يرى معظم الاقتصاديين أن المنافسة بين الشركات هي المحرك للابتكار والنمو الاقتصادي والازدهار في اقتصادات السوق الحديثة. والمنافسة من القوى الاقتصادية القليلة التي وُضعت قوانين وهيئات تنظيمية مخصصة لتعزيزها، كما يكاد الجميع يتفقون على أن بعض التدخلات الرامية إلى تشجيعها أمر يستحق العناء. لكن على الرغم من الاتفاق شبه العام على أن المنافسة أمر بالغ الأهمية، فإن الاتفاق على ماهية المنافسة الفعلية أكثر صعوبة بكثير.
بدلًا من ذلك، يعتمد الاقتصاديون والمحاكم والهيئات التنظيمية على مؤشرات بديلة غير مثالية لقياس المنافسة، وغالبًا ما تتعارض هذه المؤشرات فيما بينها. بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية لا يرغب فيها أحد تقريبًا، مثل الطعون القانونية، وحظر ممارسات تجارية من شأنها في الواقع زيادة الابتكار أو النمو، ومنع عمليات الاندماج التي قد تجعل الأسواق، على نحو متناقض، أقل تنافسية.
إن الوصول إلى مقياس موثوق وقابل للاستخدام للمنافسة، يتوافق بالفعل مع المؤشرات الأخرى التي تحدد مدى سلامة السوق، يُعد بمثابة الكأس المقدسة في علم الاقتصاد.
مؤشرات بديلة غير مثالية للمنافسة
تعتمد المقاربات التقليدية للمنافسة على مؤشرات بديلة، مثل تركز السوق، الذي يقيس مقدار الحصة السوقية التي تستحوذ عليها أكبر الشركات.
فمثلًا، يُقال إن دولة لا تضم سوى سلسلتين من متاجر البقالة، تستحوذ كل منهما على 50 في المئة من السوق، تتمتع بتركيز سوقي مرتفع مقارنة بدولة تضم ألف متجر، لا يستحوذ كل منها إلا على 0.1 في المئة من إنفاق المستهلكين على البقالة. قد يبدو هذا المنطق بديهيًا بما يكفي، لكنه قد يكون مضللًا.
أولًا، إن قياس تركز السوق على المستوى الوطني قد يحجب ما يحدث على المستوى المحلي. ففي الولايات المتحدة، ارتفع التركز في قطاع التجزئة على مستوى البلاد منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، مع توسع سلاسل مثل وول مارت وكروغر وتارغت وافتتاحها مزيدًا من الفروع في مختلف أنحاء البلاد. وقد ارتفع التركز وفقًا للمقياس المعتاد إلى أكثر من ثلاثة أضعاف بين عامي 1992 و2012. لكن تركز قطاع التجزئة على المستوى المحلي لم يزد خلال الفترة نفسها إلا بنحو الثلث.
أدى توسع السلاسل الوطنية إلى افتتاح متاجر جديدة في مناطق لم تكن تضم سابقًا سوى عدد محدود من المتاجر المحلية الصغيرة، ما عرّض تلك المناطق لمنافسة جديدة، وكثيرًا ما كانت شديدة، دفعت الشركات إلى خفض الأسعار وتحسين ما تقدمه للمستهلكين.
وحتى عندما يرتفع التركز، لا يعني ذلك بالضرورة تراجع المنافسة. فقد تستفيد الشركات الأكبر حجمًا من وفورات الحجم، التي تتيح لها الاستثمار في تقنيات أفضل وشراء السلع أو إنتاجها بكميات كبيرة، الأمر الذي يساعدها على خفض الأسعار. وقد تفوق هذه المنافع أي خسارة في المنافسة ناجمة عن انخفاض عدد الشركات العاملة في السوق. ومن ثم، قد يكون ارتفاع التركز علامة على أن السوق يعمل بكفاءة، إذ تنمو الشركات الأكثر إنتاجية على حساب الشركات الأقل كفاءة.
وتظهر مشكلة قياس التركز أيضًا عندما نوسّع نطاق النظر من الدول إلى التجارة الدولية. فعندما تتراجع الحواجز التجارية، تتوسع أفضل الشركات في الدولة وتزداد أحجامها مع دخولها الأسواق الخارجية، في حين قد تخرج الشركات المحلية الأضعف من السوق تحت ضغط المنافسة مع الشركات الأجنبية، ومع أكثر منافسيها المحليين كفاءة، الذين يستفيدون بدورهم من وفورات حجم أكبر نتيجة التصدير إلى الأسواق الدولية.
بوجه عام، يُعد التركز نتيجة لعمليات السوق، لا سببًا لها. وليست هذه مجرد مشكلة في جمع البيانات يمكن حلها بتحسين أساليب القياس. فحتى لو استطعنا قياس التركز بدقة تامة، من خلال إحصاء كل شركة وتتبع كل تغير في الحصص السوقية لحظة بلحظة، فلن يخبرنا ذلك بما نريد معرفته فعلًا عن المنافسة. فالمشكلة ليست أن هذا المقياس يتضمن ضوضاء إحصائية فحسب، بل إنه كثيرًا ما يشير إلى الاتجاه الخاطئ. فلماذا نستمر في استخدامه؟
بدلًا من التركيز على تركز السوق، اتجهت التحليلات الأكثر تطورًا للقوة السوقية إلى دراسة الهوامش السعرية، أي الفجوة بين تكلفة إنتاج وحدة إضافية من السلعة والسعر الذي تفرضه الشركة مقابلها. لكن هذا النهج يعاني بدوره من عيوب تكاد تضاهي عيوب التركز. فقد تكون الهوامش السعرية المرتفعة مجرد مكافأة على الاستثمار في منتجات أفضل أو تقنيات تخفض التكاليف.
قد تفرض شركة أدوية أسعارًا مرتفعة مقارنة بتكاليف التصنيع من أجل استرداد استثماراتها الكبيرة في البحث والتطوير. وقد شهدت شركة نوفو نورديسك، المطورة لدواءي أوزمبيك وويغوفي، نموًا سنويًا في الأرباح بلغ 27 في المئة، ثم 36 في المئة، ثم 31 في المئة خلال الأعوام 2022 و2023 و2024، مع إدراك العالم أن دواءها المخصص لعلاج السكري يمكن استخدامه أيضًا أداة فعالة لإنقاص الوزن.
يتعين على الشركات التي تحقق اختراقات ابتكارية أو تحسن إنتاجيتها بطرق أخرى أن تحقق هوامش سعرية أعلى لفترة من الزمن، وإلا فلن يكون لديها حافز يُذكر لتحمل تكاليف رفع الإنتاجية. وكما هي الحال مع التركز، فإن وجود هوامش سعرية مرتفعة غالبًا ما يكون إشارة إلى أن السوق يعمل بكفاءة، لا إلى وجود مشكلة في المنافسة.
من الأجدى أن يستند مقياس المنافسة إلى ما نريد منها تحقيقه فعلًا، وذلك بالانطلاق من النتائج المنشودة والعمل عكسيًا لتحديد خصائص الأسواق التي تحققها. فالمنافسة تنجح لأنها تكافئ الشركات التي تجد طرقًا أفضل لخدمة العملاء، وتعاقب الشركات التي تبالغ في فرض الأسعار أو تقدم منتجات دون المستوى المطلوب. وعندما تكون الأسواق تنافسية، تنمو الشركات التي تقدم منتجات مرغوبة بتكلفة أقل مع انتقال العملاء إليها، ما يضغط على منافسيها ويدفعهم إلى التحسن عبر خفض الأسعار أو تقديم منتجات أفضل. وقد يضطر هؤلاء المنافسون في نهاية المطاف إلى الخروج من السوق تمامًا.
باختصار، نريد قياس ما إذا كانت الأسواق تكافئ التميز أم الجمود. وتبيّن أن هناك مقياسًا يحقق ذلك، يُعرف باسم تحليل أولي وبيكس للتفكيك الإنتاجي (Olley-Pakes decomposition). يقيس هذا التحليل ما إذا كان العملاء ينتقلون إلى الشركات الأعلى إنتاجية. فإذا كانت الشركات الأكثر إنتاجية تكسب حصة سوقية أكبر، أمكننا الحكم بأن السوق تنافسي ويعمل على نحو جيد. أما إذا لم يحدث ذلك، ولم تحقق الشركات الأكثر إنتاجية أداءً أفضل من الشركات الأقل إنتاجية، فهذا يعني وجود خلل قد يستدعي التدخل.
قياس ديناميكية السوق
في عام 1950، أنتجت شركات صناعة السيارات اليابانية 31,597 مركبة فقط، وهو عدد لا يتجاوز ما كانت الولايات المتحدة تنتجه في يوم واحد. لكن القيود التي فرضتها ظروف اليابان بعد الحرب دفعت هذه الشركات إلى اتخاذ خيارات جعلتها أكثر إنتاجية بكثير من نظيراتها الأمريكية.
بعد أن قرأ مقالًا صحفيًا عن متاجر السوبرماركت الأمريكية، فرض تاييتشي أونو، أحد المديرين التنفيذيين في تويوتا، نظامًا للإنتاج قائمًا على «السحب». فبدلًا من أن يرسل كل مورد الكمية نفسها من المنتجات بصرف النظر عن حجم الطلب، كما يحدث في نظام «الدفع» الذي فضّله الموردون الأمريكيون، أصبحت مصانع تويوتا تحتفظ في مخزونها بما تحتاج إليه فقط لتشغيل دفعة الإنتاج التالية، مع هامش احتياطي صغير.
ولمواصلة الحد من النفقات، اشترى مهندسو تويوتا مكابس ختم صناعية رخيصة ومتعددة الاستخدامات، وقلصوا عدد الطرازات المتاحة، ووحّدوا مواصفات الأجزاء المستخدمة في تصنيعها.
كان العمال يتمتعون بمهارات عامة، وطُلب منهم الإشراف على خطوط إنتاج أكبر بكثير من تلك التي يشرف عليها نظراؤهم الأمريكيون. وبحلول عام 1963، أصبح كل عامل في تويوتا يشرف على خمس آلات، مقارنة بثلاث آلات عام 1949 وآلة واحدة عام 1946. وبعد ملاحظة المشكلات التي واجهتها الشركات الأمريكية بسبب النزاعات العمالية، ضمّ مسؤولو شركات السيارات موظفين إداريين إلى النقابات، كما عرضوا على قادة النقابات مناصب إدارية، وعلى العمال ذوي النفوذ وظائف مدى الحياة.
وعندما بدأت تويوتا ونيسان التوسع بقوة في سوق السيارات الأمريكية خلال سبعينيات القرن الماضي، كانت الشركات اليابانية قد أصبحت أكثر كفاءة بكثير من نظيراتها الأمريكية؛ إذ أنتجت سيارات أكثر موثوقية، واحتاجت إلى ساعات عمل أقل لتصنيع كل مركبة.
لكن وصول هذه الشركات اليابانية لم يؤد إلا إلى تحسن طفيف في الإنتاجية الإجمالية للقطاع. فعلى الرغم من دخول مصانعها عالية الإنتاجية، في اليابان والولايات المتحدة على حد سواء، إلى السوق ورفعها متوسط إنتاجية شركات السيارات التي تبيع للمستهلكين الأمريكيين قليلًا، ظلت أعداد السيارات التي تنتجها الشركات اليابانية محدودة للغاية. لذلك كان تأثيرها في إجمالي الإنتاجية ضئيلًا مقارنة بالشركات الأمريكية القائمة، التي كانت تهيمن على السوق رغم انخفاض كفاءتها.
مع مرور الوقت، بدأ المستهلكون الأمريكيون يدركون مدى جودة السيارات اليابانية. ومع توسع تويوتا وهوندا في الإنتاج، أخذت مصانعهما الأكثر كفاءة تستحوذ على حصص سوقية أكبر. ولم تكن الشركات اليابانية قد غيرت تقنيات الإنتاج التي تستخدمها، لكن انتقال العملاء إليها بمرور الوقت أدى إلى توجيه مزيد من الموارد نحوها. وهكذا عمل السوق التنافسي والديناميكي بالطريقة التي يُفترض أن يعمل بها، إلى حد كبير.
وهذا التحول هو ما يلتقطه تحليل أولي وبيكس، الذي يقسم الإنتاجية إلى عنصرين: متوسط كفاءة الشركات مرجحًا بحصصها السوقية، ومتوسط كفاءة جميع الشركات من دون ترجيح، بصرف النظر عن حجم كل منها. ويكشف الفرق بين هذين المتوسطين، الذي يُسمى «التغاير»، ما إذا كان السوق يكافئ الكفاءة فعلًا. فإذا كانت قيمة التغاير موجبة، فهذا يعني أن الشركات الأكبر حجمًا أكثر إنتاجية من متوسط القطاع، وأن السوق يؤدي وظيفته على نحو جيد. أما إذا كانت سالبة، فهذا يشير إلى وجود عائق يمنع الشركات الأفضل أداءً من التوسع على حساب منافسيها.
في حالة صناعة السيارات، لم يتغير متوسط كفاءة الشركات العاملة في السوق، عند حسابه دون ترجيح، إلا قليلًا بعد دخول شركات السيارات اليابانية. لكن مع ازدياد مبيعات السيارات اليابانية للمستهلكين الأمريكيين، ارتفعت قيمة التغاير ارتفاعًا كبيرًا.
وتكمن ميزة هذا النهج في أنه لا يعتمد على أحكام مسبقة بشأن عدد الشركات اللازم لاعتبار السوق تنافسيًا، وهو عدد قد يختلف باختلاف الأسواق والفترات الزمنية، ولا على تقديرات لما ينبغي أن تحققه الشركات من أرباح. بل يركز على ما إذا كان السوق يكافئ الشركات الأكثر كفاءة فعلًا، ويفصل بين التقدم التكنولوجي وإعادة توزيع الموارد بين الشركات.
وقد يرتفع التغاير حتى مع ارتفاع تركز السوق. فعلى خلاف مقاييس التركز، يمكن لتحليل أولي وبيكس أن يشير إلى تعزيز المنافسة في الوقت الذي تتوحد فيه الشركات أو تتقلص أعدادها، إذا كان نجاح الشركات الأعلى إنتاجية هو ما يدفع هذا التوحد. وقد وجدت دراسات أن العلاقة بين الإنتاجية والحصة السوقية تميل إلى التعزز بعد الإصلاحات التي تدعم المنافسة، كما تكون أقوى في البلدان التي يُنظر إليها عمومًا على أنها تتمتع بأسواق أكثر تنافسية.
ولفهم أثر استخدام تحليل أولي وبيكس بدلًا من المقاييس الأخرى في سياسات المنافسة، سأناقش مثالين توضيحيين: إنهاء احتكار شركة «إيه تي آند تي» لقطاع الهاتف في الولايات المتحدة، وهو مثال يكاد يكون مثاليًا على إنهاء احتكار قانوني، والتحرير الاقتصادي في كولومبيا خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو مثال جيد على إصلاحات وطنية لتعزيز المنافسة خارج سياق الأزمات.
احتكار الهاتف في الولايات المتحدة
خلال معظم القرن العشرين، أدارت شركة إيه تي آند تي شبكة الهاتف المهيمنة في الولايات المتحدة، وقدمت خدمات الهاتف والأجهزة التي تتصل بالشبكة على حد سواء. وكانت تخدم نحو 75 في المئة من خدمات الهاتف المحلية في البلاد، وتقريبًا جميع المكالمات بعيدة المدى. ولم تكن الأسر تشتري أجهزة الهاتف، بل تستأجرها. ولأن الشركة لم تكن تسمح عمومًا باستخدام أجهزة من جهات خارجية على شبكتها، كانت شركتها التصنيعية التابعة، ويسترن إلكتريك، توفر 90 في المئة من المعدات المستخدمة على الشبكة.
كان الهاتف المكتبي التقليدي هو طراز ويسترن إلكتريك 500، وهو هاتف أسود متين يعمل بالقرص الدوار. وإذا وُجدت أي منافسة أصلًا، فقد اقتصرت على المفاضلة بين هواتف إيه تي آند تي وبدائل غير عملية إلى حد بعيد، مثل إرسال الرسائل أو البرقيات، أو السفر فعليًا لمقابلة الشخص الذي يريد المرء التحدث إليه، وغير ذلك.
أجبر قرار «كارترفون» الصادر عام 1968 شركة إيه تي آند تي على السماح بتوصيل بعض الأجهزة التابعة لجهات خارجية بشبكتها. وكان لهذا القرار أثر كبير في المنافسة؛ إذ تضاعف تقريبًا عدد مصانع معدات الاتصالات، مثل أجهزة التحويل في المقاسم المركزية والهواتف، بين عامي 1967 و1972، مع دخول شركات جديدة إلى السوق. وبحلول عام 1987، بلغ عدد المصانع 584 مصنعًا تديرها 481 شركة مختلفة، مقارنة بـ164 مصنعًا و131 شركة فقط عام 1967.
وكان معدل دخول الشركات وخروجها من السوق مرتفعًا. فقد أُغلق بحلول عام 1987 نحو 60 في المئة من المصانع التي كانت تعمل عام 1972، وكانت هذه المصانع تمثل 40 في المئة من الإنتاج والوظائف في القطاع. كما أن أكثر من خمسي المصانع التي كانت تعمل عام 1982 لم تتمكن من الاستمرار حتى عام 1987، وكانت تمثل نحو ربع إنتاج عام 1982.
وأصبح هذا التغير السريع في الشركات المصنعة لهواتف المستهلكين أكثر وضوحًا بعد صدور قرار قانوني أجبر إيه تي آند تي عام 1984 على تقسيم شبكتها إلى سبع شبكات إقليمية.
يمكننا اتخاذ هذه الحالة نموذجًا مرجعيًا لسوق يتمتع بدرجة استثنائية من المنافسة. فالمقاييس الثلاثة التي ناقشناها ستحدد هذا التحول على نحو صحيح. انخفض التركز عندما أُجبرت الشركة المحتكرة على تقاسم السوق مع عدد كبير من المنافسين. ولم تُتتبَّع الهوامش السعرية، لكن من المرجح جدًا أنها انخفضت، لأن المنتجات كانت بسيطة ومتشابهة، ولم تكن تعتمد على استثمارات ضخمة في البحث والتطوير أو على الحماية الواسعة للملكية الفكرية.
ويصل تحليل أولي وبيكس إلى النتيجة نفسها؛ إذ لم يشهد متوسط كفاءة مصانع التصنيع تحسنًا يُذكر بين عامي 1974 و1987.
لم تصبح المصانع الفردية فجأة أفضل بكثير في تصنيع الهواتف لمجرد ظهور منافسة جديدة. بل كان التغيير الحقيقي في المصانع التي تولت الجزء الأكبر من الإنتاج. ففي بداية هذه الفترة التنافسية، لم تكن هناك تقريبًا أي علاقة بين كفاءة المصنع وحجم إنتاجه؛ إذ لم يتجاوز معامل الارتباط 0.01 عام 1974. وبمعنى آخر، لم تكن المصانع القادرة على تصنيع الهواتف بسرعة وكفاءة تملك عمليًا أي فرصة لزيادة حصتها في السوق على حساب منافسيها الأبطأ والأعلى تكلفة.
ولأن عملاء إيه تي آند تي لم يكن لديهم خيار بشأن الشركة التي يشترون منها أجهزتهم، ولأن الشركة لم تكن تخسر عملاءها عندما تجعلهم يعتمدون على موردين غير أكفاء، لم يكن المصنعون الذين يستطيعون الإنتاج بكفاءة أعلى يحصلون على أعمال إضافية.
لكن الوضع تغير بحلول عام 1980. فقد أتاح فتح سوق الهاتف أمام الاختيار والمنافسة للمستهلكين، أخيرًا، البحث عن هواتف أرخص وأفضل، ومكّن المنتجين الأكثر كفاءة من الاستفادة من ذلك. وارتفع معامل الارتباط بين كفاءة المصنع وحصته من الإنتاج من 0.01 إلى 0.28 بحلول عام 1980، ثم بلغ 0.35 في العام التالي.
يشبه هذا المثال التاريخي مجموعة ضابطة في التجارب؛ فهو يوضح أن تحليل أولي وبيكس يعطي النتيجة الصحيحة في الحالات الواضحة التي ترتفع فيها المنافسة، متفقًا في هذه الحالة مع مقياس التركز، وعلى الأرجح مع الهوامش السعرية أيضًا.
الإصلاحات في كولومبيا
يمكننا تطبيق هذا المنظور على المنافسة ليس في قطاعات محددة فحسب، بل على الاقتصادات بأكملها. فعلى خلاف كثير من البلدان التي شهدت إصلاحات اقتصادية كبيرة، لم تكن كولومبيا في تسعينيات القرن الماضي تعيش أزمة اقتصادية. بل جاءت الإصلاحات نتيجة تضافر ضغوط خارجية، من البنك الدولي إلى تزايد شعبية ما يُعرف بـ«توافق واشنطن»، ثم دفعت بها إلى أبعد من ذلك الحكومة الإصلاحية للرئيس سيزار غافيريا.
كان تحرير التجارة محورًا أساسيًا في برنامج الإصلاح. فقد خفضت البلاد متوسط الرسوم الجمركية على الواردات من أكثر من 62 في المئة إلى نحو 15 في المئة، ما عرّض المنتجين المحليين لمنافسة دولية أشد بكثير. كما جرى تحرير أسواق العمل، إذ انخفضت تكاليف تسريح العمال بنسبة 60 في المئة أو أكثر، ما سهّل على الشركات إعادة هيكلة قواها العاملة.
قبل هذه الإصلاحات، لم يكن نجاح المصنع مرتبطًا بالضرورة بكفاءته في إنتاج السلع. فقد يهدر المصنع المواد والعمالة نسبيًا، لكنه يظل ناجحًا إذا كان يتمتع بقاعدة قوية من العملاء المحليين، لأن الشركات المحلية وحدها كانت قادرة على المنافسة، ولأن دخول شركات جديدة إلى السوق كان مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر.
وفي صناعة السيارات، دعمت السياسات الحمائية في كولومبيا سوقًا تهيمن عليه ثلاث شركات محلية فقط لتجميع السيارات باستخدام أجزاء مصنّعة في الخارج. وكانت الرسوم الجمركية، التي بلغ متوسطها نحو 200 في المئة، تمنع فعليًا دخول السيارات المجمعة في الخارج إلى السوق. ونتيجة لذلك، كانت السيارات المبيعة في كولومبيا تكلف عادة ضعفين إلى ثلاثة أضعاف أسعارها الدولية، رغم تقديمها مزايا أقل وجودة أدنى.
خفضت الإصلاحات الرسوم الجمركية على السيارات المصنّعة في الخارج من 200 في المئة إلى نحو 38 في المئة بين عامي 1990 و1992. وفي عام 1991، لم يكن متاحًا في كولومبيا سوى 26 طرازًا من السيارات، جرى تجميعها جميعًا محليًا. وبحلول عام 1992، أي بعد عام واحد فقط من الإصلاحات، ارتفع عدد الطرازات المعروضة إلى 71 طرازًا، كان 44 منها مستوردًا.
انهارت أسعار السيارات بعد الإصلاحات، إذ انخفضت من ذروة بلغت 25 ألف دولار عام 1987، وفقًا لقيمة الدولار في عام 1996، إلى ما يزيد قليلًا على 15 ألف دولار بعد عشر سنوات. وفي الوقت نفسه، تضاعفت مبيعات السيارات تقريبًا على الفور. كما زادت مبيعات الشركات المحلية مع نمو سوق السيارات عمومًا، لكنها فقدت جزءًا من حصتها السوقية. وأدى تحرير السوق إلى خفض الأسعار وتوسيع خيارات المستهلكين وإعادة توزيع الحصص السوقية بما يعكس المشهد التنافسي الجديد.
وخلال خمس سنوات، تحسنت المصانع القائمة في أداء أعمالها، فرفعت كفاءتها بنحو ثلاثة في المئة. لكن المكسب الأكبر جاء من قدرة السوق الجديدة على مكافأة الكفاءة. فقد توسعت المصانع الأكثر إنتاجية بوتيرة أسرع من المصانع الأقل إنتاجية، ما أدى إلى ارتفاع الإنتاجية الإجمالية بنحو ثمانية في المئة. ولذلك، ازدادت الفجوة بين الإنتاجية المرجحة وغير المرجحة، أي ارتفعت قيمة التغاير.
وكان ذلك جزءًا من نمط أوسع ظهر في قطاع التصنيع الكولومبي. فقد أجبرت المنافسة الجديدة من الخارج المنتجين المحليين على تحسين أدائهم أو خسارة حصصهم السوقية. وفي الوقت نفسه، رفعت الشركات المصنعة التي واجهت أكبر قدر من المنافسة عبر الواردات إنتاجيتها، لكنها خسرت الطلب لصالح منافسين أجانب أكثر إنتاجية.
تراجع الإنتاجية في بريطانيا
يمكن أن يساعدنا قياس المنافسة بدقة أيضًا على تفسير حالات اقتصادية أكثر تعقيدًا، مثل الركود الاقتصادي الذي شهدته بريطانيا خلال العقد التالي لأزمة عام 2008.
غالبًا ما يكون للركود الاقتصادي أثر «تطهيري»، إذ تخرج الشركات الأقل إنتاجية من السوق، بينما تنجو الشركات الأكثر كفاءة، وقد تتمكن من التوسع. وخلال سنوات الأزمة الأولى، بين عامي 2007 و2010، ظل الارتباط بين الإنتاجية والحصة السوقية في بريطانيا مستقرًا، ما يشير إلى أن المنافسة كانت تعمل بالطريقة نفسها التي عملت بها قبل الأزمة، وأن الحصص السوقية كانت لا تزال تنتقل إلى المنتجين الأكثر كفاءة.
لكن خلف هذا الاستقرار الظاهري، بدأت تظهر أنماط أكثر إثارة للقلق. فعلى خلاف ركود عامي 1990 و1992، الذي أعقبه انتعاش قوي في الإنتاجية داخل شركات التصنيع، شهدت الفترة التي تلت أزمة عام 2008 ضعفًا مستمرًا في نمو الإنتاجية داخل الشركات، وظهر ذلك في قطاعات متباينة، من الخدمات المالية والتعدين إلى الكهرباء والغاز.
فما الذي كان يحدث؟ توصلت أبحاث لاحقة أجراها بنك إنجلترا إلى أن كثيرًا من الشركات التي واجهت انخفاضًا في الطلب خلال السنوات التالية للأزمة استمرت في الاحتفاظ بموظفيها. ففي الظروف الطبيعية السابقة للأزمة، كانت نحو تسع شركات من كل عشر شركات ينخفض إنتاجها تقلص عدد موظفيها أيضًا. أما خلال الركود، فقد انخفضت هذه النسبة إلى أربع شركات من كل خمس. ومع انخفاض الطلب، أصبح لدى الموظفين عمل أقل لإنجازه، فتراجعت الإنتاجية.
في سوق تنافسية للغاية، مثل قطاع التجزئة، حيث تكون هوامش الربح ضئيلة للغاية وقد تمثل تكاليف العمالة نحو خُمس إجمالي نفقات الشركة، يشكل توظيف عدد من العمال يزيد بنسبة عشرة في المئة فقط على عدد العاملين لدى المنافسين عبئًا كبيرًا. فالشركات التي تواجه منافسة حادة لا تستطيع تحمل تكاليف الاحتفاظ بعمالة فائضة؛ إذ سيتمكن منافسوها من خفض الأسعار والاستحواذ على عملائها.
لكن كثيرًا من الشركات المتعثرة واصلت العمل. وقد قُدّر أن معدلات خروج الشركات من السوق كانت لا تتجاوز نصف ما كان يُتوقع حدوثه في سيناريو افتراضي يتصرف فيه الاقتصاد بالطريقة نفسها التي تصرف بها خلال حالات الركود السابقة. بل إن صافي دخول الشركات إلى السوق، أي عدد الشركات الجديدة مطروحًا منه عدد الشركات الخارجة، كان إيجابيًا بالفعل بحلول عام 2010، رغم الظروف الاقتصادية السيئة للغاية.
في حالات الركود السابقة، كان من المفترض أن تفلس هذه الشركات وتخرج من السوق. لكنها بدلًا من ذلك واصلت العمل بصعوبة، مستنزفة العمالة ورأس المال اللذين كان من الممكن أن ينتقلا إلى شركات جديدة أكثر ديناميكية. وبينما ظل الارتباط بين الحصة السوقية والإنتاجية مستقرًا في السنوات الأولى للأزمة، بدأت آلية إعادة توزيع الموارد في بريطانيا تتعثر بمرور الوقت، وتراجعت العلاقة بين الإنتاجية ونمو الشركات، كما يقيسها تحليل أولي وبيكس.
يشكل هذا التدهور المزدوج، المتمثل في انخفاض الإنتاجية داخل الشركات وتعطل إعادة توزيع الموارد بينها، أحد التفسيرات المحتملة للأداء الاقتصادي البريطاني المحيّر بعد الأزمة. فبين عامي 2010 و2019، ارتفعت إنتاجية العامل في الولايات المتحدة بنسبة ثمانية في المئة، وفي فرنسا بنسبة 9.6 في المئة، رغم انطلاق فرنسا من مستوى أدنى، بينما لم ترتفع في بريطانيا إلا بنسبة 5.8 في المئة. وقد حدث ذلك رغم أن إنتاجية العمال البريطانيين كانت أصلًا أقل بكثير من مستوياتها في فرنسا والولايات المتحدة.
كشف مقياس أولي وبيكس عن تغيرات مهمة في طريقة عمل الأسواق، تساعد على تفسير أداء الإنتاجية في بريطانيا بعد عام 2008. وهذا تحديدًا ما نريده من مقياس للمنافسة: أن يكون قادرًا على تحديد ما إذا كانت الأسواق تعيد بالفعل توجيه الموارد بكفاءة إلى الشركات الأكثر إنتاجية أم لا.
لا يخبرنا أي من ذلك، بطبيعة الحال، بما الذي حدث على نحو خاطئ. فالهيئة البريطانية للمنافسة والأسواق، شأنها شأن معظم هيئات المنافسة الأخرى، ستشتبه في وجود مشكلة إذا لاحظت ارتفاعًا في تركز السوق أو في الهوامش السعرية. وهي تمتلك مجموعة من الأدوات لمعالجة المشكلات في الأسواق التي تظهر فيها هذه المؤشرات. لكن الركود الذي أعقب الأزمة لم يكن ناجمًا عن مشكلات المنافسة التقليدية، مثل التواطؤ بين الشركات أو الاحتكارات. بل نتج عن تعطل الآليات التي تكافئ عادة الشركات المنتجة وتضغط على الشركات الأقل إنتاجية.
ولو نُظر إلى المشكلة من زاوية تراجع إعادة توزيع الموارد من الشركات الأقل إنتاجية إلى الشركات الأكثر إنتاجية، لربما اتجه البحث إلى أسباب أخرى. ومن بين هذه الأسباب سياسات تساهل البنوك مع الشركات المتعثرة، التي أبقتها على قيد الحياة مدة أطول، وأسعار الفائدة المنخفضة التي أتاحت للشركات إعادة تمويل ديونها بدلًا من الإفلاس، أو السياسات الإسكانية التي منعت العمال من الانتقال من المناطق المتعثرة في البلاد إلى المناطق الأكثر ازدهارًا نسبيًا.
وبطريقة أو بأخرى، لو استخدم صانعو السياسات آنذاك مقياس أولي وبيكس، لربما تمكنوا من فهم ما يحدث على نحو أفضل، ومعالجة المشكلة في وقت أبكر.
قياس أفضل يقود إلى سياسات أفضل
توضح هذه الأمثلة الأربعة مدى فائدة المنطق الذي يقوم عليه تحليل أولي وبيكس في رصد التغيرات الحقيقية في طريقة عمل الأسواق. ففي الحالات الواضحة التي يلتقطها مقياس التركز والهوامش السعرية على نحو صحيح، مثل قطاع الاتصالات الأمريكي بعد تفكيك احتكار إيه تي آند تي، يشير تحليل أولي وبيكس إلى ارتفاع المنافسة أيضًا. لكن ميزته الأبرز تظهر عندما تعجز مؤشرات التركز والهوامش السعرية عن تقديم الإجابة الصحيحة، كما حدث في بريطانيا بعد الركود الكبير، حين توقفت عملية التدمير الخلّاق رغم عدم حدوث تغير حقيقي في الهوامش السعرية أو تركز السوق.
ربما كان صانعو السياسات البريطانيون سيستنتجون، بعد ركود عام 2008، أن المنافسة ليست هي المشكلة، وأنهم لا يحتاجون إلى القلق بشأنها، لأنهم لم يلاحظوا أي تغير في الهوامش السعرية أو تركز السوق. لكن هذا الاستنتاج كان سيكون خاطئًا، لأنهم اعتمدوا على بيانات غير مناسبة.
غالبًا ما يكون ارتفاع تركز السوق وزيادة الهوامش السعرية علامتين على أن الأسواق تعمل بكفاءة، وأن الطلب يتجه نحو الشركات الأعلى إنتاجية، كما يحدث اليوم في سوق أدوية إنقاص الوزن. وللتمييز بين هذه الحالات والحالات التي تعاني فيها الأسواق فعلًا من خلل، كما كانت الحال في كولومبيا قبل تحرير اقتصادها، نحتاج إلى مقياس يوضح لنا ما إذا كانت الشركات الأكبر حجمًا هي بالفعل الأفضل أداءً.
ويتطلب حساب عنصر التغاير في تحليل أولي وبيكس نفسه بيانات أكثر تفصيلًا مما هو متاح في بعض هذه الحالات التاريخية. فهو يحتاج إلى معلومات على مستوى كل شركة عن الإنتاجية والحصص السوقية بمرور الوقت، وهي بيانات نادرًا ما تكون متاحة لجميع القطاعات. وقد تطلبت الدراسات التي طبقت هذا النهج بنجاح، مثل دراسة الحالة الكولومبية المذكورة أعلاه، مجموعات بيانات استثنائية تتضمن معلومات عن الأسعار على مستوى المصانع، ومقاييس للإنتاج الفعلي، وتتبعًا تفصيليًا للمدخلات على مدى سنوات عديدة.
لكن إذا قررت هيئات المنافسة والإحصاء أن لهذا المقياس قيمة حقيقية، فيمكنها البدء بجمع هذه البيانات على نحو أكثر شمولًا ودقة. وعندئذ قد نتمكن أخيرًا من معرفة ما إذا كنا قد عثرنا على المفتاح لفهم المنافسة كما تعمل في الواقع.
