيادات مماثلة في الوظائف والإيرادات الضريبية. فقد استوردت مدينة ووهو خط إنتاج مستعملًا لمحركات فورد من بريطانيا، واستقطبت مهندسين من شركة «فاو»، عملاق صناعة السيارات المملوك للدولة، وقلّدت تصميمًا لشركة فولكسفاغن لتأسيس شركة محلية لصناعة السيارات. ونمت هذه المبادرة المرتجلة في نهاية المطاف لتصبح شركة شيري، التي تُعد اليوم إحدى أبرز شركات صناعة السيارات في الصين، كما أصبحت مورّد السيارة الأكثر مبيعًا في بريطانيا خلال مارس 2026، وهي «جايكو 7». وإلى جانب النمو في الوظائف والصادرات والإيرادات الضريبية، تحتفظ مدينة ووهو بحصة تبلغ 21 في المئة في شيري، تُقدّر قيمتها بنحو 3.7 مليارات دولار.
أما مدينة نينغده، وهي مدينة متوسطة الحجم نسبيًا في مقاطعة فوجيان جنوب شرقي الصين، فهي الموقع الذي تأسست فيه شركة «كاتل»، التي أصبحت اليوم أكبر منتج للبطاريات في العالم. وقد اتخذ قادة المدينة رهانًا استراتيجيًا منذ تأسيس الشركة عام 2011، فخصصوا الأراضي والبنية التحتية والدعم الضريبي والتنسيق الإداري، وعملوا على استقطاب الموردين لمساعدة شركة البطاريات الناشئة على توسيع نطاق إنتاجها. وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمصانع كاتل في نينغده اليوم 330 غيغاواط ساعة من البطاريات سنويًا، وهو ما يعادل قرابة نصف الطلب العالمي على بطاريات السيارات الكهربائية في عام 2023.
النمو هو أفضل سياسة
يحوّل رؤساء البلديات وحكام المقاطعات في الصين مدنهم إلى محافظ استثمارية تشبه محافظ شركات رأس المال الجريء، بسبب نظام الحوافز الذي يعملون في إطاره. إذ يخضع كل كادر، أي أعضاء الحزب والمسؤولين الآخرين الذين يديرون الدولة الصينية، لتقييم يجريه رؤساؤه ويُسجّل في ملف سري يتراكم على امتداد مسيرته المهنية. ويقيّم أمناء الحزب على مستوى المدن التي تقع ضمن نطاق المحافظات رؤساء المقاطعات التابعة لها، الذين يقيّمون بدورهم المسؤولين الأدنى رتبة، المشرفين على البلدات، وهؤلاء يقيّمون قادة القرى، وصولًا إلى أدنى المستويات الحزبية.
وتعتمد الترقيات، ليس للسياسيين وحدهم بل في مختلف أجهزة الخدمة المدنية، إلى حد كبير على تقييم الأداء الاقتصادي للمقاطعة أو المدينة التي يتولى المسؤول إدارتها. فعلى سبيل المثال، اشتمل تقييم لجنة الحزب البلدية في شاوشينغ لعام 2008 لقادة المدينة على 100 نقطة أساسية، خُصصت 54 نقطة منها للتنمية الاقتصادية، بما في ذلك نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والإيرادات المحلية، والاستثمارات الصناعية، والصادرات. وعلى امتداد الصين خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان المسؤولون الذين حققوا معدلات نمو أعلى من أسلافهم بمقدار 3.3 نقاط مئوية أكثر احتمالًا للترقية بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المئة. وفي حين يؤدي النجاح إلى الترقية، قد يؤدي الفشل إلى التقاعد المبكر أو خفض الرتبة أو اتخاذ إجراءات تأديبية.
ولزيادة حوافز المسؤولين البيروقراطيين، تخضع الترقيات لحدود عمرية صارمة، وإن لم تكن معلنة رسميًا. إذ يتعين على المسؤول أن ينتقل من المناصب الإدارية على مستوى المقاطعات إلى مستوى المدن التي تقع ضمن نطاق المحافظات بحلول منتصف الأربعينيات من عمره، وأن يحقق الانتقال التالي إلى المستوى الإقليمي أو الوزاري بحلول منتصف الخمسينيات. كما تقل احتمالات وصوله إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني إذا لم يبلغه بحلول الستينيات من عمره. ويعني تفويت إحدى هذه النوافذ العمرية أن يظل المسؤول حبيس مرتبة أدنى طوال بقية حياته المهنية.
ويكمن أحد أسباب فاعلية هذه الحوافز في أن حكومات المقاطعات الصينية تحتفظ بجزء كبير من الأموال التي تجمعها، على خلاف ما يحدث في كثير من الأنظمة الغربية. فبعد عام 1980، عندما بدأ الاقتصاد الصيني انفتاحه على العالم، كانت المقاطعات تحتفظ بنحو 75 يوانًا من كل 100 يوان إضافي تجمعها. وقد تفاوضت حكومات إقليمية كثيرة على اتفاقات تحدد مسبقًا مقدار الإيرادات التي ستلتزم بتحويلها إلى بكين خلال السنوات الخمس التالية أو أكثر، وهو ما يعني أن كل يوان إضافي تجمعه بعد ذلك، أو تفشل في جمعه، ينعكس مباشرة على ميزانيتها الخاصة. وبحلول عام 1990، اقترب متوسط نسبة الاحتفاظ بالإيرادات الهامشية من 90 في المئة.
وازدادت حدة الحوافز التي تواجه الحكومات المحلية بعد عام 1994، عندما خفّضت حزمة من الإصلاحات حصة المقاطعات والمدن من ضريبة القيمة المضافة، مما جعلها أكثر تعطشًا إلى الإيرادات. ومع ذلك، سمحت الإصلاحات لها في كثير من الأحيان بالاحتفاظ بكامل المكاسب الإضافية المتحققة من الشركات المملوكة للدولة، وبالاستفادة من بيع حقوق استخدام الأراضي، التي كان بإمكانها الاحتفاظ بمعظم عائداتها.
ويتضح أثر هذه الحوافز في المسيرة المهنية للي تشيانغ، الذي يُعد اليوم ثاني أقوى رجل في الصين. بدأ لي مسيرته من أدنى السلم الوظيفي؛ فقد وُلد عام 1959 لأسرة عادية في رويآن، وهي مدينة قديمة لكنها صغيرة في مقاطعة تشجيانغ، وعمل في وظائف كتابية داخل المصانع قبل انضمامه إلى الفرع المحلي للحزب الشيوعي عام 1983. وعلى مدى السنوات العشرين التالية، شق طريقه في السياسة المحلية، وتولى سلسلة من المناصب على مستوى المقاطعة.
وفي عام 2002، عُيّن أمينًا للحزب في مدينة ونتشو، وهي مدينة أكبر تقع في المقاطعة نفسها. وحتى في ظل الحكم الشيوعي، كانت ونتشو تُعرف بأنها معقل لريادة الأعمال والنشاط التجاري الخاص داخل تشجيانغ. وتمثلت استراتيجية لي في تشجيع تأسيس مزيد من الشركات الخاصة، وجذب رؤوس الأموال الخاصة إلى مشاريع البنية التحتية، وإزالة العقبات التي تعترض استخدام الأراضي وتوظيف العمالة. ونما الناتج المحلي الإجمالي لوونتشو بنسبة 14.8 في المئة خلال عامه الأول في المنصب. وبعد عام ثانٍ من النمو السريع، بلغ 14.1 في المئة، عُيّن لي رئيسًا لديوان أمين الحزب الإقليمي، شي جين بينغ.
وعندما تولى شي السلطة في بكين عام 2013، رُقّي لي إلى منصب حاكم المقاطعة. ووصف لي استراتيجيته بأنها تتمثل في إفساح المجال أمام السوق، بهدف «السماح للسوق بأداء دوره الحاسم، وتعزيز روح المبادرة والابتكار لدى الجماهير». وقال إن على تشجيانغ أن تستبدل «اليد المتدخلة» للحكومة بـ«اليد الخفية» للمنافسة في السوق. وعمليًا، عنى ذلك إلغاء ثمانية آلاف من الصلاحيات القانونية التي كانت تملكها سلطات المقاطعة، بما في ذلك أكثر من 700 شرط يتطلب الحصول على موافقات مسبقة.
وبعد نجاحه في تشجيانغ، تولى لي قيادة مقاطعة جيانغسو، قبل أن ينتقل إلى شنغهاي نفسها. وهناك ركّز مرة أخرى على تحرير رؤوس الأموال الخاصة. فأنشأ سوقًا جديدة للأوراق المالية تُعرف باسم «ستار»، أصبحت خلال عام واحد من إطلاقها إحدى البورصات الرئيسية في الصين. كما أشرف على توسيع منطقة التجارة الحرة في شنغهاي، وأعلن حزمة من الإصلاحات الرامية إلى تسهيل ممارسة الأعمال التجارية، على غرار ما فعله في ونتشو، مع التركيز على تقليص متطلبات الحصول على التصاريح.
وفي عام 2022، وبعد صعوده في السلم الوظيفي على مدى 39 عامًا، أصبح لي عضوًا في أعلى هيئة لاتخاذ القرار داخل الحزب، وهي اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، التي تتألف من سبعة أعضاء. وبصفته ثاني أعلى الأعضاء مرتبة، لم يعد يعلوه في السلطة سوى رئيسه السابق، شي جين بينغ.
ويجري تعيين العاملين في الجهاز البيروقراطي الصيني بأكمله بهذه الطريقة، بدءًا من أصغر قرية وصولًا إلى العاصمة. ولذلك، يختلف العمل بوصفه مسؤولًا في الحكومة المحلية في الصين اختلافًا كبيرًا عن نظيره في الغرب. فالموظفون العموميون الصينيون أقرب إلى مديري الشركات منهم إلى الإداريين التقليديين؛ إذ يتخذون قرارات استثمارية لتحسين الأداء المالي للوحدة التي يديرونها وتعزيز فرصهم المهنية.
كيف تنشئ الحكومات المحلية التجمعات الصناعية؟
المنافسة هي القوة المحركة للنجاح الصناعي الصيني. فبدلًا من وجود هيئة واحدة تتخذ القرارات نيابة عن البلاد بأكملها ثم تفرضها على بقية المستويات، توجد مئات الجهات التي تتخذ القرارات وتتنافس فيما بينها. وعندما تثبت إحدى الاستراتيجيات نجاحها، تضاعف الصين استثماراتها فيها. وفي هذا الجانب، يشبه النظام الرأسمالية الأمريكية، حيث تتنافس صناديق التحوط وبنوك الاستثمار وشركات رأس المال الجريء، ويؤدي كل منها دور مخطط مركزي مستقل يوزع رأس المال على جزء محدد من الاقتصاد الأمريكي.
لكن الصين تذهب إلى أبعد من ذلك. ففي الرأسمالية الأمريكية، يسعى كل طرف إلى تحقيق مصالحه الخاصة، لكن لا توجد جهة تمثل مصالح المنظومة التنافسية بأكملها، وهو ما يجعل حل مشكلات التنسيق أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان. أما الاشتراكية البلدية التنافسية في الصين، فتنجح لأن الحكومات المحلية تؤدي، فعليًا، دور مالكي الأراضي. فهي تستحوذ على المكاسب غير المباشرة للنمو من خلال ارتفاع قيمة الأراضي وزيادة الإيرادات الضريبية، ولذلك تنشئ منافع عامة تعود بالفائدة على جميع الشركات الموجودة في مناطقها.
تمتلك الحكومات المحلية في الغرب كثيرًا من الأدوات المتاحة للمدن الصينية، لكنها تفتقر إلى الحوافز نفسها. وتعاني المدن الغربية من تشتت السلطة السياسية والإدارية، كما هي الحال في منطقة خليج سان فرانسيسكو، التي تديرها 101 حكومة بلدية مختلفة، أو من وجود قواعد تضع سقوفًا على إيرادات الضرائب العقارية أو تعيد توزيعها. وقد أصبحت مدن غربية كثيرة عاجزة عن أداء وظائفها بكفاءة، حتى عندما تستضيف تجمعات اقتصادية تنافس نظيراتها في الصين.
وعلى النقيض من ذلك، تحتفظ الحكومات الصينية بجزء كبير من الأموال التي تجمعها، ويقودها مسؤولون تعتمد مساراتهم المهنية على تحقيق النمو. ولذلك، فهي تمتلك الأدوات والحوافز اللازمة لتطوير تجمعاتها الاقتصادية إلى أقصى حد ممكن. ويعني ذلك أحيانًا استقطاب الشركات المحورية مباشرة، من خلال الإعفاءات الضريبية، وتوفير بنية تحتية مخصصة، وتقديم قروض مصرفية منخفضة التكلفة، بهدف جذب شركات أخرى إلى المنطقة المحيطة بها.
ولجذب شركة تسلا إلى شنغهاي، قدمت الحكومة البلدية في عهد لي تشيانغ منحًا بقيمة 289 مليون دولار، ورتبت للحصول على قروض منخفضة الفائدة من البنوك الصينية بقيمة 2.2 مليار دولار، وخفضت معدل ضريبة دخل الشركات بعشر نقاط مئوية خلال الفترة من 2019 إلى 2023، كما منحت الشركة خصمًا بنسبة 50 في المئة على قيمة 86 هكتارًا من الأراضي التي أُقيم عليها المصنع. وكان الدعم سخيًا إلى حد أن أحد الوزراء الصينيين اشتكى، بحسب ما ورد، قائلًا: «إن قادة شنغهاي لا يُصدَّقون؛ فهم يقدمون الاستثمار بأكمله هدية، من دون أن تضطر تسلا إلى إنفاق فلس واحد».
ولم يقتصر وعد لي على توفير رأس المال، بل شمل أيضًا سرعة التنفيذ. فقد اعتقد إيلون ماسك أن بناء المصنع سيستغرق عامين، لكن لي وعد بإنجازه خلال عام واحد. وأنشأت تسلا شركة تابعة لها في شنغهاي في مايو 2018، ووقعت اتفاقًا مع المدينة في يوليو، وأبرمت عقدًا للحصول على الأراضي اللازمة في أكتوبر، وبدأت أعمال البناء في يناير 2019، ثم شرعت في إنتاج السيارات في ديسمبر من العام نفسه. وحتى بمعايير ماسك، كانت الإجراءات في شنغهاي فائقة السرعة. فقد استغرق تحديث مصنع قائم في فريمونت بولاية كاليفورنيا ما يقارب ضعف المدة، بينما استغرق بناء مصنع جيغا جديد في برلين نحو ثلاثة أضعافها. وقد أقر ماسك نفسه بالدور الأساسي الذي أدته حكومة شنغهاي في تحقيق هذه السرعة.
وأحيانًا، كما حدث في خفي، يتخذ الدعم شكل استثمارات مباشرة تساعد الشركات المحورية على النمو، وتحقق في الوقت نفسه عوائد مالية مباشرة لخزائن المدينة. وتستخدم المقاطعات والمدن الصينية الإعانات النقدية على نطاق واسع؛ إذ يبلغ إجماليها نحو 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، وفقًا لصندوق النقد الدولي، مقارنة بنحو 0.3 في المئة في الولايات المتحدة و0.5 في المئة في الاتحاد الأوروبي.
وتشكل هذه الحوافز والاستثمارات المباشرة جزءًا مهمًا من تفسير النجاح الصيني، لكنها لم تكن لتؤتي ثمارها لولا استعداد المدن لاستثمار الفرص التي تتيحها. والمدن الصينية تفعل ذلك بالفعل؛ إذ تخصص مساحات شاسعة من الأراضي للصناعة، وتؤجرها بأسعار مخفضة لتكوين تجمعات صناعية أوسع حول الشركات المحورية، ثم تموّل هذه التخفيضات من خلال بيع الأراضي للمطورين الذين يؤجرونها بدورهم للعمال ورواد الأعمال الذين تستقطبهم المنطقة.
كانت كونشان، وهي مدينة صغيرة بالقرب من شنغهاي، منطقة فقيرة تُعرف باسم «السادسة الصغيرة»، لأنها كانت الأقل تطورًا بين التقسيمات الإدارية الستة في منطقتها. لكن قادتها شرعوا سرًا، ومن دون إذن من بكين، في إنشاء منطقة صناعية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين.
وخلال تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، سعى مسؤولو كونشان إلى استقطاب شركات الإلكترونيات التايوانية بحماسة تكاد تكون هزلية. فأنشؤوا مدرسة تايوانية، وشجعوا افتتاح المطاعم التايوانية، وبثوا أربعين قناة تلفزيونية تايوانية، وعرضوا الأراضي الصناعية بأسعار زهيدة للغاية. وعندما اعترضت بكين على الكتب المدرسية التايوانية، ضغط مسؤولو كونشان على الحكومة المركزية للتوصل إلى تسوية، وأنهوا الخلاف بحجب الرموز الحساسة، مثل العلم التايواني.
وكانت شركتا نانتز وفوكسكون من أوائل الشركات التايوانية التي وصلت إلى المنطقة، حيث صنعتا مكونات أساسية غير لافتة للنظر، مثل الموصلات الكهربائية ولوحات الدوائر المطبوعة. وفي عام 1994، انضمت شركة أيسر بيريفيرالز، وافتتحت منشآت في مدينة سوتشو المجاورة لتصنيع لوحات المفاتيح والشاشات، وجلبت معها 14 موردًا رئيسيًا.
وتنقل آلاف الفنيين، بمن فيهم التايوانيون المقيمون في الصين، بين الشركات العاملة في صناعات المكونات الإلكترونية التي كانت تنمو بسرعة، ما أدى إلى تكوين أكبر تجمع لفنيي قولبة البلاستيك في الصين، فضلًا عن تدريب أعداد أكبر منهم. وبحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت كونشان تنتج نصف أجهزة الحاسوب المحمول في العالم.
وقد تكرر بناء هذه التجمعات الصناعية في مختلف أنحاء الصين، فنشأت مدن تستحوذ على حصة غير متناسبة من الإنتاج العالمي لسلع محددة. فمدينة تشنغآن في مقاطعة قويتشو تنتج نحو غيتار واحد من كل سبعة غيتارات في العالم. أما شاو دونغ في مقاطعة هونان، فتنتج 70 في المئة من الولاعات التي تستخدم لمرة واحدة عالميًا. وتضم دانيانغ في مقاطعة جيانغسو 1600 شركة تصنع نصف عدسات النظارات في العالم. وفي مجموعة مذهلة من قطاعات التصنيع المتخصصة، سواء الخفيفة أو الثقيلة، تمكنت مراكز صناعية صينية من الهيمنة على الأسواق العالمية.
وقد جاء نحو ثلاثة أرباع نمو الإنتاجية في قطاع التصنيع الصيني بين عامي 1998 و2007 من دخول شركات جديدة إلى السوق، وليس من توسع الشركات القائمة. وبحلول نهاية عام 2023، كانت الصين تضم 4.1 مليون منشأة صناعية مختلفة، أي ما يقارب عشرين ضعف عدد المنشآت المماثلة في الولايات المتحدة. وكانت 96 في المئة من هذه المنشآت مملوكة للقطاع الخاص، وتوظف مجتمعة نحو 105 ملايين شخص، أي قرابة ثمانية أضعاف عدد العاملين في قطاع التصنيع الأمريكي.
وتتيح التجمعات الصناعية للشركات الناشئة تحسين منتجاتها من خلال التكرار السريع للتجارب وتقليص المدد اللازمة للانتقال من التصميم إلى الإنتاج، وذلك في جميع الصناعات التي يمكن تصورها تقريبًا. وهذا هو السبب الأكبر الذي يفسر نجاح الصين في استقطاب هذا العدد الهائل من الصناعات، بدءًا من الصناعات البسيطة وصولًا إلى الصناعات المتقدمة.
فقد طرحت شركة «بامبو لاب» أول طابعة ثلاثية الأبعاد لها في السوق بعد 22 شهرًا فقط، وبلغت إيراداتها 1.5 مليار دولار، واستحوذت على 37 في المئة من السوق العالمية للطابعات ثلاثية الأبعاد منخفضة التكلفة خلال خمس سنوات. أما شركة «هيساي»، المتخصصة في تصنيع أجهزة الليدار المعتمدة على الليزر لقياس المسافات ورسم الخرائط ثلاثية الأبعاد، ومقرها شنغهاي، فقد دخلت السوق عندما كانت هذه التكنولوجيا باهظة الثمن للغاية، إلى درجة أن مجموعة المستشعرات اللازمة لتشغيل سيارة أجرة ذاتية القيادة كانت تكلف أكثر من كثير من السيارات الكاملة. وبعد عقد من الزمن، أصبحت الشركة أكبر مورّد لأجهزة الليدار في العالم، إذ شحنت أكثر من 1.6 مليون وحدة في عام 2025 وحده. وفي المقابل، أعلنت شركة «لومينار»، أبرز منافسيها الأمريكيين، إفلاسها في ديسمبر 2025.
وقد تكون الحوافز والقدرة على إنشاء التجمعات الاقتصادية أهم عامل منفرد يفسر نجاح المدن الصينية خلال العقود الثلاثة الماضية، في الوقت الذي شهدت فيه المدن الأمريكية الكبرى، التي كانت يومًا مراكز للنجاح والازدهار، حالة من الركود.
تغذية محركات النمو
تحتاج محركات النمو المحلية في الصين إلى كميات هائلة من الوقود في صورة رأس مال استثماري. وتوفر بكين هذا الوقود من خلال توليد مخزون ضخم من المدخرات المحلية. فمن خلال منع المواطنين الصينيين العاديين من تحويل أكثر من 50 ألف دولار إلى الخارج سنويًا، والحد من خيارات الاستثمار البديلة التي يمكن أن تستوعب مدخراتهم، تضمن الحكومة أن يدخر المجتمع الصيني ككل مبالغ هائلة من الأموال في البنوك المحلية. وقد بلغت ودائع الأسر الصينية المصرفية 165 تريليون يوان، أي ما يعادل 24 تريليون دولار، في سبتمبر 2025، وهو مبلغ يساوي 122 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وفي الوقت نفسه، تخضع أسعار الفائدة التي تدفعها البنوك للمودعين لسقوف محددة، مما يمنح البنوك مصدرًا ضخمًا لرأس المال الرخيص بصورة مصطنعة، تستطيع إقراضه بهوامش ربح محدودة. وفي مطلع عام 2025، بلغ سعر الفائدة المعتاد على الودائع الجارية في البنوك الصينية 0.15 في المئة. كما كانت أسعار الفائدة الحقيقية، بعد تعديلها وفقًا للتضخم الاستهلاكي، سالبة في نحو نصف السنوات منذ عام 1999.
وتتمثل النتيجة الصافية لهذه السياسات في نقل هائل للثروة، تفرضه السياسات الحكومية، من مئات الملايين من المدخرين إلى الشركات الصينية. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الشركات مثقلة بالديون؛ إذ بلغت ديون الشركات ذروتها عند 142 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2016، ولا تزال تبلغ نحو 138 في المئة اليوم. لكن نفقات التمويل التي تتحملها هذه الشركات، بما فيها مدفوعات فوائد الديون، لا تمثل سوى أقل من 1 في المئة من إجمالي مبيعات الشركات الصناعية. وعلى النقيض من ذلك، تبلغ ديون الشركات غير المالية في الولايات المتحدة نحو نصف هذا المستوى، أي 72 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكن مدفوعات الفائدة استحوذت على نحو 5.3 في المئة من المبيعات في عام 2024.
ومن الآثار الجانبية المؤسفة لهذا النهج أنه قد يدفع إلى تمويل رواد أعمال يشرعون في مشروعات فرص نجاحها ضئيلة للغاية، بل قد تبدو أقرب إلى المغامرات الطائشة. فقد تجاوزت القيمة السوقية لإحدى شركات صناعة السيارات الصينية، التي انبثقت عن شركة تطوير عقاري، قيمة شركة فورد لفترة وجيزة، رغم أنها لم تنتج سيارة واحدة قط.
كما يعاني قطاع السيارات الصيني الأوسع من فائض هائل في عدد الشركات والطاقة الإنتاجية. ويقدّر معهد غاسغو لأبحاث السيارات، ومقره شنغهاي، أن صناعة السيارات الصينية كانت تمتلك القدرة على إنتاج 55.5 مليون سيارة سنويًا في عام 2024، لكنها لم تستخدم سوى نصف هذه الطاقة. وفي المقابل، تستخدم المصانع الغربية عادةً 80 في المئة من طاقتها الإنتاجية أو أكثر. وحتى شركة بي واي دي العملاقة، انخفض هامش أرباحها إلى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 4 في المئة.
ويظهر هذا الإفراط في الحماس الاستثماري في بيانات الاقتصاد الكلي الصينية. إذ تقيس نسبة كفاءة رأس المال مقدار الناتج الذي يستطيع بلد ما تحقيقه من مخزون رأس المال الذي استثمره، أي عدد الدولارات من الناتج المحلي الإجمالي التي يمكن الحصول عليها مقابل كل دولار يُنفق على الاستثمار. وتحصل الولايات المتحدة على ناتج اقتصادي من كل دولار تستثمره يعادل تقريبًا ضعف ما تحصل عليه الصين من المبلغ نفسه. وهذا يعاكس تمامًا ما قد نتوقعه عند مقارنة اقتصاد متقدم وناضج باقتصاد سريع النمو يحاول اللحاق بركب التنمية.
وتتمثل المهمة الثانية لبكين، بعد ضمان توافر رأس المال الرخيص، في كبح جماح الحماسة المفرطة التي أطلقتها بنفسها. فقد اندفعت الحكومات المحلية إلى الاستثمار في إنتاج الصلب والفحم خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين. وبعد أن قفز إنتاج الصلب الخام من 419 مليون طن عام 2006 إلى 804 ملايين طن عام 2015، أطلقت الحكومة المركزية حملة لخفض فائض الإنتاج. فأغلقت الشركات التي لم تكن تستمر في العمل إلا بفضل إعادة تدوير الديون وتأجيل سدادها، وحظرت إضافة طاقات إنتاجية جديدة صافية، وفرضت حظرًا على أفران الحث الرخيصة والملوثة، كما وضعت أهدافًا للحكومات المحلية لخفض الإنتاج الزائد. وخضعت صناعة الفحم لعملية تصحيح مماثلة بتوجيه من الحكومة المركزية، وكذلك قطاع العقارات.
أما المهمة الثالثة للحكومة المركزية، فتتمثل في ضبط قواعد المنافسة ومنع الحكومات المحلية من المبالغة في السعي إلى تحقيق النمو الخاص بها على حساب الاقتصاد الوطني الأوسع. فالسوق الصينية الموحدة والضخمة ستتعرض للتفكك إذا فرضت المقاطعات أو المدن حواجز تعرقل تدفقات الأراضي والعمالة ورأس المال، فتحول سوقًا تضم أكثر من مليار نسمة إلى 34 سوقًا أصغر.
وفي أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأت بكين حملة لمكافحة هذا التوجه، كانت بعض السلطات المحلية تحاول منع السلع من دخول حدودها، أو تعيد صياغة مواصفات المشتريات العامة لاستبعاد الشركات المتقدمة من خارج المقاطعة.
ولا تزال الدولة الصينية تراقب مثل هذه الممارسات وتعمل على الحد منها. ففي الأول من يوليو 2025، عقد شي جين بينغ اجتماعًا لأعلى هيئة اقتصادية في الحزب الشيوعي الصيني، وخصصه لبناء سوق وطنية موحدة. وقد صاغ خطابه هذه المهمة باعتبارها شرطًا مسبقًا «لاكتساب زمام المبادرة في المنافسة الدولية». ومنذ عام 2022، شهدت سياسة الطاقة تحولًا عكس عقودًا من السيطرة المحلية؛ فبحلول عام 2027، سيكون مطلوبًا من معظم المقاطعات تشغيل سوق للكهرباء تعمل في الوقت الفعلي، بدلًا من الاعتماد على أسعار ثابتة متفق عليها مسبقًا، بما يسمح باستخدام الطاقة بكفاءة أكبر على المستوى الوطني.
ومثل جميع أنظمة الحوافز القوية، يؤدي نظام المنافسة بين المدن الصينية إلى بعض النتائج العكسية. فحتى عام 2013، عندما حُدّثت معايير التقييم لتفضيل المؤشرات التي يصعب التلاعب بها، كان الضغط لتحقيق أرقام مرتفعة للناتج المحلي الإجمالي شديدًا إلى حد أن المسؤولين كانوا يتلاعبون بالأرقام بصورة روتينية. ووجدت إحدى الدراسات أن رؤساء البلديات الذين كانوا لا يزالون في أعمار تسمح لهم بالترقية أعلنوا معدلات نمو أعلى بمقدار 3.4 نقاط مئوية من تلك التي أعلنها رؤساء البلديات الذين تجاوزوا الحد العمري للترقية بقليل. لكن هذا النمو المعلن لم ينعكس في مؤشرات أخرى، مثل شدة الإضاءة ليلًا، واستهلاك الكهرباء، ودخول الشركات الجديدة إلى السوق، والإنتاجية.
وأدى اتساع سلطة المسؤولين المحليين أحيانًا إلى انتشار الفساد، إذ تقدم الشركات الهدايا والمزايا للمسؤولين مقابل الحصول على العقود والصفقات العقارية. لكن اتجاه الحوافز يعني أن هذه المدفوعات كانت في معظمها تهدف إلى تسهيل الصفقات وتسريع المشروعات، بدلًا من أن تكون شكلًا من أشكال الفساد الذي لا يحقق مكاسب لأحد ويستنزف الاقتصاد فحسب. وكما حدث في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، كثفت الحكومة المركزية حملتها على الفساد مع ازدياد ثراء الصين وتقدمها في مسار التنمية.
النهج الذي اتبعته شيكاغو
يميل كثير من المحللين الغربيين إلى المبالغة في إبراز خصوصية التجربة الصينية. لكن الصين اليوم تشبه إلى حد بعيد الولايات المتحدة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، عندما كانت هي الأخرى تسير على مسار سريع من النمو، مدفوعة بمحركات النمو المحلية.
فقد اعتمدت المدن الأمريكية الكبرى في تلك الحقبة على العوائد الناتجة عن تطوير الأراضي. لكنها كانت تحصل على هذه العوائد من الضرائب العقارية التي وفرت 87 في المئة من إيرادات الضرائب المحلية، بدلًا من بيع الأراضي أو تأجيرها. ولم تمثل المنح المقدمة من حكومات الولايات، أو من الحكومة الفيدرالية عبر الولايات، سوى نحو ربع أموال الحكومات المحلية، وهو ما يعني أن قرابة 70 في المئة من الإيرادات كانت تُجمع محليًا، بما أتاح مستوى مرتفعًا من السيطرة المحلية يشبه ما تتمتع به المدن الصينية اليوم.
وكانت لدى الولايات المتحدة شخصيات تؤدي أدوارًا شبيهة بدور لي تشيانغ. فقد وسّع ريتشارد جيه. دالي مطار أوهير في شيكاغو للحفاظ على مكانة مدينته مركزًا للنقل الأمريكي في عصر الطيران. أما روبرت موزس وفيوريلو لاغوارديا، فقد أزالا أجزاء تاريخية من مدينة نيويورك، رغم المعارضة الشديدة، لفتح طرق جديدة عبر المدينة. وحوّل ويليام هارتسفيلد مطار أتلانتا إلى أكثر مطارات البلاد ازدحامًا بحلول عام 1957، ممهدًا الطريق أمام المدينة لتصبح مركزًا للخدمات اللوجستية ورأسمالية الشركات الأمريكية.
وكان هؤلاء القادة يسيطرون على هيئات حكومية محلية، مثل هيئة الجسور والأنفاق في تريبوروغ بمدينة نيويورك، أو وكالات إعادة التطوير في كاليفورنيا، التي كانت تموّل نفسها من رسوم العبور وارتفاع قيمة العقارات. واستطاع رؤساء البلديات الاستحواذ على المكاسب غير المباشرة التي حققتها الشركات القريبة من هذه المشروعات، وإعادة استثمار جزء منها في خدمات النظافة والمرافق المدنية والرعاية السياسية وتوسيع النمو. وقد أسهمت هذه الإنجازات مجتمعةً في فوزهم بإعادة الانتخاب. لقد سعوا إلى تحقيق النمو لأنه كان يصب في مصلحتهم الشخصية والسياسية.
وكانت النتائج مذهلة. فقد أنشأت الولايات المتحدة 310 آلاف ميل من الطرق المحلية الجديدة بين عامي 1950 و1970، إلى جانب 31 ألف ميل من الطرق السريعة بين الولايات. وزاد توليد الكهرباء ستة أضعاف بين عامي 1945 و1975. وتضاعف عدد المنازل المجهزة بالكامل بشبكات المياه والصرف الصحي. وانخفضت نسبة المنازل التي لا تحتوي على مراحيض مزودة بنظام الطرد من 24 إلى 4 في المئة. كما تضاعف مخزون المساكن في البلاد من 39 مليون وحدة عام 1940 إلى 80 مليون وحدة عام 1975، وكانت الولايات المتحدة تبني في عام 1972 ثلاثة أمثال عدد المساكن للفرد الواحد مقارنة بما بنته في عام 2025.
وكما يحدث في الصين اليوم، وفرت الحكومة الفيدرالية الوقود لمحركات النمو الأمريكية من خلال التأمين على القروض العقارية، وإعانات التجديد الحضري، وقانون الطرق السريعة الفيدرالية، والإنفاق الضخم على الدفاع والبحث العلمي. كما أرست الإطار الذي تقوم عليه الرأسمالية الأمريكية، بما يشمل حقوق الملكية الآمنة، والتدخلات الرامية إلى منع الاحتيال والفساد، وأسواق رأس المال القوية، والدفاع الصارم عن حرية التجارة بين الولايات.
وقد دفعت محركات نمو مماثلة مدنًا أخرى إلى تحقيق تحولات كبرى. ففي أواخر القرن التاسع عشر، أنشأت المؤسسة البلدية في مانشستر بإنجلترا قناة مائية بطول 36 ميلًا، لتحويل المدينة الداخلية إلى ثالث أكثر الموانئ ازدحامًا في بريطانيا. وأضافت مدريد 126 ميلًا إلى شبكة مترو الأنفاق خلال 12 عامًا، بين عامي 1995 و2007. أما ميونيخ، فأنشأت شبكة قطارات الضواحي السريعة «إس بان» لتكوين شبكة نقل سريعة بطول 434 كيلومترًا خلال ست سنوات، استعدادًا لاستضافة الألعاب الأولمبية عام 1972.
وما يجعل الصين فريدة هو استمرار انتشار محركات النمو المحلية فيها على نطاق واسع. فمثلما كان الحال في الولايات المتحدة خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تحفز الحوافز الشخصية قادة المدن الصينية على تحقيق النمو، وتستفيد ميزانيات مدنهم مباشرةً عندما تستحوذ على المكاسب الناتجة عنه، سواء من خلال تأجير الأراضي أو من خلال حصصها في الشركات. وكما كان الحال مع فيوريلو لاغوارديا في عصره، قد يندفع رؤساء البلديات في الصين أحيانًا بحماسة مفرطة، لكنهم نادرًا ما يتسمون بالتردد.
وفقًا للمعايير الغربية، تتسم الحكومة الصينية بتدخل مكثف في الاقتصاد. لكن هذا التدخل تحركه منظومة تنافسية أكثر قسوة بكثير من تلك الموجودة في الولايات المتحدة المعاصرة، فضلًا عن أوروبا. فالبلدات والقرى والمدن والمناطق الريفية والمقاطعات، وقادتها أنفسهم، والمسؤولون البيروقراطيون في مختلف المناصب، بل وملايين الشركات الرأسمالية الخاصة، جميعهم يتنافسون للفوز بالترقيات أو تحقيق الأرباح.
ولا تزال بعض محركات النمو الحضرية تعمل في الغرب، كما هي الحال في هيوستن وناشفيل، حيث ما زالت المدن تعمل بالطريقة التي كانت تعمل بها سان فرانسيسكو وشيكاغو في الماضي. لكن معظم محركات النمو الأخرى في الغرب تعطلت، في الوقت نفسه الذي أنشأت فيه الصين عشرات المحركات الجديدة.
والدرس المستفاد من المعجزة الاقتصادية الصينية ليس أن الغرب يحتاج إلى نموذج اقتصادي جديد، بل إنه يحتاج إلى استعادة نموذجه القديم.
