غالبًا ما تجعل الكتب التي تتناول الأشخاص الناجحين النجاح يبدو أمرًا غير مستساغ إلى حد بعيد. ينبغي أن يكون التعليم مكثفًا وصارمًا، وأن يركز على رفع معدل الذكاء وعلى رباعية «STEM»، أي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وما إن يبلغ المرء سن الرشد حتى تصبح حياته محكومة بنمط شديد التقشف، يبدأ بالاستيقاظ في الخامسة صباحًا، والاستحمام بالماء البارد، والذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية يوميًا، والامتناع عن الكحول أو الحد منه إلى أدنى مستوى، واتباع نظام غذائي غني بمنتجات «هيويل» البديلة للوجبات، والعمل لساعات طويلة وفق وتيرة تكاد تشبه وتيرة العامل السوفييتي ستاخانوف. وتحظى هذه النقطة الأخيرة بحماسة خاصة؛ إذ تتناول أوصاف الشخصيات النافذة عدد الساعات التي يكرسونها لأعمالهم باهتمام بالغ يكاد يكون افتتانًا.
لكن نخب بريطانيا في العصر الفيكتوري اتبعت نهجًا مختلفًا. فلم تكن مدارسها وجامعاتها أكاديمية إلى حد كبير، ولم تتضمن قدرًا يُذكر من مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وعندما أصبح أفرادها بالغين، كانوا يستيقظون متأخرين، ويشربون كثيرًا، ويقضون نسبة لافتة من ساعات يقظتهم في الحفلات. كانوا يعشقون الولائم والرياضة والعطلات والرقص وارتداء الملابس الأنيقة. وعلى خلاف سمعتهم التي تصوّرهم أشخاصًا جامدين ومملّين، يُرجح أنهم كانوا رفقة ممتعة للغاية.
وعلى الرغم من ذلك، كانت النخب البريطانية في القرن التاسع عشر، وفقًا لمعاييرها الخاصة، ناجحة إلى حد استثنائي. فخلال جزء كبير من ذلك القرن، كانت بريطانيا أغنى دولة على وجه الأرض. وهيمنت شركاتها على التجارة والصناعة والتمويل العالمي، وسيطر أسطولها البحري الضخم على محيطات العالم، بينما خاض جيشها الصغير سلسلة طويلة من الحروب وانتصر فيها، بالتزامن مع اضطلاعه بمهمة مراقبة إمبراطورية شاسعة. كما تقدمت بريطانيا تدريجيًا نحو الديمقراطية من دون أن تشهد الثورات والحروب الأهلية التي عصفت بأوروبا القارية. وهناك رأي راسخ مفاده أن ازدهار النخب البريطانية تحقق على حساب مئات الملايين من البشر الذين أخضعتهم وقمعتهم، ولا شك في أن ذلك صحيح جزئيًا على الأقل. لكن الطبقة الحاكمة البريطانية، وفقًا لمعاييرها الخاصة، عاشت قرنًا حافلًا بالانتصارات.
ربما نجحت النخب الفيكتورية رغم افتقارها إلى الجدية والكفاءة؛ إذ أفرزت الثورة الصناعية ثروات هائلة اكتفت تلك النخب بالتمتع بها بصورة سلبية وطفيليّة. ولأننا لا نستطيع إجراء تجارب مضبوطة على بريطانيا الفيكتورية، يصعب اختبار هذه الفرضية. لكنني أريد استكشاف احتمال أن التركيز المستمر على المهارات الشخصية الناعمة، وبناء الفرق، وتكوين شبكات العلاقات داخل النخبة، قد حقق نتائج جيدة بالفعل. لا شك في أن أنظمة التغذية البديلة مثل هيويل، ومجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والاستحمام بالماء البارد، لها مزاياها. لكن تجربة الفيكتوريين ينبغي أن تدفعنا إلى التريث قبل الاستنتاج بأن هناك طريقة واحدة فقط لحكم العالم.
المدرسة
مع شيء من التبسيط، يمكننا التمييز بين مجموعتين في النقاشات المعاصرة حول التعليم: التقليديين والتقدميين. يرى التقليديون أن التعليم ينبغي أن يعطي الأولوية لاكتساب المعرفة، وأن يركز على المواد «الصعبة» مثل العلوم والرياضيات واللغات الأجنبية، وأن يجري في بيئة شديدة التنظيم تُضبط فيها أوقات الطلاب وسلوكياتهم ضبطًا دقيقًا. أما التقدميون، فيرون أن التعليم ينبغي أن يعطي الأولوية لاكتساب المهارات، وأن يشمل مواد «ناعمة» تتجاوز النواة الأكاديمية المفترضة، وأن يُمنح الطلاب مساحة واسعة من الحرية للنمو الشخصي والاجتماعي.
قد يفترض المرء أن التعليم الفيكتوري كان يقع في أقصى الطرف التقليدي من هذا الطيف، ولا شك في أن التربويين التقدميين المعاصرين سيشعرون بالصدمة إزاء الحفظ التلقيني والعقاب البدني اللذين ميّزا المدارس الفيكتورية. لكن عند النظر في جميع المسائل الخلافية المذكورة أعلاه، نجد أن مدارس النخبة الفيكتورية تميل، على نحو يثير الاستغراب، إلى الجانب «التقدمي» من الطيف.
بدأ معظم الفتيان المنتمين إلى النخبة الاجتماعية الفيكتورية تعليمهم النظامي في سن السابعة أو الثامنة، وقضوا نحو خمس سنوات في «المدارس الإعدادية»، قبل الانتقال إلى ما كان يُعرف باسم «المدارس العامة»، وهي تسمية قديمة تعني في الواقع نوعًا من المدارس الخاصة المخصصة للنخبة، وهو أمر لا يزال يثير ارتباك المراقبين من خارج بريطانيا. وكان هناك تسلسل هرمي للمدارس العامة، تتصدره تسع مدارس عُرفت باسم «مدارس كلارندون»، ولم تكن بينها مدرسة تبلغ مكانة كلية إيتون التي احتلت القمة بوضوح. وقد تلقى نحو 30 في المئة من وزراء الحكومة البريطانية في القرن التاسع عشر و40 في المئة من رؤساء الوزراء تعليمهم في إيتون.
وكان معظم الطلاب في المدارس الإعدادية والعامة يقيمون داخل المدارس، ما يعني أن أبناء النخبة الفيكتورية كانوا يُرسلون عمومًا بعيدًا عن منازلهم في سن الثامنة، ويقضون طفولتهم بصحبة أقرانهم أكثر مما يقضونها مع أسرهم. وفي هذا الجانب، تميزوا حتى عن نظرائهم في عصرهم؛ إذ كانت الأسر النخبوية في أوروبا القارية والولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى إبقاء أطفالها في المنزل وإلحاقهم بمدارس خاصة صغيرة محلية. ومن المعقول افتراض أن هذا النمط أسهم في الحد من الولاءات الإقليمية داخل النخبة البريطانية، على النقيض من النخب الإقليمية المتميزة التي عرفتها مناطق مثل جنوب الولايات المتحدة، وكتالونيا في إسبانيا، والمجر في الإمبراطورية النمساوية.
وبالطبع، كانت المدارس العامة مخصصة لجنس واحد، ما أوجد أجواء مشحونة نسبيًا، انتشرت فيها العلاقات العاطفية المكثفة، التي اتخذت أحيانًا طابعًا رومانسيًا ضمنيًا أو صريحًا، بين الفتيان. وربما ارتبطت الروابط القوية التي نشأت من الحنين والولاء لزملاء المدرسة السابقين بهذه التجربة. وكتب المؤلف جان موريس أن «الحياة الإنجليزية بأكملها لدى الطبقة العليا كانت مشبعة بنزعة ثنائية الميول الجنسية»، وأن «نظام المدارس العامة جعل العلاقات بين الذكور غنية بالدلالات العاطفية والإيحاءات الضمنية». وظل التعبير العلني عن المودة أمرًا طبيعيًا حتى في مرحلة البلوغ، وكان من المعتاد تمامًا أن يسير رجلان من العصر الفيكتوري متشابكي الذراعين في الأماكن العامة.
هيمنت اللغة اللاتينية على الحياة الأكاديمية، تليها اليونانية بدرجة أقل. وتفاوتت النسبة الدقيقة بحسب المدرسة والفترة الزمنية، لكن اللغات الكلاسيكية كانت تستحوذ عمومًا على نصف ساعات التدريس على الأقل، وقد تصل إلى 80 في المئة، خصوصًا في الفترات المبكرة من القرن. وجاءت الرياضيات واللغات الحديثة في المرتبتين الثالثة والرابعة. وكان هناك مقاومة لتدريس العلوم، لا لأن الفيكتوريين كانوا يعادون العلم من حيث المبدأ، بل لأنهم اعتقدوا أنه لا صلة له بالتكوين الأخلاقي والثقافي الذي يُفترض أن توفره مدرسة مخصصة لتنشئة السادة. وقد صرّح توماس أرنولد، مدير مدرسة راغبي وأبرز التربويين في بريطانيا الفيكتورية، قائلًا: «إنني أفضل أن يعتقد ابني أن الشمس تدور حول الأرض، وأن النجوم ليست سوى قطع لامعة مرصعة في القبة الزرقاء المضيئة، على أن تصبح العلوم الطبيعية الموضوع الرئيسي الذي يشغل ذهنه». وعلى النقيض من ذلك، لم تكن الفتيات يتلقين عادةً تعليمًا في اللغات الكلاسيكية، ما يعني، على نحو مفاجئ إلى حد ما، أن الفتيات الفيكتوريات المنتميات إلى الأسر الميسورة كن يتلقين عمومًا مناهج أكثر حداثة من تلك التي يتلقاها إخوتهن.
لم يكن لدى البالغين الفيكتوريين ما يدعوهم كثيرًا إلى استخدام اللغات الكلاسيكية، ولذلك كانوا يميلون إلى نسيانها. وكتب الشاعر الحربي تشارلز سورلي بعد عام واحد من مغادرته المدرسة: «لقد نسيت كل ما تعلمته من اللاتينية بسرور، ولا أريد أن أتذكرها مجددًا أبدًا». ومع ذلك، كان وضعه أفضل من وضع ونستون تشرشل، الذي قال: «خلال السنوات الاثنتي عشرة التي قضيتها في المدرسة، لم ينجح أحد قط في تعليمي كتابة بيت شعر باللاتينية أو تعلّم أي شيء من اليونانية، باستثناء الأبجدية». وربما كان أقصى ما يمكن قوله دفاعًا عن التعليم الكلاسيكي الفيكتوري هو أنه، شأنه شأن دراسة أي موضوع صعب، درّب الطلاب على الانضباط الذاتي والحفظ وتطبيق القواعد.
وكان الفيكتوريون أنفسهم يلمحون أحيانًا إلى أنهم ينظرون إلى المنهج المدرسي الرسمي باعتباره مجرد وسيلة ثانوية لتحقيق غاية أخرى. ففي رواية «أيام توم براون المدرسية» الصادرة عام 1857، وهي من أكثر الروايات تأثيرًا في عصرها، يتأمل والد توم المتعاطف مع ابنه قائلًا: «لا أبالي بالجسيمات اليونانية... لماذا أُرسل توم إلى المدرسة؟... كل ما أريده هو أن يصبح إنجليزيًا شجاعًا، مستعدًا لمساعدة الآخرين، صادقًا في أقواله، رجلًا مهذبًا ومسيحيًا». وبروح مماثلة، كتب توماس أرنولد أن ما ينبغي البحث عنه في المدرسة هو، أولًا، المبادئ الدينية والأخلاقية، وثانيًا، السلوك الذي يليق بالسادة، وثالثًا، القدرة الفكرية.
وفي ظل هذه الظروف، ربما لا يكون مستغربًا أن الوقت الذي كان الطلاب يقضونه في الفصول الدراسية كان محدودًا نسبيًا. ففي مدرسة راغبي، كان الأسبوع يُقسم إلى ثلاثة «أيام كاملة»، وثلاثة «أنصاف أيام»، ويوم الأحد. وكان الطلاب يقضون نحو خمس ساعات في الفصل خلال اليوم الكامل، مقابل ساعتين تقريبًا في نصف اليوم. واختلفت الجداول في المدارس الأخرى، لكن جميعها تقريبًا تركت ساعات كثيرة من اليوم من دون أنشطة منظمة. وبوجه عام، لم تكن ساعات الدراسة داخل الفصول أطول بالتأكيد، وربما كانت أقصر إلى حد ملحوظ من نظيراتها في المدارس العادية اليوم. كما كانت أقصر عادةً من ساعات الدراسة في المدارس النخبوية المعاصرة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، حيث كانت المناهج أكثر صرامة من الناحية الأكاديمية.
وأدى التركيز على بناء الشخصية إلى تنامي الاهتمام بكيفية قضاء الطلاب أوقاتهم خارج الفصول الدراسية. ففي العقود الأولى من القرن التاسع عشر، تُرك الطلاب في معظم الأحيان لتدبير شؤونهم بأنفسهم، ويبدو أن هوايتهم المفضلة كانت التجول في الريف المحيط وإثارة المتاعب عمومًا. لكن السلطات المدرسية بدأت خلال العصر الفيكتوري تنظيم برامج رياضية، تمحورت أساسًا حول الكريكيت في الصيف وأشكال مختلفة من كرة القدم في الشتاء، بما فيها اللعبة التي تطورت لاحقًا إلى الرجبي. وفي نهاية المطاف، خصصت مدارس كثيرة أربعة أو خمسة أو حتى ستة أنصاف أيام أسبوعيًا للرياضة. وكان الطالب يقضي بالتأكيد عشر ساعات أسبوعيًا في الملاعب الرياضية، وربما وصل الوقت إلى عشرين ساعة.
كان الفيكتوريون يقدّرون الرياضة تقديرًا بالغًا، اعتقادًا منهم بأنها تغرس روح الفريق والقدرة على التحمل، وتعزز الولاء المتبادل، وتوجّه الطاقة وروح المنافسة، وتعلّم الرجال كيفية الفوز والخسارة بلباقة. ومن الأمثلة المتطرفة، وإن لم تكن استثنائية تمامًا، هيلي هاتشينسون ألموند، مدير مدرسة لوريتو، الذي وصف أولويات مدرسته بالترتيب التالي: «أولًا، الشخصية؛ ثانيًا، البنية الجسدية؛ ثالثًا، الذكاء؛ رابعًا، السلوك المهذب؛ خامسًا، المعلومات». ولم تكن عبادة الرياضات الجماعية تحظى بالانتشار نفسه في أوروبا القارية، وكان الزوار الأوروبيون يشعرون غالبًا بالحيرة إزاء مدى الجدية التي يتعامل بها الإنجليز مع مباريات الكرة المدرسية. لكن هذا التقليد انتشر في أنحاء العالم الناطق بالإنجليزية، ولا يزال حاضرًا في تقاليد الرياضة في المدارس الثانوية والجامعات الأمريكية حتى اليوم.
ومن السمات المميزة الأخرى للمدارس العامة، مقارنة بالتعليم الحديث وبأنظمة التعليم الأخرى في القرن التاسع عشر، نظام الحكم الذاتي للطلاب. فقد اعتقد الفيكتوريون أن الإشراف اللصيق من جانب المعلمين سيغرس عادات الخضوع في الفتيان، ويقوّض ما وصفه أحد مديري المدارس بأنه «أعظم ما يميز المدرسة العامة الإنجليزية: النمو الحر للشخصية، واتساع الحياة الاجتماعية، وباختصار، الحرية». ونتيجة لذلك، طُوّر نظام للمراقبين الطلابيين، يُمنح بموجبه الفتيان الأكثر نضجًا والأفضل سلوكًا، من الناحية النظرية، مسؤوليات واسعة تتعلق برعاية الطلاب الآخرين والانضباط المدرسي. وكان من المفترض أن يتلقى هؤلاء الطلاب تدريبًا عمليًا على القيادة، في حين تتعلم الهيئة الطلابية بأكملها النظر إلى السلطة بوصفها شيئًا ينبع من أقرانهم، لا كيانًا غريبًا يُفرض عليهم من الخارج.
ليس من الصعب تخيل الكيفية التي قد تنحرف بها الأمور عندما تُمنح مجموعة من الفتيان المراهقين سلطة حكم ذاتية ذات طابع أوليغارشي. وقد أدرك التربويون الفيكتوريون أنفسهم احتمال إساءة استخدام السلطة، فطوروا ضوابط وتوازنات مختلفة، مثل أنظمة المحلفين وحقوق الاستئناف على العقوبات. ومن الصعب تحديد مدى تكرار الظلم في تطبيق نظام المراقبين الطلابيين، لأن الأدلة المتاحة تعتمد إلى حد كبير على الانطباعات الواردة في المذكرات الشخصية، لكن لا شك في أن هذا النظام اتسم بالقسوة أحيانًا. ومع ذلك، من المهم فهم أنه لم يكن مصممًا ليكون مجرد نظام للهيمنة، بل كان أقرب إلى شكل من أشكال «الليبرالية النخبوية»، حيث لا يكون الطلاب مجرد خاضعين للسلطة، بل يشاركون، إلى حد ما، في وضع قواعدها وتنفيذها.
الجامعة
انتقل معظم رجال النخبة الفيكتورية من المدرسة إلى جامعتي أكسفورد أو كامبريدج، اللتين يُشار إليهما معًا باسم «أوكسبريدج». ولم يكن الانتقال إلى أوكسبريدج يعني بالضرورة قفزة أكاديمية كبيرة. فقد كان القبول متاحًا تقريبًا لكل من يتقدم إليه. وبعد الالتحاق، كان بإمكان الطالب اختيار أحد مسارين: إما الحصول على درجة الشرف، التي تتطلب قدرًا من الدراسة الجادة، أو الحصول على درجة النجاح العادية، التي لا تتطلب سوى اجتياز عدد محدود من الاختبارات السهلة جدًا في الدراسات الكلاسيكية والدين.
وفي الفترة الفيكتورية المبكرة، كان معظم طلاب أوكسبريدج من أصحاب درجات النجاح العادية. وقد تغير هذا الوضع تدريجيًا مع تقدم القرن، لكن عددًا كبيرًا من هؤلاء الطلاب ظل موجودًا حتى عام 1914. وكانت الدرجة العادية شائعة على نحو خاص بين الطلاب الأرستقراطيين، الذين كانوا يميلون إلى إعطاء الأولوية للتجديف والولائم وصقل المهارات الاجتماعية على حساب الدراسة المنضبطة.
أما كثير من طلاب درجة الشرف، فقد أخذوا دراستهم بجدية أكبر، لكن توجههم لم يكن عمليًا إلى حد كبير. فقد اعتقد أساتذة أوكسبريدج، بأغلبية ساحقة، أن الغرض من الدرجة الجامعية لا يتمثل في التدريب على العمل أو حتى الإعداد للبحث الأكاديمي، بل في توفير تكوين أخلاقي وفكري عام يؤهل الطلاب لتولي أي دور مهني قد يمارسونه لاحقًا. وقال بنجامين جويت، الأستاذ المؤثر في كلية باليول: «لن يصبح أي رجل طبيبًا أو مهندسًا من الطراز الأول ما لم يكن شيئًا أكثر من مجرد طبيب أو مهندس، وما لم يكن لديه ذوق فني، أو إحساس بالأدب، أو اهتمام آخر يتجاوز حدود مهنته». وكان جويت يسعى إلى غرس هذا «الشيء الإضافي» في طلابه الجامعيين، تاركًا لهم مهمة اكتساب المعرفة التقنية المتخصصة في مرحلة لاحقة.
وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، دفعت هذه النظريات الجامعات إلى استبعاد كل شيء تقريبًا من المناهج، باستثناء الدراسات الكلاسيكية والرياضيات في كامبريدج. ونُظر إلى العلوم الطبيعية والتطبيقية بريبة، لأنها، بحسب تعبير إدوارد بوفري بوسي، الأستاذ الشهير في أكسفورد، «تقتصر على تلقي المعلومات المتعلقة بالحقائق»، ولا تتضمن «استدلالًا متواصلًا». وبين عامي 1855 و1860، لم تتجاوز نسبة درجات الشرف الممنوحة لطلاب العلوم 8.1 في المئة. وحتى في الفترة بين عامي 1910 و1914، لم تتجاوز النسبة 13.7 في المئة.
وكان جميع الطلاب تقريبًا يعيشون معًا داخل الكليات الجامعية. وقد اختلف ذلك عن الوضع في أوروبا القارية، حيث كان الطلاب يستأجرون الغرف عادةً خارج الحرم الجامعي. واعتقد التربويون الفيكتوريون أن الكليات توفر تنشئة دينية وثقافية واجتماعية، وتحول دون اكتساب الطلاب الإنجليز الأخلاق والعادات السيئة التي نسبوها إلى نظرائهم في أوروبا القارية.
وكان اليوم المعتاد يبدأ بالصلاة في الكنيسة الجامعية. وبعد ذلك، كان طلاب الشرف والطلاب الأقل كسلًا ممن يدرسون للحصول على الدرجة العادية يقضون الصباح في القراءة وإعداد الواجبات. وكان الطلاب يطلبون الغداء عادةً إلى غرفهم؛ إذ كان بإمكان الأثرياء الحصول على ولائم فاخرة تُحضر إليهم من مطابخ الكلية، على غرار وجبة سيباستيان فلايت في رواية «عودة إلى برايدز هيد». وفي أوائل فترة ما بعد الظهر، كان من المعتاد الخروج للتنزه في الريف أو ممارسة الرياضة، ولا سيما التجديف والكريكيت.
وكان الطلاب يعودون إلى الكلية قرابة الرابعة عصرًا. وفي هذا الوقت، كانت تُعقد جلسات تعليمية فردية أو ضمن مجموعات صغيرة مع الأساتذة مرة أو مرتين أسبوعيًا، وغالبًا ما كانت تجري أثناء تناول الشاي أو نبيذ الشيري. واختلف نظام التدريس الفردي هذا اختلافًا كبيرًا عن أساليب التعليم القائمة على المحاضرات والتلقين التي سادت في أنظمة جامعية أخرى، وكان يُنظر إليه بوصفه وسيلة لغرس التفكير المستقل.
وإذا لم تكن لدى الطالب جلسة تعليمية، فمن المرجح أن يقضي أول المساء في القراءة أو التواصل الاجتماعي أو المشاركة في إحدى الجمعيات الثقافية أو النقاشية أو المناظرات الجامعية، ولا سيما اتحادي أكسفورد وكامبريدج. وكان اليوم ينتهي بعشاء رسمي في قاعة الكلية، كثيرًا ما تعقبه أحاديث أثناء تناول الحلوى والمشروبات الهاضمة والتبغ داخل غرف الكلية.
وعلى الرغم من أن نظام التدريس الفردي كان موضع فخر، فإن جودة التدريس كانت متفاوتة إلى حد كبير. وحتى سبعينيات القرن التاسع عشر، كانت معظم المناصب الأكاديمية الدائمة متاحة للكهنة الأنجليكانيين وحدهم. وكانت هذه المناصب مريحة، لكنها أقل جاذبية من الوظائف ذات الأجر الجيد في كنيسة إنجلترا، خصوصًا أن شاغليها لم يكن مسموحًا لهم عمومًا بالزواج. ولذلك، كان الأستاذ الجامعي المعتاد في أكسفورد أو كامبريدج في منتصف القرن التاسع عشر في أوائل العشرينيات من عمره أو منتصفها، وينظر إلى منصبه بوصفه محطة مؤقتة يغادرها بمجرد توفر منصب كنسي مناسب.
وربما كان كثير من هؤلاء الشباب شديدي الذكاء، لكن القليل منهم كانوا باحثين جادين أو معلمين ذوي خبرة. وقد فُتحت المناصب الأكاديمية أمام غير رجال الدين خلال العقود الأخيرة من القرن، لكن أكسفورد وكامبريدج لم تتحولا إلى مؤسستين بحثيتين رائدتين عالميًا إلا بعد أن أسهم العلماء الألمان الفارون من النازية في تحويلهما خلال ثلاثينيات القرن العشرين.
وكانت هيمنة أوكسبريدج على الثقافة البريطانية ظاهرة غير مألوفة؛ إذ خرّجت هاتان المؤسستان نسبة من النخبة تفوق بكثير ما خرّجته أي مؤسستين في بلد آخر، باستثناء محتمل لأبرز المدارس العليا الفرنسية المعروفة باسم «غراند إيكول». ومع ذلك، اتبعت بعض المجموعات الفيكتورية النخبوية وشبه النخبوية مسارات تعليمية بديلة. فعلى سبيل المثال، تلقى موظفو الخدمة المدنية الاستعمارية في الهند تعليمهم طوال جزء كبير من القرن التاسع عشر في كلية تدريب تُعرف باسم هايليبري. لكن هذه البرامج لم تكن بالضرورة أكثر صرامة من المسار المعتاد في أوكسبريدج.
ولا أجد وصفًا أفضل ليوم دراسي في هايليبري من الوصف الذي قدمه ديفيد غيلمور، مستندًا إلى مذكرات الموظف المدني جون بيمز:
«في الثامنة صباحًا، كان الطلاب يندفعون إلى الكنيسة لحضور الصلاة، وكان كثير منهم لا يرتدي تحت عباءته أو معطفه سوى قميص النوم. وبعد ذلك، كانوا يعودون إلى غرفهم لتناول الإفطار، الذي كان يتحول كثيرًا إلى حفلات تضم "أكوابًا كبيرة من الجعة أو نبيذ الكلاريت". وبعد الإفطار، كانوا يدخنون الغليون ويتعاملون مع الخياطين وغيرهم من التجار الذين قدموا من هيرتفورد. وفي العاشرة، كان الجرس يعلن موعد المحاضرات، التي تستمر ساعتين في بعض الأيام وثلاث ساعات في أيام أخرى. وكان الطلاب المجتهدون، المعروفون باسم "المثابرين"، يدونون الملاحظات، بينما يتثاءب الآخرون ويرسمون صورًا ساخرة لمعلميهم ويمضون وقتهم في العبث.
وبعد غداء يتكون من الخبز والجبن والجعة، يصبح الطلاب أحرارًا في فعل ما يشاؤون. فيذهب المجدفون إلى النهر، ويتوجه لاعبو الكريكيت إلى ملعبهم، ويخرج "المثابرون" في نزهة جادة عبر الطرق الريفية، بينما يتسلل "الشبان المنطلقون" إلى لندن بالقطار، أو ينطلقون بعربات تجرها الكلاب للعب البلياردو في هيرتفورد أو وير. ويُقدَّم العشاء في القاعة عند السادسة مساءً، تعقبه صلاة مسائية في الثامنة. وبعد ذلك، ينسحب "المثابرون" إلى غرفهم ويقرأون حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما يجلس معظم الآخرين للشرب والغناء. وعند نحو الثانية صباحًا، يعود "الشبان المنطلقون" وهم في حالة سكر شديد من محطة برونسبرو، بعد استقلال آخر قطار من شورديتش».
كان وصف بيمز حافلًا بالتفاصيل اللافتة، لكن يبدو أن أحدًا لم يجد ما يستحق الثناء في هايليبري بوصفها مؤسسة تعليمية. ومع ذلك، اتفق الجميع، بمن فيهم بيمز نفسه، على أنها نجحت في غرس روح جماعية قوية بين خريجيها. وقد أشار رئيس الوزراء المستقبلي اللورد سالزبري إلى «الصداقات الوثيقة التي تكوّنت هناك، والتي خففت حدة المنافسات في الحياة اللاحقة، وضمنت تعاونًا مخلصًا بدلًا من التعاون الشكلي». وربما يصح قول شيء مشابه عن جانب كبير من نظام تعليم النخبة الفيكتورية.
مرحلة البلوغ
من الفضائل التي أخفق التعليم الفيكتوري المخصص للطبقة العليا إخفاقًا واضحًا في غرسها عادة الاستيقاظ المبكر. فعلى الرغم من أن طلاب المدارس والجامعات الفيكتورية كانوا يستيقظون مبكرًا نسبيًا لحضور الصلاة، فإن يوم البالغين من أبناء الطبقة العليا كان يبدأ متأخرًا.
كان ويليام بيت الأصغر، رئيس الوزراء البارز في أوائل القرن التاسع عشر، يتناول إفطاره في التاسعة صباحًا. أما ويليام غلادستون، رئيس الوزراء البارز في العصر الفيكتوري، فكان يستضيف إفطارًا اجتماعيًا يبدأ في العاشرة والنصف صباحًا، ويُقدّم فيه نبيذ الكلاريت، ويستمر حتى نحو الظهر. وكان منافسه بنيامين دزرائيلي يحضر وجبات الإفطار التي يستضيفها اللورد هوتون، وتبدأ في العاشرة صباحًا، لكنه لم يكن يصل عادةً إلا نحو الحادية عشرة والنصف.
كان لدى أفراد النخبة الفيكتورية عمومًا جداول عمل مرنة، وكانوا أحرارًا في العمل من المنزل ما لم تكن لديهم اجتماعات في أماكن أخرى. وقضى كثيرون الصباح بأكمله في المنزل، يقرؤون الصحف ويردون على الرسائل ويستعدون للاجتماعات اللاحقة. أما آرثر بلفور، رئيس الوزراء في العصر الإدواردي، فكان ينجز هذه الأعمال غالبًا وهو في سريره حرفيًا، ونادرًا ما يغادر غرفة نومه قبل موعد الغداء.
وكما سنرى، لا بد أن الصباح كان يبدأ في أوقات متأخرة أكثر بين فبراير ويوليو، حين كان كثير من الشخصيات الفيكتورية البارزة يقضي جزءًا كبيرًا من الليل في الحفلات.
وفي وقت ما من أواخر الصباح، كان الرجل الفيكتوري يشق طريقه أخيرًا إلى مكتبه. وبحلول نهاية القرن، كان بعض الأثرياء يعيشون في الضواحي ويتنقلون إلى أعمالهم بالقطار، ولا سيما في المدن الصناعية مثل برمنغهام ومانشستر. لكن النخب البريطانية كانت عمومًا بطيئة في الانتقال إلى الضواحي، وظل معظم أفرادها في عام 1914 يعيشون في منازل متلاصقة تقع في مراكز المدن، ويتوجهون سيرًا على الأقدام إلى أعمالهم. وكان حشد كبير من الرجال الذين يرتدون المعاطف الرسمية الطويلة يخرج يوميًا من منطقتي بلغرافيا ومايفير، ويمر عبر كوفنت غاردن في طريقه إلى مكاتبه في البرلمان ووايتهول ونقابات المحامين وحي المال والأعمال في لندن.
كان الجدول الدقيق لمنتصف النهار يختلف بحسب الفترة الزمنية والمهنة. ففي أوائل العصر الفيكتوري، كان أفراد الطبقة العليا غالبًا ما يستغنون عن تناول غداء كامل، لكنهم يتناولون العشاء مبكرًا، في الخامسة أو السادسة مساءً. وقد تغير ذلك تغيرًا كبيرًا خلال الربع الثالث من القرن، ربما بفضل تحسن الإضاءة الاصطناعية. وبحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، أصبح كثير من الفيكتوريين يتناولون غداءً دسمًا مصحوبًا بالنبيذ، غالبًا مع زملائهم المهنيين في أحد النوادي، بما يكفيهم حتى موعد العشاء الذي كان يُقدّم قرابة الثامنة والنصف مساءً.
وكانت السياسة وظيفة بدوام جزئي بالنسبة إلى معظم أعضاء البرلمان والنبلاء، ولذلك لم يكن البرلمان يبدأ جلساته عادةً قبل الرابعة والنصف أو الخامسة مساءً. وكان بوسع غالبية السياسيين الذين يعملون بدوام جزئي إنهاء يوم عملهم المعتاد قبل ذلك، بينما يقضي السياسيون المتفرغون الأقل عددًا يومهم في إدارة شؤون الأحزاب، أو في ممارسة الأعمال الحكومية داخل الوزارات إذا كانوا وزراء.
لكن إذا لم تتعارض جلسات البرلمان مع ذلك، كان الرجل الفيكتوري المنتمي إلى النخبة يعود إلى منزله على مهل لارتداء ملابس العشاء. وكان رجال الطبقة العليا ونساؤها يولون ملابسهم اهتمامًا بالغًا. ففي عشاء غير رسمي داخل المنزل، كان الرجل يبدل ملابسه ويرتدي زي المساء، الذي يشمل عادةً ياقة مكوية بقوة، وأساور أكمام ومقدمة قميص شديدة الصلابة، وأحذية جلدية لامعة، وأزرارًا ذهبية للقميص وأزرار أكمام.
وكانت وجبات العشاء فاخرة ومتعددة الأطباق. وعلى الرغم من اختلاف عدد الأطباق بطبيعة الحال، فإنها كانت تتجاوز دائمًا عدد الأطباق في وجبة عشاء معاصرة مماثلة من حيث مستوى الرسمية. وكانت الوجبة المعتادة تبدأ بالحساء ونبيذ الشيري، ثم السمك مع نبيذ هوك الأبيض القادم من منطقة الراين، تلي ذلك سلسلة من أطباق اللحوم المصحوبة بالشمبانيا أو النبيذ الأحمر، وتنتهي بتشكيلة من الحلويات والأطباق المالحة الخفيفة التي تُقدّم مع نبيذ البورت وماديرا.
كان الفيكتوريون يعشقون الشرب، وكان استهلاكهم للكحول مرتفعًا وفقًا للمعايير الحديثة. وكان الرجال يشربون أكثر من النساء، لكن النساء أيضًا كن يشربن كميات كبيرة. فقد أشار أحد أدلة السلوك إلى أن «الشابات نادرًا ما يتناولن أكثر من ثلاثة كؤوس من النبيذ أثناء العشاء، لكن النساء المتزوجات والنساء المهنيات والمعتادات على الحياة الاجتماعية وأنماط العيش الميسورة، يتناولن عادةً خمسة أو حتى ستة كؤوس، سواء في منازلهن أو على موائد صديقاتهن».
وعلى مدى نحو خمسة أشهر كل عام، بين فبراير ويوليو، كانت النخبة الفيكتورية في بريطانيا تجتمع في لندن خلال فترة عُرفت باسم «الموسم الاجتماعي»، وهي في جوهرها سلسلة متتابعة من الحفلات والمناسبات الاجتماعية. وكان أفراد النخبة يمتلكون عادةً منازل أو يستأجرونها في منطقتي مايفير وبلغرافيا، وهما حيان صغيران يقع أحدهما مقابل الآخر على جانبي هايد بارك. وهذا يعني أن معظم أفراد الطبقة الحاكمة كانوا يعيشون حرفيًا على مسافة يمكن قطعها سيرًا على الأقدام بعضهم من بعض.
وكانت مؤسسات اجتماعية موازية موجودة في معظم البلدان الغربية آنذاك، وقد اشتهرت المواسم الاجتماعية في باريس وفيينا وسانت بطرسبرغ ونيويورك. لكن موسم لندن كان يحتل مكانة مهيمنة بصورة خاصة في الحياة الوطنية، لأنه تزامن مع انعقاد جلسات البرلمان، فأصبح ساحة للتواصل السياسي، إلى جانب كونه مجالًا للتوفيق بين العائلات في الزواج وممارسة الطقوس الاجتماعية للنخبة.
خلال الموسم الاجتماعي، كانت الأمسيات في أوساط الطبقة العليا تمتد إلى ما بعد العشاء بوقت طويل. وكانت حفلات الرقص أبرز أشكال الترفيه المسائي. تبدأ هذه الحفلات متأخرة، في التاسعة أو العاشرة مساءً، ويصل الضيوف تدريجيًا، بينما لا تمتلئ ساحة الرقص فعليًا إلا قرابة الحادية عشرة ليلًا.
وفي منتصف الليل تقريبًا، كانت تُقدّم وجبة تُعرف باسم «السوبر»، وتتكون من الحساء والسلطات واللحوم الباردة والمحار والفواكه والآيس كريم. أما المشروب الأكثر ارتباطًا بحفلات الرقص، فكان «نيغوس»، وهو مشروب ساخن يُحضّر من نبيذ البورت والتوابل والسكر والبرتقال أو الليمون. وكانت المياه المحلاة بالليمون والشاي والقهوة متاحة طوال الأمسية، فيما كانت الشمبانيا ونبيذ هوك والبورت والشيري تُقدّم مع وجبة منتصف الليل. وإلى جانب ذلك، أشار دليل صدر عام 1867 لمساعدة الراغبين في استضافة حفلات الرقص إلى أن «الجعة الفاتحة والبيرة الداكنة المقدمتين في زجاجات مقبولتان تمامًا، بل أصبحتا ضروريتين لا غنى عنهما».
وبعد وجبة منتصف الليل، كان الرقص يُستأنف، وتبلغ الحفلة الناجحة ذروتها بعد الواحدة صباحًا. ثم يبدأ الضيوف بالعودة إلى منازلهم تدريجيًا خلال الساعات الأولى من الصباح، بينما قد يواصل الأكثر إصرارًا الاحتفال حتى الفجر. وكان من آداب السلوك أن يغادر المرء بهدوء، ولم يكن مطلوبًا منه حتى توديع مضيفة الحفل. ويشير أحد أدلة الإتيكيت إلى أن «الأهم هو تجنب جعل مغادرتك تبدو وكأنها إشارة إلى ضرورة إنهاء الحفلة، إذ ليس من حقك أن توحي بحركاتك بأنك ترى أن الترفيه استمر مدة كافية».
وكانت لحفلات الرقص أهمية خاصة بطبيعة الحال بالنسبة إلى الباحثين عن الزواج. فقد كان الزواج المدبّر بالمعنى الصارم قد تراجع إلى حد كبير بحلول القرن التاسع عشر، لكن الشباب المنتمين إلى الطبقة العليا وآباءهم ظلوا يأملون في إبرام زيجات تحقق مصالحهم ومكانتهم الاجتماعية. وكانت الحفلات توفر فرصًا مناسبة لذلك.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن حفلات الرقص كانت مجرد مناسبات جماعية للتعارف بغرض المواعدة والزواج. فقد كان رجال البلاط والمصرفيون والقضاة والوزراء يتشاركون ساحة الرقص مع الفتيات الشابات اللاتي بدأن دخول المجتمع الراقي. وفي الواقع، باستثناء بعض المناسبات مثل وجبات الغداء في النوادي، تميزت الفعاليات الاجتماعية للنخبة الفيكتورية بغياب الفصل الواضح بين الفئات العمرية أو بين الجنسين. فقد كانت حفلة الرقص في المجتمع الراقي تؤدي وظائف الحفلات المنزلية للمراهقين ومؤتمرات التواصل المهني في آن واحد؛ بل إنها كانت الأمرين معًا بالفعل.
وكان الشباب غير المتزوجين، إلى جانب آبائهم وأمهاتهم الذين يعانون معهم، قد يحضرون ثلاث أو أربع حفلات رقص أسبوعيًا، بينما يكتفي بقية أفراد المجتمع الراقي بحضور حفلة أو اثنتين. لكن الليالي الأخرى لم تكن أقل ازدحامًا بالأنشطة. فقد كانت عروض الأوبرا والمسرح والحفلات الموسيقية من الفعاليات المهمة، ولا سيما عروض الافتتاح والحفلات الاحتفالية. أما النشاط اليومي المعتاد خلال الموسم الاجتماعي، فكان يتمثل في الأمسيات الاجتماعية وحفلات الورق والاستقبالات الثقافية واللقاءات وحفلات الرقص الأقل رسمية، فضلًا عن «حفلات العشاء المتأخرة» التي تُقام قرب منتصف الليل، وكان معظمها يُستضاف في المنازل الخاصة.
وكان من السهل الجمع بين هذه المناسبات وتنسيقها. فقد يضطر أحد أعضاء البرلمان إلى تفويت العشاء بسبب جلسة برلمانية امتدت إلى وقت متأخر، لكنه يستطيع مع ذلك حضور أمسية اجتماعية في العاشرة والنصف ليلًا، ثم الوصول إلى حفلة عشاء في الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، قبل أن يظهر في حفلة رقص عند الواحدة صباحًا. ومن فبراير إلى يوليو، كانت الطبقة العليا الفيكتورية تعيش نمط حياة ليليًا إلى حد مذهل، إذ كانت مواعيد النوم تقع في الساعات الأولى من الصباح، بينما كان الصباح يُهدر إلى حد كبير.
وبحسب أحد التعريفات، لم يكن أفراد النخبة الفيكتورية يعملون كثيرًا على نحو لافت؛ إذ كان بإمكانهم قضاء أربع أو خمس ساعات فقط يوميًا في المكتب. لكن وفق تعريف آخر، كانوا يعملون طوال الوقت. فالغداء وحفلات الرقص ووجبات العشاء كانت ممتعة بالتأكيد، لكنها لم تكن مجرد وسائل للترفيه. ووفقًا للمؤرخة ليونور دافيدوف، أتاحت هذه المناسبات الاجتماعية «الوصول إلى شبكة معلومات واسعة، تشمل المعلومات المتعلقة بالوظائف وفرص الاستثمار والقرارات السياسية السرية».
كان كثير من الفيكتوريين شديدي الطموح، ويضغطون على أنفسهم بقوة لتحقيق أهدافهم. وكان الحرمان من النوم والإرهاق والإنهاك المهني رفاقًا مألوفين لهم. ولذلك، لم تكن السمة المميزة لنمط حياة النخبة الفيكتورية هي الكسل، بل التركيز المفرط على ما يمكن أن نسميه بناء الفرق والتواصل المهني، إلى جانب الاندماج شبه الكامل بين الحياة الشخصية والحياة المهنية.
هل كان وراء هذا الجنون أسلوب منهجي؟
ميّز عالم الاجتماع فرديناند تونيز، في صياغته الشهيرة، بين مفهوم «الجماعة» (Gemeinschaft)، التي تتماسك بفضل الروابط العاطفية والتقاليد المشتركة، ومفهوم «المجتمع» (Gesellschaft)، الذي يقوم على القوانين والعقود الصريحة. وكان يرى أن مفهوم المجتمع يحل تدريجيًا محل مفهوم الجماعة كلما ازدادت المجتمعات تعقيدًا.
لكن النخبة الفيكتورية كانت أشبه بجماعة صغيرة تحتل قمة مجتمع هائل؛ مجتمع حميم يربط أفراده ثقافة مشتركة وذاكرة جماعية ومنافسة محتدمة على المكانة والولاء والمودة. وكان أفراد هذه النخبة يسعون إلى نيل إعجاب بعضهم بعضًا وتقديرهم وامتنانهم، ويذهبون لتحقيق ذلك إلى أبعد بكثير مما تفرضه العقود أو تقتضيه المصالح المالية. وليس من المبالغة تمامًا تصور النخبة الفيكتورية وكأنها قرية تقليدية كبيرة، على الرغم من أن أفرادها كانوا موزعين جغرافيًا في أنحاء المملكة والإمبراطورية الشاسعة.
لقد أسهمت جميع الممارسات التي وصفتها في هذا المقال في الحفاظ على هذه القرية العاطفية. فقد تلقى أفراد الطبقة الحاكمة تعليمهم معًا منذ سن مبكرة، في مدارس وجامعات صُممت لغرس القيم المشتركة والهوية الجماعية وروابط الولاء المتبادل. وعندما أصبحوا بالغين، كانوا يجتمعون كل عام في منطقة من وسط لندن لا تتجاوز مساحتها مساحة قرية، ويقضون كل ليلة تقريبًا بصحبة بعضهم بعضًا. وكان أفراد النخبة الفيكتورية الشباب يلتقون غالبًا بأزواجهم المستقبليين خلال هذه الأمسيات البراقة، ما جعل النخبة تتحول، إلى حد ما، إلى عائلة فعلية.
استلزم الحفاظ على هذه الجماعة قدرًا كبيرًا من الوقت والجهد، وكانت لذلك تكلفة واضحة تتمثل في الفرص البديلة التي كان يمكن استغلالها بطرق أخرى. ومع تساوي العوامل الأخرى، لا بد أن الأثرياء وأصحاب النفوذ في العصر الفيكتوري كانوا أقل إنتاجية عندما يقضون أربع ساعات يوميًا في المكتب بدلًا من اثنتي عشرة ساعة. لكن إنشاء جماعة حاكمة موحدة ربما أتاح مزايا تعوّض هذه التكلفة.
إحدى هذه المزايا هي الوحدة. فقد كانت النخب الفيكتورية الثرية متنوعة إلى حد كبير من بعض النواحي. جاء أفرادها من مختلف أنحاء الجزر البريطانية، وشملت الأرستقراطيين من ملاك الأراضي والبرجوازية الحضرية، التي أخذت تحل تدريجيًا محل الأرستقراطية التقليدية على امتداد القرن. وكان معظم ملاك الأراضي من الأنجليكانيين، لكن كثيرًا من الأثرياء الجدد كانوا من البروتستانت غير الأنجليكانيين، المعروفين باسم «المنشقين»، كما كان بينهم يهود وكاثوليك. وباستثناء الكاثوليك الأيرلنديين الذين شكّلوا حالة مختلفة بوضوح، نجحت هذه الفئات جميعًا في الاندماج داخل نخبة بريطانية واحدة، بدلًا من تكوين نخب مضادة معادية تسعى إلى إسقاط النظام الاجتماعي.
وكان لذلك فوائد واضحة لبريطانيا. فقد امتلكت نخب الجنوب الأمريكي هوية مختلفة تمامًا عن نخب الشمال، وانتهى بها الأمر إلى جر البلاد نحو الحرب الأهلية. وعانت إسبانيا وإيطاليا وفرنسا من صراعات متواصلة بين البرجوازية الحضرية والنبلاء الريفيين. أما ألمانيا، فمزقتها النزاعات على أسس جغرافية ودينية وطبقية. ووجدت بعض هذه التوترات في بريطانيا أيضًا، لكن النخبة تمكنت من احتوائها بوسائل سلمية، باستثناء أيرلندا. وربما كان رجل الأعمال المنتمي إلى الطائفة البروتستانتية غير الأنجليكانية في مانشستر يؤيد الحزب الليبرالي بدلًا من المحافظين، لكن فكرة الانفصال العنيف عن بريطانيا لتأسيس جمهورية ميثودية في الشمال لم تكن لتخطر بباله أصلًا.
وربما امتلكت النخب الفيكتورية مزايا أخرى مقارنة بنخب اليوم. فمن نقاط القوة في الجماعات المتماسكة أنها تستطيع مكافأة أفرادها بالمكانة والهيبة بدلًا من المال، وهي ميزة مفيدة في الحالات التي يتعذر فيها، لسبب أو لآخر، تقديم مكافآت مالية كافية.
وقد تكون لهذه الميزة أهمية كبيرة في بعض الأحيان. فلدواعٍ سياسية، تدفع معظم المجتمعات الحديثة للسياسيين وموظفي الخدمة المدنية أجورًا تقل كثيرًا عما يتقاضاه العاملون في القطاع الخاص ممن يتحملون مستوى مماثلًا من المسؤولية. ونتيجة لذلك، تواجه هذه المجتمعات صعوبة في إقناع أكثر الأشخاص موهبة بدخول الحياة العامة والاستمرار فيها. لكن الفيكتوريين لم يواجهوا هذه المشكلة.
فحتى ثمانينيات القرن التاسع عشر، كانت معظم الوظائف في الحكومات المحلية البريطانية تُؤدى دون أي مقابل مالي، وكان يتولاها ملاك الأراضي المحليون. كما كانوا يديرون نظام الرعاية الاجتماعية البدائي، ويعملون قضاة في المحاكم الدنيا، ويشغلون عضوية مجالس إدارة معظم المدارس والمستشفيات. ولم يكن مالك الأراضي الذي يتجاهل هذه المسؤوليات يتعرض لعواقب مادية، لكنه كان يفقد مكانته ويصبح موضع استياء أقرانه. وبالنسبة إلى معظمهم، كان ذلك حافزًا كافيًا للقيام بواجباتهم.
وانطبق أمر مشابه على البرلمان. فلم يكن أعضاء البرلمان في القرن التاسع عشر يتقاضون رواتب، وكانوا يتحملون معظم نفقات حملاتهم الانتخابية بأنفسهم. ففي الانتخابات العامة لعام 1880، تكبّد المرشح البرلماني المتوسط نفقات بلغت نحو 150 ألف جنيه إسترليني في الدائرة الحضرية، و450 ألف جنيه في الدائرة الريفية، وفق القيمة النقدية الحالية. وكان على أعضاء البرلمان تحمل هذه الأعباء المالية الضخمة مرارًا، في كل مرة تُجرى فيها انتخابات. كما كانوا يتحملون جميع تكاليف تولي مناصبهم، بما في ذلك الموظفون والسفر والإقامة في كل من وستمنستر ودوائرهم الانتخابية.
ومع ذلك، لم تكن هناك صعوبة في شغل مقاعد البرلمان؛ إذ كان كثير من أغنى الرجال وأكثرهم نفوذًا في إنجلترا يتنافسون بشراسة لدخوله، لمجرد أن العضوية البرلمانية كانت تحظى بمكانة اجتماعية مرموقة للغاية في الأوساط التي ينتمون إليها.
وربما أثرت هذه الهوية الاجتماعية المشتركة أيضًا في سلوك السياسيين أثناء توليهم مناصبهم. ففي كتابه «الدستور الإنجليزي»، أشار الكاتب السياسي والتر باجهوت إلى أن الديمقراطية البرلمانية تخلق حوافز قوية لدى أحزاب المعارضة لإلحاق الضرر بالبلاد، من خلال تقويض الحكومة بصورة مستمرة عندما تتخذ قرارات صعبة لكنها ضرورية. لكنه رأى أن السياسيين الإنجليز، في الممارسة العملية، لم يفعلوا ذلك بالقدر الذي قد يتوقعه المرء، وكتب:
«من الناحية النظرية المجردة، تبدو عيوب ممارساتنا الحالية جسيمة للغاية، لكنها ليست كذلك في الواقع العملي. فالرجال السياسيون الإنجليز والأحزاب الإنجليزية يتمتعون في الحقيقة بقدر كبير من الوطنية؛ ونادرًا ما يمكن إقناعهم، حتى تحت تأثير عواطفهم أو مصالحهم، بفعل أي شيء يتعارض مع المصلحة الحقيقية لإنجلترا، أو من شأنه أن يحط من مكانتها في أعين الأمم الأجنبية. كما أنهم سيلحقون الضرر بأنفسهم بصورة جدية إذا فعلوا ذلك».
يصعب معرفة مدى جدية الادعاءات من هذا النوع، لكن من المؤكد أن أعضاء البرلمان من كلا الحزبين كانوا ينتمون بأغلبيتهم الساحقة إلى الجماعة الاجتماعية التي وصفها هذا المقال، ويتشاركون الأصدقاء والأقارب والذكريات والقيم. وربما كانت هذه القرية النخبوية قادرة على معاقبتهم إذا خالفوا أعرافها، بطرق يصعب تصورها في الوقت الحاضر، ما جعل الحياة السياسية أقل عرضة للاستقطاب والديماغوجية والمناورات الخطرة التي تدفع البلاد إلى حافة الأزمات.
فهل ستصبح المجتمعات الحديثة أفضل أداءً لو أُديرت حكوماتها المحلية والوطنية على يد جماعة مترابطة من الأشخاص الأثرياء والناجحين إلى حد استثنائي؟ ربما لا، فسلبيات هذا النموذج واضحة. لكن المشكلات التي قد يخلقها ستكون مختلفة على نحو مثير للاهتمام عن المشكلات القائمة بالفعل.
تخيّلوا مدينة سان فرانسيسكو يضم مجلسها الإشرافي جيف بيزوس ولاري بيج وسام ألتمان ومارك زوكربيرغ، يشعر كل واحد منهم بأن تحمل هذه المسؤولية يمثل أعظم إنجاز في مسيرته المهنية، ويأمل كل منهم أن يحظى يومًا بالمجد الأكبر المتمثل في الوصول إلى مجلس النواب الأمريكي. قد لا تكون هذه المدينة جنة مثالية، وربما تتحول إلى كارثة. لكنها ستكون بالتأكيد تجربة مثيرة للاهتمام.
