تخفي سهولة تحضير القهوة سريعة التحضير مشكلة معقدة على نحو يثير الدهشة. فجاذبية القهوة تكمن في مئات المركبات المتطايرة التي تمنحها نكهتها ورائحتها، وهي بالضبط المواد الأكثر عرضة للفقدان أثناء المعالجة. ولذلك، تطلب ابتكار القهوة سريعة التحضير تطوير تقنيات لاستخلاص الجزيئات القابلة للذوبان في القهوة وفصلها عن المواد النباتية غير القابلة للذوبان، من دون إتلاف المركبات الحساسة التي تجعل شرب القهوة تجربة تستحق العناء.
كانت المحاولة الأولى لإنتاج هذا المشروب، بحسب جميع الروايات، سيئة للغاية. ففي عام 1771، أي بعد أكثر من قرنين على وصول القهوة إلى أوروبا، تقدم جون درينغ، أحد سكان لندن، بطلب براءة اختراع لما أسماه «مركّب القهوة». اعتمدت طريقته على خلط القهوة المطحونة بالزبدة والشحم الحيواني، ثم تسخين الخليط على صفيحة حديدية حتى يتكاثف ويتحول إلى عجينة يمكن تشكيلها على هيئة أقراص. وبعد ذلك، كانت هذه الأقراص تُذاب في الماء الساخن لتحضير القهوة.
ليس واضحًا تمامًا الغرض من إضافة الدهون الحيوانية. فربما كان الهدف منها استخلاص المركبات القابلة للذوبان من حبيبات القهوة وحملها، أو حماية القهوة المطحونة من الأكسدة. وأيًا كان هدف درينغ، فإن طريقته لم تكن مجدية تجاريًا، لأن الدهون كانت تتزنخ، مما يؤدي إلى فساد الأقراص بسرعة.
خلال منتصف القرن التاسع عشر، أنتجت عدة شركات أنواعًا من القهوة سريعة التحضير على هيئة مركزات سائلة كثيفة يمكن إعادة تحضيرها بإضافة الماء. ففي عام 1840، طورت الشركة الاسكتلندية «تي آند إتش سميث» (T & H Smith) منتجًا أطلقت عليه اسم «خلاصة القهوة»، وذلك من خلال تحضير القهوة ثم تقليص حجمها إلى نحو ربع حجمها الأصلي. ومُزج هذا السائل الكثيف بمستخلص الهندباء البرية وشراب السكر المحروق، لينتج مركزًا يشبه دبس السكر. وكان يكفي خلط ملعقة صغيرة أو ملعقتين منه بالماء المغلي للحصول على مشروب، لكن مذاقه كان أقرب إلى دبس السكر المنكّه بالقهوة منه إلى القهوة الحقيقية.
وجاءت محاولة أخرى خلال الحرب الأهلية الأمريكية. ففي عام 1832، استبدل الرئيس أندرو جاكسون الحصص اليومية من المشروبات الروحية التي كانت تُوزع على الجنود بحبوب القهوة والسكر. وأدى ذلك إلى فرض عبء لوجستي كبير على الجيش؛ إذ كان وزن إمدادات تكفي 100 ألف جندي لمدة 20 يومًا يبلغ 250 طنًا، وكان لا بد من نقلها بعربات تجرها الخيول. كما أن تحميص القهوة وطحنها وتحضيرها في الميدان كان يستغرق وقتًا طويلًا من الجنود.
وفي عام 1861، بدأ جيش الاتحاد دراسة إمكانية استخدام القهوة سريعة التحضير لحل هذه المشكلة. فحصل على مركز للقهوة من شركة «إتش إيه تيلدن آند كو» (HA Tilden & Co)، يتكون من خليط من القهوة المكثفة والحليب المحلى المكثف. وقد أدى ذلك إلى خفض وزن القهوة وحجمها إلى النصف، لكن الجنود لم يستسيغوا المنتج، وشبّهوا قوامه بشحم محاور العجلات.
كانت هذه المستخلصات تُصنع عن طريق غلي القهوة المحضرة لتقليل حجمها وتركيزها. لكن هذه العملية تضر بالنكهة، إذ تنتج مشروبًا مرًا وغير مستساغ، وهو ما يفسر المقولة القديمة: «القهوة التي تُغلى هي قهوة أُفسدت». ولهذا السبب، كانت المنتجات الناتجة على هيئة شراب كثيف. أما تبخير الماء كله لتحويل القهوة إلى مسحوق جاف، فكان سيؤدي إلى تدمير ما تبقى من نكهتها. ولإنتاج مسحوق قهوة سريع التحضير يصلح للاستخدام التجاري، كان على المصنّعين إيجاد طريقة لإزالة الماء من القهوة المحضرة من دون غليه.
حل ابتكره تاجر توابل
ظهر أول مسحوق حقيقي للقهوة سريعة التحضير عام 1889، على يد ديفيد سترانغ، وهو تاجر توابل في مدينة إنفركارغيل بنيوزيلندا. وقد ابتكر طريقة أطلق عليها اسم «الهواء الساخن الجاف»، تعتمد على إزالة الماء من القهوة عن طريق تمرير الهواء الساخن فوقها، مستخدمًا على الأرجح مجففًا للتوابل كان قد حصل على براءة اختراع له قبل ذلك ببضع سنوات. ورغم أن التجفيف بالهواء الساخن كان مستخدمًا في فرنسا منذ عام 1795 لتجفيف أطعمة مثل المعكرونة وبيعها تجاريًا، فإن سترانغ كان أول من طبّق هذه الطريقة على القهوة.
تعتمد هذه الطريقة على تسخين الهواء المحيط بالقهوة بدلًا من تسخين القهوة نفسها مباشرة. فتحويل الماء إلى بخار يتطلب طاقة، ويستمد الماء المتبخر هذه الطاقة من الهواء الساخن الذي يمر فوقه. ولأن الطاقة تأتي من الهواء لا من السائل نفسه، فإن سطح القهوة يبرد فعليًا أثناء تبخر الماء منه. وهذا يحافظ على درجة حرارة السائل دون درجة الغليان حتى أثناء جفافه.
وبعد تحويلها إلى مسحوق جاف، أصبحت القهوة أخف وزنًا وأكثر قدرة على الاحتفاظ بصلاحيتها أثناء التخزين مقارنة بالمحاولات السابقة، مما جعل شحنها وتخزينها أكثر سهولة. وحقق المنتج نجاحًا تجاريًا محدودًا في نيوزيلندا، حيث رُوّج له باعتباره «أفضل بكثير من أي منتج يُسمى خلاصة القهوة». لكن مذاقه ظل بعيدًا عن المستوى المثالي. ويشير خبير القهوة أرجون هازارد إلى ذلك في مقال نشره موقع ستاف، قائلًا إن هذه العملية، بالنظر إلى ما نعرفه اليوم عن تأثير الحرارة والهواء في القهوة، لا بد أنها أدت إلى تلفها بفعل الحرارة وأكسدتها. ويضيف أن المنتج كان سهل الحمل، لكنه على الأرجح كان فظيع المذاق أيضًا.
جورج واشنطن يدخل الحرب
لم تحقق القهوة سريعة التحضير نجاحًا تجاريًا واسعًا إلا في عام 1909، عندما أطلق المخترع البلجيكي البريطاني جورج كونستانت لويس واشنطن منتج «ريد إي كوفي» (Red E Coffee). وقد احتفظ واشنطن بطريقة التصنيع سرًا تجاريًا، ولذلك لا تزال تفاصيل العملية الدقيقة مجهولة. لكن المنتج لم يكن متفوقًا بوضوح على المحاولات السابقة، ووُصف مذاقه بأنه «غير مستساغ». ويبدو أن نجاح واشنطن جاء أساسًا من كونه أول من أنشأ منشأة إنتاج صناعية واسعة النطاق، في مجمع بوش تيرمينال الصناعي في بروكلين.
حظيت القهوة بشعبية معقولة خلال السنوات الأولى من إنتاجها، لكن الطلب عليها ارتفع بشدة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فقد استحوذت المؤسسة العسكرية على كامل الإنتاج المتاح، الذي بلغ في ذروته 37 ألف رطل، أي 16.7 طنًا متريًا، يوميًا. وعلى الرغم من رداءة مذاقها، فإن سهولة تحضير القهوة سريعة التحضير وفرت دفعة معنوية كبيرة للقوات. وتعكس رسالة أحد الجنود إلى أسرته في الوطن هذا الشعور:
أشعر بسعادة كبيرة رغم الجرذان والمطر والوحل والتيارات الهوائية وهدير المدافع وصفير القذائف. لا يستغرق الأمر سوى دقيقة واحدة لإشعال مدفأتي الزيتية الصغيرة وتحضير بعض قهوة جورج واشنطن... وفي كل ليلة، أرفع دعاءً خاصًا من أجل صحة السيد واشنطن وعافيته.
وبحلول نهاية الحرب، أصبح الجيش الأمريكي يُوصف بأنه أفضل الجيوش تغذية على وجه الأرض. ولا شك أن حصص القهوة سريعة التحضير كانت من الكماليات التي يحسدهم الآخرون عليها.
حل مشكلة الالتصاق
في عام 1929، دمرت أزمة وول ستريت الاقتصاد البرازيلي. وكانت البرازيل تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات القهوة، التي شكّلت نصف إجمالي صادراتها، فيما كانت الولايات المتحدة أكبر عملائها. وانهارت أسعار القهوة بنسبة 90 في المئة خلال عام واحد، مما أسهم في اندلاع ثورة عام 1930 التي أطاحت بالحكومة. ولتحقيق الاستقرار في الأسعار، أحرقت الحكومة البرازيلية 10.3 مليارات رطل من القهوة، أي ما يعادل 4.6 ملايين طن متري، على مدى عدة سنوات. وكان هذا يعادل إنتاج العالم من القهوة خلال ثلاث سنوات.
وصفت مقالة نشرتها مجلة تايم عام 1937 مشهد الأزمة بقولها إن أكوامًا ضخمة من حبوب القهوة ذات اللون الرمادي المخضر كانت تتوهج ببطء تحت أعمدة كثيفة من الدخان، فيما كانت الصنادل البحرية الثقيلة تتجه إلى عرض البحر لإلقاء القهوة فيه، وكان العمال يخلطون القهوة بالقطران لتشكيل قوالب تُستخدم في البناء.
وخلال الأزمة، وجدت «البنك الفرنسي الإيطالي لأمريكا الجنوبية» (Banque Française et Italienne pour l’Amérique du Sud) نفسها أمام فائض هائل من القهوة المخزنة في مستودعاتها. ولإيجاد استخدام لهذا الفائض، تواصلت مع لويس دابل، رئيس مجلس إدارة شركة نستله والموظف السابق لدى البنك، واقترحت عليه تطوير منتج أفضل من القهوة سريعة التحضير. وفي عام 1932، أُسندت قيادة المشروع إلى الكيميائي السويسري ماكس مورغنثالر، لكن نستله أوقفت تمويله عام 1935 بعد غياب مؤشرات النجاح.
لم يستسلم مورغنثالر، بل اشترى حبوب القهوة من ماله الخاص وواصل أبحاثه في منزله، مستعينًا أحيانًا بمعدات مختبر المصنع خلال فترات الهدوء. وفي أبريل 1937، توصل إلى اختراق مهم، وقدم عينات إلى مجلس إدارة نستله التنفيذي، الذي استقبلها بحفاوة. وهتف أحد الحاضرين قائلًا: «لقد أنجبت الأم نستله طفلًا جميلًا!».
اعتمدت طريقة مورغنثالر على تمرير الماء الساخن عبر عدة أسطوانات تحتوي على القهوة المطحونة لإنتاج مستخلص القهوة، ثم تجفيفه بالرش. والتجفيف بالرش تقنية ابتكرها الكيميائي صمويل بيرسي عام 1872 لتحويل السوائل إلى مساحيق. وتعتمد هذه الطريقة على رش السائل في صورة رذاذ ناعم داخل حجرة ساخنة، حيث يعمل الهواء الساخن على تبخير الماء بسرعة، فتتحول القطرات إلى مسحوق.
استُخدم التجفيف بالرش بنجاح لإنتاج مسحوق الحليب منذ أوائل القرن العشرين، لكن تطبيقه على القهوة طرح تحديات فريدة. فالسكريات والأحماض الطبيعية الموجودة في القهوة ذات أوزان جزيئية منخفضة، مما يجعلها تلين وتصبح لزجة عند درجات حرارة منخفضة نسبيًا. وخلال التجفيف بالرش، يؤدي ذلك إلى تكتل القهوة وتحولها إلى عجينة بدلًا من تكوين مسحوق حر الحركة وسهل الانسياب.
وكان حل مورغنثالر هو خلط القهوة بكميات تقارب كميتها من الكربوهيدرات، مثل المالتوديكسترين أو الغلوكوز، قبل تجفيفها. وتظل جزيئات هذه الكربوهيدرات الأكبر حجمًا صلبة عند درجات حرارة أعلى، مما يرفع درجة الحرارة التي يبدأ عندها الخليط بالالتصاق، ويسمح بتجفيفه وتحويله إلى حبيبات مسحوق حقيقية.
وعلى الرغم من أن التجفيف بالرش يستخدم درجات حرارة للهواء أعلى بكثير من الطرق السابقة، تتراوح عادة بين 150 و250 درجة مئوية، فإنه يتسبب فعليًا في تلف حراري أقل للقهوة، لأن القطرات لا تبقى سوى ثوانٍ معدودة داخل الحجرة الساخنة، كما أن تبخر الماء يحافظ على برودتها النسبية.
طُرح المنتج في الأسواق عام 1938 تحت اسم «نسكافيه» (Nescafé)، وحقق نجاحًا فوريًا، إذ نفدت الكمية المخزنة التي تكفي لعام كامل خلال شهرين فقط. ثم عززت الحرب العالمية الثانية المبيعات بدرجة هائلة. ففي عام 1942، بلغ الطلب من الجيش الأمريكي حدًا دفع الحكومة إلى تصنيف المنتج باعتباره «سلعة حيوية للمجهود الحربي»، وخصصت كامل الطاقة الإنتاجية لمصنع نستله في الولايات المتحدة لتلبية احتياجات القوات المسلحة.
من الجليد إلى البخار
على الرغم من أن مورغنثالر حل المشكلة التقنية المتعلقة بالتجفيف بالرش، فإن إضافة الكربوهيدرات أدت إلى تخفيف نكهة القهوة بدرجة كبيرة. وتمكنت نستله من معالجة هذه المشكلة عام 1952، عندما اكتشفت إمكانية استخلاص الكربوهيدرات الطبيعية من القهوة نفسها.
اعتمدت الطريقة على تمرير الماء أولًا عبر القهوة المطحونة عند درجات حرارة مرتفعة جدًا، تصل إلى 175 درجة مئوية، وتحت ضغط. وأدى ذلك إلى تفكيك جدران الخلايا النباتية وإطلاق كربوهيدرات تُسمى السكريات المتعددة، وهي مركبات لا تذوب عند درجات حرارة التحضير العادية. وبعد ذلك، يمر السائل عبر أسطوانات إضافية عند درجة حرارة تقارب 100 درجة مئوية لاستخلاص مركبات النكهة، كما في الطريقة الأصلية. وكانت النتيجة مسحوق قهوة نقيًا بنسبة 100 في المئة.
حافظ التجفيف بالرش على قِصر مدة التعرض للحرارة، لكن المصنّعين تساءلوا عما إذا كان بالإمكان تجنب درجات الحرارة المرتفعة تمامًا باستخدام عملية تُسمى التجفيف بالتجميد. وتعتمد هذه الطريقة على تجميد المواد أولًا، ثم وضعها تحت ضغط منخفض، مما يحول الجليد إلى بخار من دون المرور بالحالة السائلة. ويحدث ذلك لأن الماء عند الضغوط المنخفضة جدًا لا يمكن أن يوجد إلا على هيئة جليد صلب أو بخار، وليس سائلًا. ولذلك، فإن التسخين اللطيف يحوّل الجليد مباشرة إلى بخار، في عملية تُعرف باسم التسامي.
مارست ثقافات مختلفة أشكالًا من التجفيف بالتجميد على مدى قرون. ففي القرن الثالث عشر، كان شعب الإنكا يجفف البطاطس بالتجميد في مرتفعات جبال الأنديز. لكن الاهتمام الصناعي بهذه التقنية ازداد خلال الحرب العالمية الثانية، عندما سعى الباحثون إلى إيجاد طريقة لحفظ بلازما الدم والبنسلين. ففي غياب التبريد الموثوق، كانت هذه الإمدادات تفسد في كثير من الأحيان قبل وصولها إلى المرضى. وأتاح التجفيف بالتجميد إزالة الماء منها، مما سمح بتخزينها في درجة حرارة الغرفة وإعادة تحضيرها بسرعة عند الحاجة.
في عام 1963، طرحت شركة «ماكسويل هاوس»، وهي علامة تجارية للقهوة مملوكة لشركة «جنرال فودز»، وأصبحت اليوم جزءًا من مجموعة «كرافت هاينز»، أول قهوة سريعة التحضير مجففة بالتجميد. وتبعتها نستله عام 1965 بمنتج «نسكافيه غولد» (Nescafé Gold).
تتضمن العملية تجميد مستخلص القهوة إلى درجة حرارة تتراوح بين 40 و45 درجة مئوية تحت الصفر، ثم تكسير الكتل المتجمدة إلى حبيبات وغربلتها للحصول على أحجام متقاربة. وبعد ذلك، توضع الحبيبات في حجرات مفرغة من الهواء، حيث تؤدي الحرارة المضبوطة إلى تسامي الجليد على مدى عدة ساعات، تاركة وراءها مسحوق القهوة الجاف.
يحافظ التجفيف بالتجميد على النكهة بدرجة أفضل بكثير من التجفيف بالرش. فقد وجدت إحدى الدراسات أن التجفيف بالتجميد يحافظ على 77 في المئة من المركبات المتطايرة، مقارنة بنسبة 57 في المئة فقط عند التجفيف بالرش.
ومن مزاياه الأخرى القوام. إذ ينتج التجفيف بالتجميد حبيبات خشنة ومسامية تذوب بسرعة وبشكل كامل في الماء الساخن. أما التجفيف بالرش، فينتج جزيئات مسحوق دقيقة تميل إلى الطفو على سطح الماء بدلًا من الذوبان فيه. ولمعالجة هذه المشكلة، يضيف المصنّعون اليوم في كثير من الأحيان خطوة تُعرف باسم التكتيل، حيث يُعرّض المسحوق المجفف بالرش للبخار أثناء تقليبه في الهواء. وتتسبب الرطوبة في التصاق الجزيئات بعضها ببعض، فتتكون حبيبات أكبر حجمًا.
لكن التجفيف بالتجميد له عيوبه أيضًا. فالعملية تستغرق من 8 إلى 16 ساعة، وتتطلب معدات تفريغ هوائي ومكثفات باهظة الثمن. ولهذا، يُباع مسحوق القهوة المجفف بالتجميد عادة بسعر يقارب ضعف سعر القهوة المجففة بالرش، وهو ما يفسر استمرار التجفيف بالرش بوصفه الطريقة الأكثر انتشارًا.
القهوة سريعة التحضير الفاخرة
قضت القهوة سريعة التحضير معظم تاريخها بوصفها الخيار الأرخص والأسرع والأسهل حملًا، لكنها ارتبطت بسمعة متواضعة من حيث جودة النكهات التي يبحث عنها عشاق القهوة. وقد بدأ هذا الوضع يتغير، إذ ظهرت خلال العقدين الماضيين سوق للقهوة سريعة التحضير الفاخرة.
واليوم، تقدم محامص القهوة المختصة، مثل «فيرف» (Verve) و«سوبريم» (Supreme)، أنواعًا من قهوتها مجففة بالتجميد، ويصل سعر الكوب منها في كثير من الأحيان إلى نحو 2.50 دولار، أي ما يعادل 35 ضعف سعر القهوة سريعة التحضير التقليدية.
وقد تطلب تحقيق ذلك اختراقات تقنية. وكانت إحدى المشكلات الرئيسية فقدان الرائحة. فعلى الرغم من أن التجفيف بالتجميد يساعد على الاحتفاظ بمزيد من المركبات المتطايرة أثناء التجفيف، فإن المركبات العطرية الحساسة قد تُفقد خلال المراحل السابقة، مثل التحميص والطحن والاستخلاص. ولذلك، تطلب الحفاظ على نسبة أكبر منها تطوير طرق أفضل لاستعادة الروائح، بحيث تُلتقط المركبات المتطايرة في مرحلة مبكرة من العملية، وتُخزّن بصورة منفصلة، ثم تُعاد إضافتها بعد التجفيف.
كانت هناك أشكال بدائية من تقنيات استعادة الروائح منذ أوائل القرن العشرين، لكن التطورات التي شهدها هذا المجال منذ ظهور التجفيف بالتجميد منحت المصنّعين أدوات أفضل للحفاظ على الخصائص الدقيقة التي تميز حبوب القهوة المختصة.
وأصبح عمود المخاريط الدوارة الذي طورته شركة «فليفورتك» (Flavourtech)، والذي صُمم في الأصل لإزالة الكحول من النبيذ، من التقنيات الشائعة لاستعادة الروائح في إنتاج القهوة سريعة التحضير الفاخرة.
يتكون الجهاز من أسطوانة رأسية تحتوي على مخاريط ثابتة وأخرى دوارة، مرتبة بالتناوب على هيئة أكوام تشبه مخاريط الآيس كريم. ويُسكب مزيج شبه سائل من القهوة المطحونة والماء البارد من أعلى الجهاز، ثم ينساب إلى الأسفل، حيث يدفع كل مخروط دوار السائل إلى الخارج على هيئة غشاء رقيق يبلغ سُمكه نحو مليمتر واحد. ويرتفع البخار منخفض الحرارة، الذي تتراوح حرارته بين 40 و50 درجة مئوية، عبر العمود، ملتقطًا المركبات العطرية المتطايرة من القهوة، قبل أن يُبرّد ويُكثّف للحصول على مستخلص مركز للرائحة. وتتميز العملية بسرعتها، إذ لا تقضي القهوة داخل الجهاز سوى 25 ثانية.
وحتى مع استخدام طرق أكثر لطفًا، فإن بعض مركبات النكهة تُفقد حتمًا أثناء التجفيف. لكن التجميد السريع للقهوة يتجنب هذه المشكلة عن طريق الاستغناء عن التجفيف وإزالة الماء تمامًا.
التجميد السريع تقنية معروفة، لكن شركة «كوميتير» (Cometeer)، التي تأسست عام 2016 في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، طورت استخدامها لتطبيقها على القهوة. وتعتمد الطريقة على تحضير قهوة بتركيز يعادل عشرة أضعاف التركيز المعتاد، ثم تعريضها لدرجات حرارة شديدة الانخفاض باستخدام النيتروجين السائل. وفي هذا البرد القارس، تتجمد القهوة بصورة شبه فورية، وبسرعة تكفي للحفاظ على بلورات الجليد صغيرة الحجم، بحيث لا تتسبب في إتلاف بنية القهوة أو تدهور مركباتها المتطايرة. وبعد ذلك، يُحكم إغلاق المركز المتجمد داخل كبسولات من الألومنيوم.
لكن التجميد السريع ليس رخيصًا. فهو يتطلب معدات تبريد شديدة الانخفاض في درجات الحرارة وباهظة الثمن، إلى جانب بنية تحتية لنقل المنتجات مجمدة. إذ يجب تعبئة المنتجات في الثلج الجاف وتسليمها بسرعة لتجنب ذوبانها قبل وصولها إلى مجمد المستهلك النهائي. ونتيجة لذلك، تبدأ أسعار كبسولات «كوميتير» من نحو دولارين للكوب الواحد، وقد تصل إلى 7.50 دولارات عند استخدام أجود أنواع حبوب القهوة.
وكان القوام والإحساس الذي تتركه القهوة في الفم مجالًا آخر للتحسين. فالقهوة المحضرة حديثًا تحتوي على زيوت تغلف اللسان وجزيئات دقيقة تمنحها قوامها وامتلاءها. لكن عملية استخلاص الماء المستخدمة في إنتاج القهوة سريعة التحضير تترك هذه المكونات وراءها. وبما أنها لا تذوب في الماء، فلا يمكن التقاطها ضمن المسحوق القابل للذوبان. ومن دونها، يبدو مذاق القهوة سريعة التحضير أقل كثافة وامتلاءً.
وقدمت حبيبات القهوة المطحونة فائقة النعومة حلًا محتملًا لهذه المشكلة. ففي سبتمبر 2009، أطلقت شركة ستاربكس منتج «فيا ريدي برو» (VIA Ready Brew)، الذي استغرق تطويره قرابة 20 عامًا تحت إشراف دون فالنسيا، مؤسس قسم البحث والتطوير في الشركة. وجمع الابتكار بين القهوة سريعة التحضير القابلة للذوبان وجزيئات من القهوة المحمصة، صغيرة بما يكفي لتبقى معلقة في الماء من دون أن تذوب بالكامل.
وسرعان ما طوّر المنافسون منتجاتهم الخاصة المعتمدة على القهوة المطحونة فائقة النعومة. فأطلقت شركة «جاكوبس دوويه إيغبرتس»، المعروفة اليوم باسم «جيه دي إي بيتس» (JDE Peet’s)، منتج «ميليكانو» (Millicano) عام 2011، فيما أطلقت نستله منتج «نسكافيه أزيرا» (Nescafé Azera) عام 2012. ومع ذلك، لم يُعتمد هذا النهج على نطاق واسع في سوق القهوة سريعة التحضير الفاخرة، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن حبيبات القهوة المطحونة تترك طبقة من الرواسب في قاع الكوب.
لكن التكنولوجيا وحدها لم تكن كافية لإنشاء سوق للقهوة سريعة التحضير الفاخرة، بل كان لا بد أيضًا من تغيير اقتصاديات الإنتاج. فإنتاج هذه القهوة يتطلب استثمارات رأسمالية بملايين الدولارات في أنظمة استخلاص القهوة، ومعدات التركيز، ومنشآت التجفيف. وتاريخيًا، لم يكن بالإمكان تبرير هذه التكاليف إلا بالنسبة إلى المصنّعين الذين يعملون على نطاق واسع جدًا، مما حرم محامص القهوة المختصة من أي فرصة واقعية لدخول هذه الفئة من المنتجات.
تغير الوضع عام 2016، عندما أسس نيت كايزر شركة «سويفت كب كوفي» (Swift Cup Coffee) في مدينة لانكستر بولاية بنسلفانيا الأمريكية، وابتكر نموذجًا يمكن وصفه بأنه «القهوة سريعة التحضير بوصفها خدمة».
واليوم، توجد سوق نشطة من الشركات المتخصصة في معالجة القهوة لحساب الغير، لتلبية احتياجات محامص القهوة المختصة. وتتولى هذه الشركات تحضير حبوب المحامص وفق معايير استخلاص دقيقة، ثم تجفيفها بالتجميد على دفعات صغيرة، وتعبئة المنتج النهائي تحت العلامة التجارية الخاصة بالمحمصة. ويسمح هذا النموذج بتحويل التكاليف الثابتة الكبيرة إلى تكاليف متغيرة تتناسب مع حجم الإنتاج، مما يمكّن المحامص من اختبار السوق دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة.
ورغم أن القهوة سريعة التحضير قد لا تصبح أبدًا الخيار المفضل لخبراء القهوة، فإن عقودًا من الابتكار أكسبتها مكانة راسخة في حياة ملايين الأشخاص. فمن الجنود في ساحات القتال إلى الصباحات المزدحمة ورحلات التخييم، توفر هذه القهوة حلًا عمليًا عندما يكون الوقت أو المعدات المتاحة محدودًا.
