القائمة الرئيسية

أكثر الآلات تعقيدًا في العالم

أكثر الآلات تعقيدًا في العالم
ملخص المقال

تُعد شركة ASML الهولندية نقطة الاختناق الحيوية في صناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة، حيث تنتج الآلات الوحيدة في العالم القادرة على نقش تريليونات الترانزستورات الدقيقة على رقائق السيليكون، مما يدعم تقدم قانون مور. لقد حققت هذه المكانة الريادية بعد أن راهنت مبكرًا على تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) شديدة التعقيد، على الرغم من أنها لم تكن مثبتة آنذاك. فقد تميزت بنهجها التعاوني الفريد، بالتعاون مع الحكومة الأمريكية وعمالقة الصناعة مثل إنتل، تي إس إم سي، وسامسونغ لتمويل وتطوير التقنية، وتبني تصميم معياري لآلاتها مكنها من الاستفادة من خبرات الموردين الخارجيين، متفوقة بذلك على منافسيها الذين اتبعوا استراتيجيات مختلفة وأخفقوا في مواجهة التحديات التقنية. هذا المزيج من الاستثمار الجريء والشراكات الاستراتيجية وثقافة المخاطرة، هو ما مكن ASML من الهيمنة على سوق الطباعة الحجرية وأن تصبح اللاعب الأهم الذي لا غنى عنه في العالم الرقمي اليوم.

من خلال الرهان على تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى قبل أن تثبت نجاحها بوقت طويل، أصبحت شركة «إيه إس إم إل» (ASML) نقطة الاختناق التي لا غنى عنها في صناعة الرقائق المتقدمة.

تحتوي الهواتف التي نحملها في جيوبنا على ذاكرة تفوق ما كانت تحتويه الحواسيب الضخمة التي بحجم الغرف، والتي وجّهت مهمة أبولو إلى القمر، بمقدار مليوني مرة، كما أنها أسرع منها بآلاف المرات. وقد تحقق هذا الانكماش المذهل بفضل قدرتنا على تصنيع ترانزستورات أصغر فأصغر.

كل ترانزستور هو مفتاح مجهري يمكنه التبديل بين الرقمين واحد وصفر، وهما أساس اللغة التي تعمل بها جميع أنظمة الحوسبة. وتُحشد مليارات الترانزستورات داخل رقائق سيليكون صغيرة تُعرف باسم أشباه الموصلات. وكلما زاد عدد الترانزستورات التي يمكن وضعها على الرقاقة، زاد ما تحتويه من دوائر منطقية ودوائر ذاكرة، وازدادت قدرتها على أداء المهام.

يمكن القول إن أشباه الموصلات المتقدمة هي أهم تقنية في العالم. وخلال السنوات الخمس الماضية، أصبحت أيضًا بؤرة توتر جيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. لكن على الرغم من هذا التنافس كله، فإن أي دولة أو شركة تأمل في تصنيع أشباه الموصلات تعتمد على شركة واحدة لا غير، هي «إيه إس إم إل». وقد وصفتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 2020 بأنها «شركة هولندية غير معروفة نسبيًا»، إلا أن هذه الشركة تصنع الآلات الوحيدة في العالم القادرة على نقش الترانزستورات على الرقائق بدقة تتيح حشد مليارات منها على رقاقة سيليكون يبلغ قطرها 30 سنتيمترًا.

تبلغ أحجام هذه الآلات حجم حافلات الطابقين تقريبًا. ويتطلب شحن آلة واحدة منها 40 حاوية شحن وثلاث طائرات شحن و20 شاحنة. إنها أكثر الأشياء تعقيدًا في العالم، إذ تحتوي كل آلة على أكثر من مئة ألف مكوّن، يجب ضبط كل واحد منها بدقة متناهية حتى تتمكن الآلة من إنتاج الضوء باستمرار وبالطول الموجي المناسب.

وعلى الرغم من أن «إيه إس إم إل» أصبحت اليوم المورد الوحيد لهذه الآلات، ومن المتوقع أن تظل كذلك لبعض الوقت، فإنها بدأت مسيرتها متأخرة عن منافسيها في صناعة الرقائق. ولم يكن تجاوزهم ممكنًا إلا بفضل مجموعة من العوامل التي نادرًا ما ترتبط بالشركات الأوروبية، من بينها التعاون الوثيق مع الحكومة الأمريكية، وبيع حصص كبيرة من الشركة لمنافسين أجانب، والمغامرة باستثمار ضخم في تقنية لم يثبت نجاحها بعد.

فليكن نور

يكمن مفتاح نجاح «إيه إس إم إل» في تقنية تُعرف باسم الطباعة الحجرية الضوئية، وتُسمى أحيانًا الطباعة الحجرية اختصارًا. وتعتمد هذه التقنية على نقل نمط معين إلى رقاقة من أشباه الموصلات عن طريق تعريضها للضوء. ففي خمسينيات القرن العشرين، حاول أوائل مصنعي الرقائق رسم هذه الأنماط يدويًا، لكن أي أداة تلامس الرقاقة ماديًا قد تخدشها أو تلوثها أو تشوّه النمط المرسوم عليها. وقد أدرك علماء يعملون بصورة مستقلة في مختبرات بيل والجيش الأمريكي أنه يمكن استخدام الضوء لطباعة أنماط متطابقة من دون ملامسة الرقاقة ماديًا.

ولتصنيع الرقائق، يبدأ المهندسون برقاقة رقيقة من مادة شبه موصلة، عادة ما تكون السيليكون. ثم تُطلى هذه الرقاقة بمادة كيميائية تُسمى المقاوم الضوئي، تتفاعل عند تعرضها للضوء. وفي عملية الطباعة الحجرية الضوئية، يُسلط الضوء عبر نمط دقيق على الرقاقة المطلية بالمقاوم الضوئي، مما يؤدي إلى تليين المناطق التي تعرضت للضوء. بعد ذلك، تُغسل الرقاقة لإزالة المناطق التي لانت، فينكشف السيليكون الموجود تحتها. ثم تُنقل إلى آلة للحفر، تقصف المناطق المكشوفة بغاز الكلور أو البروم المشحون، فتحفر النمط المطلوب في السيليكون. وفي مرحلة لاحقة، تُملأ هذه التفاصيل المحفورة بالمعادن، مثل التنغستن والنحاس، لتوصيل الترانزستور بمصدر الطاقة. وتتحد هذه الطبقات المحفورة في نهاية المطاف لتشكّل شبكة معقدة من الترانزستورات.

ومع مرور الوقت، تطورت منظومة تصنيع أشباه الموصلات، وأصبحت تستخدم تقنيات حفر أكثر تطورًا تعتمد على أطوال موجية أصغر فأصغر من الضوء. فالأطوال الموجية الأقصر تتعرض للحيود بدرجة أقل، مما يسمح للضوء بالانتقال في مسارات أكثر استقامة وطباعة تفاصيل أدق وأصغر من دون أن تصبح ضبابية. وتتيح هذه الخصائص إسقاط الأنماط بدقة أكبر، وهو ما يسمح بدوره بتصنيع ترانزستورات أصغر وأكثر كثافة.

اعتمدت تقنيات الطباعة الحجرية الأولى على مصابيح بخار الزئبق المشابهة لمصابيح إنارة الشوارع، بينما تعتمد الآلات الأحدث على أشعة الليزر الناتجة عن استخدام غازي الأرجون والفلور. وبحلول عام 2010، أتاحت هذه الليزرات إنشاء تفاصيل بحجم 22 نانومترًا، باستخدام طول موجي يبلغ 193 نانومترًا عبر تعريض الرقاقة للضوء عدة مرات.

أما أكثر الإصدارات تقدمًا من هذه التقنية، فهي الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، التي تُستخدم لتصنيع أصغر الرقائق على الإطلاق. وفي عام 2025، كانت أصغر الرقائق المطروحة في السوق تحمل تصنيف ثلاثة نانومترات، أي إن أبعاد التفاصيل التي يشير إليها هذا التصنيف تقل بنحو 25 ألف مرة عن سُمك شعرة الإنسان.

ولتصنيع هذه الرقائق، تُطلق قطرة من القصدير السائل داخل حجرة، ثم تُضرب بنبضة ضوئية واحدة تعمل على صهرها وتسطيحها. وبينما تواصل القطرة سقوطها، تصيبها نبضة ثانية أشد قوة، فتُبخّر القصدير وتحوّله إلى بلازما شديدة الحرارة تصدر ضوءًا بأطوال موجية ضيقة ومحددة، وهي الأطوال اللازمة للطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى. بعد ذلك، تُركّز حزمة الضوء من خلال عكسها عبر سلسلة من المرايا المقعرة قليلًا، والمصقولة بدقة تكاد تكون مثالية؛ فلو كُبّرت هذه المرايا إلى حجم ألمانيا، لما تجاوزت عيوب أسطحها بضعة مليمترات، وفقًا لما توضحه شركة إيه إس إم إل.

ويحتاج المهندسون إلى استخدام المرايا بدلًا من العدسات الزجاجية المستخدمة في تقنيات الطباعة الحجرية التقليدية، لأن معظم المواد الصلبة تمتص الضوء عندما تكون أطواله الموجية قصيرة إلى هذا الحد.

وفي نهاية المطاف، يصل الضوء إلى القناع، وهو عنصر يحمل النمط المراد طباعته على الرقاقة. ولأن النمط الموجود على القناع يكون عادة أكبر بعدة مرات من الحجم المطلوب على الرقاقة، ينعكس الضوء بعد ذلك عبر نظام ثانٍ من المرايا.

وبعد انعكاس الضوء عن القناع، يحمل النمط في صورة حزمة من الأشعة التي تنتشر انطلاقًا من كل نقطة فيه. وتعمل المرايا التالية على إمالة هذه الأشعة إلى الداخل، بحيث تلتقي مجددًا على مسافة أقصر بدلًا من انتشارها على نطاق واسع. وعندما تتلاقى الأشعة الصادرة من كل نقطة في وقت أقرب، تصبح الصورة التي تشكّلها أصغر حجمًا من الناحية الفيزيائية. ومن خلال تكرار هذه العملية باستخدام عدة مرايا مصممة بأشكال دقيقة، يتمكن المهندسون من تقليص النمط بمقدار محدد مع الحفاظ على وضوحه وتركيزه. وبعد تقليص النمط إلى ربع حجمه الأصلي، يصل إلى رقاقة السيليكون.

عملية الانكماش الكبرى

تعمل الأطوال الموجية الأطول أشبه بإزميل غير حاد، يصلح للتشكيل الخشن لكنه يعجز عن التقاط التفاصيل الدقيقة. فموجات الضوء الأطول تكون كبيرة نسبيًا مقارنة بالتفاصيل المجهرية الموجودة على القناع، والتي ينبغي أن ينعكس الضوء عنها. وعندما تصطدم موجة بشيء أصغر من طولها الموجي، فإنها تميل بطبيعتها إلى الانتشار والانحناء حول حوافه بدلًا من تكوين ظل حاد وواضح. ولذلك، يتعين على الإزميل غير الحاد المرور على الموضع نفسه مرات عديدة لإنتاج التفاصيل ذاتها، مما يؤدي إلى حواف أقل وضوحًا. ولهذا كان على تقنية الطباعة الحجرية الانتقال إلى نطاق الأشعة فوق البنفسجية القصوى، من أجل تحقيق الدقة العالية اللازمة لنقش الأنماط المستخدمة في أحدث أجيال تصنيع الرقائق.

تستطيع الأطوال الموجية التي تصل إلى 13.5 نانومترًا إنتاج أنماط أكثر دقة من خلال تعريض واحد للضوء. وفي الواقع، يمكن للطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى دمج ثلاث أو أربع دورات من الطباعة الحجرية الضوئية في دورة واحدة عند تصنيع الرقائق ذات العقدة التقنية البالغة سبعة نانومترات. ومن دون هذه التقنية، قد يتطلب إنتاج رقائق بعقدة خمسة نانومترات تنفيذ ما يصل إلى مئة خطوة مختلفة.

وقد استطاعت الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى إنتاج أنماط أكثر دقة على رقائق السيليكون مقارنة بالتقنيات الأقدم، حتى عندما استُخدمت تلك التقنيات عدة مرات.

تسيطر «إيه إس إم إل» اليوم على السوق الإجمالية لآلات الطباعة الحجرية، وتتمتع باحتكار فعلي لتقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى. ويتجاوز سعر الآلة الواحدة من آلاتها المستخدمة في هذه التقنية 120 مليون دولار. وتُعد الشركة واحدة من أكثر الشركات قيمة في أوروبا، إذ تتجاوز قيمتها السوقية 400 مليار دولار. لكن الوضع لم يكن كذلك دائمًا.

البدايات

بدأت «إيه إس إم إل» حياتها بوصفها مشروعًا داخل شركة «فيليبس»، عملاق الإلكترونيات الاستهلاكية الهولندي. وخلال سبعينيات القرن العشرين، استحوذت فيليبس على نحو 20 في المئة من سوق الإلكترونيات العالمية، وكانت من كبرى الشركات المصنعة للرقائق. وفي تلك الفترة، كانت آلات الطباعة الحجرية تستخدم أطوالًا موجية تتجاوز 400 نانومتر لطباعة تفاصيل يبلغ حجمها 1000 نانومتر. وكانت الصناعة تواجه صعوبة في تقليص حجم التفاصيل من دون التضحية بالدقة أو السماح بتسلل الغبار والعيوب إلى عملية التصنيع. لذلك، بدأت فيليبس العمل على نموذج أولي خاص بها، مستفيدة من خبرتها في علم البصريات والميكانيكا الدقيقة. لكن المشروع واجه صعوبات بحلول أوائل ثمانينيات القرن العشرين. فقد كانت الشركة تسعى إلى خفض التكاليف، وقدّر المهندسون أنهم سيحتاجون إلى ما يعادل أكثر من 280 مليون دولار بقيمة اليوم لاستكمال تطوير الآلة وإنتاجها.

وفي عام 1984، فصلت فيليبس مشروع «إيه إس إم إل»، وهو اختصار للاسم الإنجليزي «مواد أشباه الموصلات المتقدمة للطباعة الحجرية»، عن الشركة الأم، وأطلقته في صورة مشروع مشترك مع شركة «إيه إس إم إنترناشونال» (ASM International)، وهي مجموعة هولندية كانت تبيع المعدات لصناعة أشباه الموصلات. لكن الشركة الجديدة واجهت صعوبات منذ البداية؛ فلم تكن تمتلك حصة في السوق ولا علامة تجارية معروفة. أما منتجها الأول، «PAS 2000»، فكان إخفاقًا تجاريًا.

استخدمت الآلة ضغط الزيت، على غرار النظام المستخدم في التوجيه المعزز للسيارات، لتحريك المنصة التي تحمل رقاقة السيليكون أثناء تعريضها للضوء، بدلًا من استخدام المحركات الكهربائية. وقد جعلها ذلك سلسة ودقيقة في الحركة، لكنها كانت عرضة لتسرب الزيت. وفي أول مؤتمر شاركت فيه «إيه إس إم إل»، قال لها أحد المسؤولين التنفيذيين في الصناعة: «لقد انتهى السباق بالفعل، ولا مكان لكم هنا». فقررت الشركة العودة إلى استخدام المحركات الكهربائية.

اتبعت الشركة نهجًا غير مألوف منذ البداية. ففي حين كانت الشركتان اليابانيتان العملاقتان «نيكون» و«كانون» تعتمدان على التكامل الرأسي، أي تطوير المكونات الرئيسية وتصنيعها داخليًا، استعانت «إيه إس إم إل» بمصادر خارجية لتوفير مكونات أساسية، مثل الأنظمة البصرية والمحركات، كي تتمكن من التركيز على تجميع الآلة النهائية وتحسين أدائها. وبالنظر إلى اعتمادها على الموردين الخارجيين، كان من المنطقي أن تتبنى تصميمًا معياريًا يتكون من أنظمة فرعية محددة بوضوح.

لكن هذا النهج قوبل بالسخرية في أوساط التصنيع الأوروبية. فقد حذّر مهندسون ألمان قيادة الشركة من أنها «تطلب المتاعب»، وأنها «ستفقد السيطرة تمامًا» إذا لم تصنع المكونات الحيوية بنفسها. إلا أن «إيه إس إم إل» لم يكن لديها خيار آخر؛ إذ افتقرت إلى رأس المال والخبرة والوقت اللازم لبناء هذه الأنظمة الفرعية من الصفر.

وبحلول عام 1988، كانت «إيه إس إم إل» على وشك الانهيار. فقد انسحبت شركة «إيه إس إم إنترناشونال» بالفعل من المشروع، وكانت فيليبس تفكر في إغلاقه. لكن عضوًا واحدًا في مجلس إدارة فيليبس، هو غيرد لورنتس، أنقذ الشركة. وكان لورنتس يشعر بقلق خاص إزاء تزايد اعتماد أوروبا على آسيا في مجال التقنيات الاستراتيجية. ورأى أن على أوروبا امتلاك حصة في صناعة الرقائق. وكان هذا كافيًا لإقناع فيليبس بمنح «إيه إس إم إل» مزيدًا من الوقت، لكنه لم يعالج مشكلتها الأساسية؛ فقد ظلت موردًا أقل كفاءة من منافسيها، من دون ميزة تنافسية واضحة.

استغلت «إيه إس إم إل» الوقت الذي مُنح لها لتطوير آلة «PAS 5500»، التي طُرحت عام 1991، وأصبحت أول منتج يحقق للشركة اختراقًا تجاريًا حقيقيًا. وعلى الرغم من أن نظام الطباعة الحجرية الذي كانت تستخدمه «نيكون» في تلك الفترة كان أكثر دقة، فإن التصميم المعياري لآلات «إيه إس إم إل» أتاح إصلاحها بسرعة في مواقع تشغيلها. وقد قلل ذلك من فترات التوقف، كما أتاح سهولة استبدال الأجزاء عند تعطلها، مما أطال عمر الآلات. وكان هذا أحد العوامل الرئيسية التي دفعت جون كيلي، مدير البحث والتطوير في مجال أشباه الموصلات لدى شركة «آي بي إم»، إلى حث شركته على طلب آلة «PAS 5500» بدلًا من الآلات اليابانية. وهكذا، بدأت «إيه إس إم إل» التوسع عالميًا.

الاختراقات الأولى

اعتمد نجاح «إيه إس إم إل» على مشروعين أُطلقا في أواخر تسعينيات القرن العشرين وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومنحاها أفضلية هائلة في مجال البحث والتطوير. كان المشروع الأول شراكة بين القطاعين العام والخاص، بدأت عام 1997 تحت اسم «شركة الأشعة فوق البنفسجية القصوى ذات المسؤولية المحدودة» (Extreme Ultraviolet Limited Liability Company).

بدأت هذه الشركة بوصفها محاولة لإنقاذ برنامج بحثي. فقبل عام 1997، كانت الأبحاث الأساسية في مجال أشباه الموصلات تُجرى في عدد محدود من المختبرات البحثية، وكانت جميعها تعتمد على المنح الحكومية.

كان البرنامج الأصلي لأبحاث الأشعة فوق البنفسجية القصوى عبارة عن «مختبر وطني افتراضي» يجمع بين مختبر لورانس ليفرمور الوطني، ومختبرات سانديا الوطنية، ومختبر لورانس بيركلي الوطني. وكان كل مختبر مسؤولًا عن جانب مختلف؛ إذ ركز ليفرمور على المرايا والأنظمة البصرية، وتولى سانديا تطوير مصدر الضوء وهندسة الأنظمة، بينما ركز بيركلي على المعدات المتقدمة المستخدمة في الاختبارات. لكن تخفيضات ميزانية وزارة الطاقة الأمريكية عام 1996 وضعت برنامج المختبر الوطني الافتراضي على قائمة المشروعات المهددة بالإلغاء.

كانت شركة «إنتل»، التي كانت آنذاك الشركة الرائدة بلا منازع في صناعة المعالجات الدقيقة، حريصة على الحفاظ على هذا العمل. ولذلك قادت الجهود الرامية إلى إنشاء شركة الأشعة فوق البنفسجية القصوى ذات المسؤولية المحدودة، التي أصبحت أكبر شراكة بين القطاعين العام والخاص من نوعها في تاريخ وزارة الطاقة الأمريكية. وخلال السنوات الست التي عملت فيها، استثمرت الشركة أكثر من 270 مليون دولار في تطوير تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى. وجاء التمويل من بيع حصص في الشركة إلى الشركات الأعضاء، التي حصلت في المقابل على حق الأولوية في شراء معدات الطباعة الحجرية الضوئية التي يجري تطويرها.

في البداية، قصرت الشركة العضوية على الشركات الأمريكية. ولذلك، مُنعت «إيه إس إم إل» من الانضمام، إلى جانب منافستيها اليابانيتين الرئيسيتين «كانون» و«نيكون».

وكانت شركة «سيليكون فالي غروب» (Silicon Valley Group) الشركة الوحيدة المتخصصة في معدات أشباه الموصلات التي انضمت إلى الشراكة منذ تأسيسها. ولم تتجاوز حصتها السوقية خمسة في المئة، مقارنة بحصة «إيه إس إم إل» البالغة 20 في المئة. وخوفًا من مخاطر الاعتماد على شركة صغيرة إلى هذا الحد، خلصت بقية الشركات المشاركة إلى أن فتح باب الشراكة أمام الشركات الأجنبية سيكون أفضل من المخاطرة بالتنازل عن السوق بأكملها.

سُمح لـ«إيه إس إم إل» بالمشاركة بشرط أن تلتزم بإنشاء مركز أبحاث في الولايات المتحدة، وأن تحصل على 55 في المئة من مكونات الأنظمة التي تبيعها في السوق الأمريكية من موردين أمريكيين. لكن هذا الالتزام لم يُطبّق فعليًا. أما منافستاها اليابانيتان، فلم يُسمح لهما بالانضمام مطلقًا، بسبب المخاوف الواسعة الانتشار في الولايات المتحدة من المنافسة اليابانية.

أسهم البرنامج في تكوين قاعدة ضخمة من الملكية الفكرية والمعرفة المتعلقة بعمليات التصنيع. وعادة ما تمنح الشراكات بين القطاعين العام والخاص الشركات المشاركة تراخيص غير حصرية لاستخدام الملكية الفكرية الناتجة عن أعمالها، لكن الشركات الأعضاء في هذه الشراكة حصلت في هذه الحالة على ملكية كاملة لها.

وفي عام 2001، استحوذت «إيه إس إم إل» على شركة «سيليكون فالي غروب» بعد أن واجهت الأخيرة صعوبات في التدفقات النقدية. وبذلك أصبحت «إيه إس إم إل» الشركة الوحيدة المتبقية من مصنعي المعدات المشاركين في الشراكة. وعندما نجح التحالف في إنتاج أول نموذج أولي متكامل الحجم للطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، المعروف باسم «منصة الاختبار الهندسي» (Engineering Test Stand)، كانت «إيه إس إم إل» قد أصبحت وحدها في طليعة مجال الطباعة الحجرية. وقد مثّل هذا النموذج أول برهان عملي على إمكانية استخدام ضوء بطول موجي يبلغ 13.5 نانومترًا لطباعة تفاصيل كثيفة على الرقائق.

وبحلول الوقت الذي اكتمل فيه بناء منصة الاختبار الهندسي، كان البرنامج قد أثبت بالفعل إمكانية توليد ضوء الأشعة فوق البنفسجية القصوى بصورة موثوقة. وأتاح ذلك للمهندسين البدء في بناء المرايا والعدسات التي يمكن استخدامها في معدات الإنتاج الفعلية. لكن حل المسائل العالقة، مثل زيادة معدل إنتاج الآلات أو رفع قدرة مصادر الضوء في بيئات التصنيع، كان يتطلب اختبار الآلات في ظروف تقترب من ظروف التشغيل الحقيقية. ولم تكن أي شركة لتصنيع الرقائق مستعدة لتحمل مشروع بهذا الحجم والمخاطر في تلك المرحلة المبكرة.

أما المشروع الثاني الذي كان أساسيًا لنجاح «إيه إس إم إل»، فهو مركز الأبحاث البلجيكي «المركز المشترك بين الجامعات للإلكترونيات الدقيقة» (IMEC). وهو مؤسسة بحثية تجمع آلات من شركات مختلفة، وتتيح للباحثين اختبارها في بيئات شبه واقعية، مع الحفاظ على سرية الملكية الفكرية للشركات.

وعندما بدأت الشركات التي يُحتمل أن تشتري معدات الطباعة الحجرية من الجيل التالي في دراسة الخيارات المختلفة، استخدمت «إيه إس إم إل» مركز «آي إم إي سي» للترويج لنموذجها الأولي القائم على الأشعة فوق البنفسجية القصوى. وكانت شركة «تي إس إم سي» (TSMC)، التي تُعد اليوم أكبر مسبك لأشباه الموصلات في العالم، على رأس قائمة أهدافها. فمنذ تأسيس «تي إس إم سي» عام 1987، ارتبط تاريخها بتاريخ «إيه إس إم إل» ارتباطًا وثيقًا، إذ كانت شركة فيليبس، الشركة الأم السابقة لـ«إيه إس إم إل»، تمتلك حصة تبلغ 27.5 في المئة فيها. وكان عرض معدات «إيه إس إم إل» في مركز «آي إم إي سي» هو ما دفع «تي إس إم سي» إلى الشراكة معها في تطوير تقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى.

وعلى النقيض من ذلك، التزمت شركتا «كانون» و«نيكون» السرية الشديدة بشأن أبحاثهما، ولم تبذلا جهدًا يُذكر للتعاون مع شركات خارجية. ورغم أن هذا النهج كان يتيح لهما نظريًا الاحتفاظ بقدر أكبر من السيطرة على أعمالهما والاستحواذ على حصة أكبر من سلسلة القيمة، فإنه جعلهما مسؤولتين وحدهما عن حل مجموعة هائلة من المسائل الأساسية في الفيزياء في الوقت نفسه، مع تحمل جميع المخاطر المالية المترتبة على ذلك.

وبما أن الشركات الأخرى تصنع جميع أجزاء آلات «إيه إس إم إل» تقريبًا، فقد أصبحت الشركة تدير سلسلة إمداد مترامية الأطراف تضم أكثر من خمسة آلاف شركة. وقد نوّعت مورديها على مدى السنوات بطريقة مدروسة للغاية؛ إذ يذهب 80 في المئة من إنفاقها إلى شركات في أوروبا والشرق الأوسط، وليس في الولايات المتحدة، على نحو لافت رغم الاتفاقات السابقة. ويساعد ذلك على الحد من مخاطر قيود التصدير والرسوم الجمركية وغيرها من المخاطر الجيوسياسية التي قد تواجه الموردين الأساسيين الموجودين في الولايات المتحدة أو آسيا. كما تسعى الشركة إلى ضمان ألا تتجاوز الإيرادات التي يحصل عليها أي مورد منها 25 في المئة من إجمالي إيراداته، حتى لا يصبح معتمدًا عليها بصورة مفرطة في سوق أشباه الموصلات المتقلبة.

وعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا من الموردين الصغار يوفر معظم مكونات آلاتها، فقد بنت «إيه إس إم إل» علاقات وثيقة مع أكبر مورديها. فاستحوذت على حصة تبلغ 24.9 في المئة في شركة «زايس» المتخصصة في تصنيع الأنظمة البصرية. كما وصف بيتر لايبينغر، نائب رئيس مجلس إدارة شركة «ترومبف» المصنعة لليزرات، العلاقة بين «إيه إس إم إل» و«ترومبف» بأنها علاقة «شركة واحدة اندمجت فعليًا في أخرى».

حسم السباق

لم تتحول الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى إلى تقنية تجارية ناجحة إلا في عام 2018، أي بعد أكثر من عشرين عامًا على تأسيس شركة الأشعة فوق البنفسجية القصوى ذات المسؤولية المحدودة، وبعد 34 عامًا على تأسيس مركز «آي إم إي سي». وخلال هذه الفترة، كانت التقنية تستهلك موارد متزايدة. فبحلول عام 2015، تجاوز إنفاق «إيه إس إم إل» على البحث والتطوير مليار دولار سنويًا، أي أكثر من ضعف إنفاقها في عام 2010. ووفقًا لبعض التقديرات، كان القطاع قد استثمر مجتمِعًا أكثر من 20 مليار دولار في تطوير الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى بحلول عام 2014، من دون أي ضمان لتحقيق عائد على هذا الاستثمار.

تمكنت «إيه إس إم إل» من مواصلة ضخ الأموال في هذا المشروع الذي بدا كأنه ثقب أسود يبتلع الموارد، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها كانت قد تفوقت بالفعل على منافسيها. فبحلول عام 2010، كانت تستحوذ على ثلثي سوق آلات الطباعة الحجرية إجمالًا، وأصبحت المورد المهيمن في سوق الهواتف الذكية المتنامية بسرعة، كما أقامت علاقات وثيقة مع «إنتل» و«سامسونغ» و«تي إس إم سي». وقد رسخت هذا الموقع بانتصارها في المعركة التقنية الحاسمة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

مع بداية الألفية الجديدة، اصطدمت صناعة أشباه الموصلات بأكملها بحاجز مادي. فقد ظلت الدوائر تتقلص تدريجيًا لعقود من الزمن، وذلك ببساطة عبر الانتقال إلى أطوال موجية أقصر، لكن الضوء القياسي بطول موجي يبلغ 193 نانومترًا، أي نحو جزء من خمسمئة جزء من سُمك شعرة الإنسان، أصبح غير دقيق بما يكفي لرسم دوائر أصغر.

حاولت «نيكون» حل هذه المشكلة من خلال تطوير مصدر ضوء جديد بطول موجي أقصر يبلغ 157 نانومترًا. لكن الضوء بهذا الطول الموجي كان يُمتص ويتشوه عند مروره عبر الزجاج العادي، مما اضطر «نيكون» إلى تصنيع العدسات من فلوريد الكالسيوم، وهو بلور نادر وهش ومكلف الصقل، كما أنه عرضة للتشقق عند تعرضه للحرارة. وضخت الصناعة مئات الملايين من الدولارات في هذا المسار، الذي عُرف باسم الطباعة الحجرية الجافة، لكنها اكتشفت في النهاية أن تحديات التصنيع المرتبطة به يصعب التغلب عليها.

ساعدت الشراكات التي أقامتها «إيه إس إم إل» على تجنب هذا الطريق المسدود. فقد نصحها الباحث في «تي إس إم سي»، بيرن لين، بالانتقال إلى تقنية تُعرف باسم الطباعة الحجرية بالغمر. وبدلًا من التخلي عن الضوء ذي الطول الموجي البالغ 193 نانومترًا، واصلت «إيه إس إم إل» استخدامه، لكنها وضعت طبقة من الماء بين العدسة ورقاقة السيليكون. وكما تبدو القشة منحنية ومكبّرة عندما توضع داخل كأس من الماء، يتسبب الماء داخل الآلة في انحناء موجات الضوء، مما يحسّن تركيزها ويسمح بطباعة دوائر أصغر من دون الحاجة إلى عدسات جديدة.

وضاعفت «إيه إس إم إل» هذه الأفضلية من خلال تقديم تصميم ثوري للآلات أطلقت عليه اسم «توين سكان» (TWINSCAN). ففي الآلات القديمة، كان مصدر الضوء يتوقف عن العمل مؤقتًا بينما تتوقف الآلة لقياس سطح رقاقة السيليكون والتأكد من استوائه. أما «إيه إس إم إل»، فاستبدلت بذلك نظامًا مزدوج المراحل، تتضمن فيه الآلة الضخمة منصتين؛ إذ يجري قياس إحدى الرقاقتين في الخلفية بينما تُطبع الأنماط على الأخرى في الوقت نفسه. وقد ألغى ذلك فترات التوقف غير المنتجة من عملية التصنيع، ومكّن الشركات المصنعة للرقائق من إنتاج عدد أكبر بكثير من الرقائق في الساعة. وبحلول الوقت الذي تخلت فيه «نيكون» عن مشروعها ذي الطول الموجي البالغ 157 نانومترًا عام 2005، كانت «إيه إس إم إل» قد أصبحت المعيار السائد في الصناعة، بحصة سوقية بلغت 53.2 في المئة.

كانت آلات «إيه إس إم إل» أفضل من آلات منافسيها بدرجة كبيرة، إلى حد أنها استطاعت بيعها بسعر يقارب ضعف سعر الأجهزة المنافسة؛ إذ بلغ سعر آلتها 55 مليون دولار، مقابل 30 مليون دولار للجهاز المماثل من «نيكون».

لكن ذلك لم يكن كافيًا أيضًا. فعلى الرغم من أن «إيه إس إم إل» بدأت شحن النماذج الأولية من آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى إلى مركز «آي إم إي سي» منذ عام 2006، فإنها كانت بطيئة للغاية وكثيرة الأعطال، إلى درجة جعلتها عديمة الجدوى التجارية. وفي عام 2012، كانت «إيه إس إم إل»، التي لا تزال تعاني آثار الأزمة المالية العالمية، تواجه صعوبة في مواصلة تمويل جهودها لتطوير هذه التقنية.

وفي خطوة جذرية، جمعت بين محاولة يائسة لإبقاء جهود البحث والتطوير في الشركة على قيد الحياة ومراهنة استراتيجية لحسم سوق الأشعة فوق البنفسجية القصوى نهائيًا، أطلقت قيادة «إيه إس إم إل» برنامجًا للاستثمار المشترك باعت بموجبه 23 في المئة من أسهم الشركة إلى أكبر ثلاثة عملائها، وهم «إنتل» و«تي إس إم سي» و«سامسونغ».

وأتاح التمويل أيضًا لـ«إيه إس إم إل» إتمام صفقة استحواذ بقيمة 2.5 مليار دولار على أحد مورديها، شركة «سايمر» (Cymer)، المتخصصة في إنتاج مصادر الضوء المستخدمة في الطباعة الحجرية. ومكّن هذا الاستحواذ «إيه إس إم إل» من الاستثمار في جهود البحث والتطوير لدى «سايمر» لتحسين مصدر الضوء المعتمد على الأشعة السينية اللينة. وتعتمد هذه التقنية على ضرب قطرات القصدير سريعة الحركة بقوة هائلة تؤدي إلى انتزاع الإلكترونات منها، ولكن بدقة تكفي لتجنب إنتاج حطام كثيف يترسب على المرايا. وقد تحقق ذلك بالانتقال من نبضة ليزر واحدة إلى نبضتين منفصلتين؛ إذ تعمل النبضة التمهيدية على تشكيل القطرة، بينما تولّد النبضة الرئيسية البلازما. وقد أدى هذا التغيير إلى تحسين الكفاءة والاستقرار.

وكانت الشراكة الوثيقة بين «إيه إس إم إل» و«تي إس إم سي» حاسمة على نحو خاص. ففي عام 2014، أطلقت «تي إس إم سي» أول رقاقة لها لصالح شركة «أبل»، التي أصبحت أكبر عملائها آنذاك، وبدأت تضغط على الشركة المصنعة لتوفير رقائق ذات أداء أعلى مما تستطيع معداتها الحالية إنتاجه. وأصبح استكمال تطوير آلة تجارية للطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى أمرًا ملحًا بالنسبة إلى «إيه إس إم إل».

عملت الشركتان معًا عن كثب إلى درجة أن أنتوني يين، مدير القسم في «تي إس إم سي» المسؤول عن الإشراف على تطوير تقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى، وصفهما بأنهما «فريق واحد». وعمل مهندسو الشركتين في مواقع التطوير بلا كلل، يعالجون المشكلات ويجرون التحسينات المتكررة، إلى أن تمكنوا من بلوغ معدل الإنتاج المطلوب، وهو 500 رقاقة يوميًا لمدة شهر كامل.

وخلال هذه الفترة، أعاد الفريق المشترك تصميم كل من مولّد قطرات القصدير والطريقة التي يضرب بها الليزر كل قطرة. وأنتج التصميم الجديد قطرات يبلغ حجمها نحو نصف حجم القطرات الأصلية، مع الحفاظ على مستوى الطاقة فوق البنفسجية نفسه. وتنتج القطرات الأصغر حطامًا أقل بكثير عند تبخيرها، مما يبطئ تراكم القصدير على المرآة الجامعة للضوء. وبما أن المرآة تتدهور بوتيرة أبطأ، فإنها تحتاج إلى الاستبدال مرات أقل، وهو ما يسمح للآلة بمواصلة العمل لفترات أطول.

كانت هذه الشراكة مكسبًا لـ«إيه إس إم إل»، إذ ساعدتها على تجاوز بعض التحديات الهندسية والتجارية الرئيسية. كما أتاحت لـ«تي إس إم سي» أن تكون من أوائل الشركات التي تتبنى أحدث التقنيات. وبحلول عام 2019، كانت «تي إس إم سي» توسّع نطاق الإنتاج الضخم باستخدام تقنية التصنيع ذات العقدة البالغة سبعة نانومترات، وبدأت الهواتف المزودة برقائق مصنّعة بتقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى تُطرح في الأسواق بحلول نهاية العام نفسه.

في المقابل، تخلت الشركات المنافسة، مثل «نيكون»، التي لم تؤمن يومًا بتقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى بالقدر نفسه، عن جهودها فعليًا. ففي تقريرها السنوي لعام 2013، أشارت «نيكون» إلى أن تقدمها في تطوير هذه التقنية لم يسر وفقًا للخطة، ولم تعد تذكرها في أي تقرير سنوي لاحق. ومع تقدم «إيه إس إم إل» على منافسيها في البحث والتطوير، واستحواذها على الطلب من العملاء الرئيسيين، في وقت كان فيه منافسوها يواجهون صعوبة في تبرير إنفاقهم على البحث والتطوير عقب الأزمة المالية، أصبحت «إيه إس إم إل» الشركة الوحيدة المتبقية في السباق نحو تسويق هذه التقنية تجاريًا.

أهمية المعرفة الضمنية

عملت «إيه إس إم إل» منذ وقت مبكر على ترسيخ ثقافة أكثر تقبلًا للمخاطر من ثقافة الشركات الأخرى في القطاع. وكانت تميل إلى ترقية أصحاب المواهب الواعدة في مراحل مبكرة من مسيرتهم المهنية، كما اشتهرت بقدرتها على الاحتفاظ بموظفيها الأساسيين لعقود. ويرجع جانب كبير من ذلك إلى سنواتها الأولى الصعبة؛ فقد كانت الشركة بحاجة إلى مواهب جيلها الشاب لإنقاذها، ولذلك كانت أكثر استعدادًا لمنحهم الترقيات والصلاحيات بسرعة.

على سبيل المثال، انضم مارتن فان دن برينك إلى «إيه إس إم إل» عام 1984. وخلال 18 شهرًا فقط، عندما كان يبلغ 29 عامًا، أصبح واحدًا من شخصين رُقّيا لقيادة تطوير أحد المشروعات الرائدة الأولى للشركة. واستمر في العمل لديها طوال مسيرته المهنية، وتولى منصبي الرئيس التنفيذي للتقنية ورئيس الشركة، إلى أن تقاعد عام 2024. وكانت هذه الممارسة أقل شيوعًا بكثير لدى المنافسين اليابانيين لـ«إيه إس إم إل»، الذين اتسموا بهياكل إدارية أكثر هرمية، وكانوا يميلون إلى مكافأة الأقدمية أكثر من الأداء.

ويكتسب الاحتفاظ بأفضل الموظفين أهمية خاصة في مجال مثل الطباعة الحجرية الضوئية، حيث يعتمد تجميع الآلات على قدر هائل من المعرفة الضمنية، أي المعرفة المكتسبة بالتجربة والممارسة التي يصعب تدوينها بالكامل في الوثائق أو نقلها بالتعليمات وحدها. وقد أخبر أحد مهندسي «إيه إس إم إل» ذات مرة هي رونغمينغ، مؤسس شركة «شنغهاي لمعدات الإلكترونيات الدقيقة»، إحدى أبرز الشركات الصينية المنافسة لـ«إيه إس إم إل»، بأن شركته لن تتمكن من إعادة إنتاج منتجات «إيه إس إم إل» حتى لو امتلكت المخططات الهندسية. وأوضح أن منتجات الشركة تجسّد «عقودًا، إن لم يكن قرونًا» من المعرفة والخبرة.

وقد حاول المنافسون الصينيون لـ«إيه إس إم إل» بصورة منهجية استقطاب مهندسين سابقين من الشركة، كما توجد حالة واحدة موثقة على الأقل لموظف سابق في «إيه إس إم إل» نقل معلومات مملوكة للشركة بصورة غير قانونية. لكن يبدو أن أيًا من هذه الجهود لم يسهم في تقليص الفجوة التقنية بين الطرفين.

عملاق أوروبي

تُعد «إيه إس إم إل» مثالًا نادرًا على شركة تكنولوجية أوروبية عملاقة. ولم يكن نجاحها ثمرة الانغلاق الأوروبي على الذات، بل نتيجة التعاون عبر الأطلسي. فلولا انضمام الشركة إلى برنامج ممول من شركات أمريكية لصناعة الرقائق، لربما ظلت «كانون» و«نيكون» تهيمنان حتى اليوم على صناعة للطباعة الحجرية أقل تقدمًا مما هي عليه الآن.

وكان التعاون مع الشركات الأخرى لا يقل أهمية عن ذلك. فبينما منح التكامل الرأسي شركتي «نيكون» و«كانون» سيطرة كاملة على عملياتهما، فإنه حصر قدرتهما على الابتكار ضمن حدود مواردهما الداخلية. وفي نظام يتجاوز عدد مكوناته مئة ألف مكوّن، تبيّن أن هذا القيد كان حاسمًا في إخفاقهما في مجاراة المنافسة. أما النهج المعياري الذي تبنته «إيه إس إم إل»، فقد أتاح لها الاستفادة من أحدث التطورات في الفيزياء من خلال الاستحواذ على شركة «سايمر» والاستثمار في شركة «زايس»، في الوقت الذي وزّعت فيه المخاطر على عملائها، مثل «إنتل» و«تي إس إم سي». وقد أنشأت هذه الاستراتيجية منظومة عمل جماعية استطاعت إنفاق أموال أكثر والتقدم بوتيرة أسرع من جميع المنافسين الذين حاولوا تحمل العبء بمفردهم.

وقد تطلب ذلك قدرًا كبيرًا من الشجاعة. إذ أنفقت «إيه إس إم إل» مليارات الدولارات على تطوير تقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى وتسويقها تجاريًا، من دون أي ضمان لنجاحها. وحتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان كثير من خبراء أشباه الموصلات يشككون في إمكانية تحويل هذه التقنية إلى منتج تجاري ناجح. أما اليوم، فقد أصبحت هذه التقنية من أهم التقنيات في العالم.

لكن «إيه إس إم إل»، وأوروبا معها، لا تستطيعان الوقوف مكتوفتي الأيدي. ففي الوقت الذي تتمتع فيه الشركة بمكانتها بوصفها ركيزة لا غنى عنها في واحدة من أهم الصناعات العالمية، يعمل آخرون على ابتكار نموذج جديد لتقنيات الرقائق. ومن المرجح أن قانون مور لن يتوقف عند هذا الحد، وخلال سنوات قليلة، لن يكون حجم خمسة نانومترات صغيرًا بما يكفي.

المصدر

مقالات ذات صلة