1. المقدمة
شهد الاقتصاد الأسترالي تحولات كبرى خلال العقود الأخيرة مع تحرير الأسواق وتنامي التجارة والمنافسة على المستوى العالمي. وقد أحدث التغير التقني المتسارع أثراً بالغاً في بنية القوى العاملة، إذ غيّر الطلب على العمل البشري، بل حل محله في بعض الحالات، وطال ذلك العمال اليدويين وأصحاب الوظائف المكتبية على حد سواء. ويتوقع كثيرون أن تواصل الأتمتة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي إزاحة العاملين وخلق أنماط جديدة من الأعمال والمهن بوتيرة غير مسبوقة، وأن تتطلب هذه الأنماط مجموعات مختلفة من المهارات والمعارف.
وتبحث أنظمة مدرسية كثيرة في أفضل السبل لتحصين الجيل القادم في مواجهة هذه التحولات العميقة المتوقعة. ويدعو عدد من المعلقين العامين، ومنهم سياسيون وقادة أعمال، الأنظمة التعليمية إلى الاستجابة لهذا الطلب المتزايد على ما يُسمى مهارات القرن الحادي والعشرين باعتباره ضرورة اقتصادية وطنية. وتتوقع بعض الدراسات أن تتطلب القوى العاملة المستقبلية في الاقتصادات المتقدمة أدواراً متزايدة تقوم على الإدراك والمعالجة اليدوية الدقيقة، والذكاء الإبداعي، والذكاء الاجتماعي. وتشير تقارير أخرى إلى أن الشباب باتوا يحتاجون إلى مهارات قابلة للانتقال بين الوظائف، مثل حل المشكلات، ومهارات التواصل، والثقافة الرقمية، والعمل الجماعي، ومهارات العرض والتقديم، والتفكير الناقد، والإبداع، والثقافة المالية، في مقابل المهارات الفنية التي تُعد خاصة بمهمة أو دور أو صناعة بعينها. ونتيجة لذلك كثيراً ما تُوجَّه إلى الأنظمة المدرسية انتقادات بأنها تفرط في التركيز على تدريس المحتوى والمعرفة، كأن ذلك يأتي على حساب نواتج تعلم أخرى مرغوبة، كمهارات التواصل والتعاون الجيدة، وقدرات التفكير الناقد وحل المشكلات، والانضباط، ومفاهيم مثل المواطنة والوعي العالمي.
والنقاشات حول المهارات الأساسية التي سيحتاجها الطلبة في سوق العمل المستقبلية ذات قيمة، غير أن ذلك لا يعني أن المهارات التي يصفها المعلقون من حين لآخر بأنها جديدة لم تكن جزءاً من الفكر التربوي منذ زمن، بما في ذلك في أستراليا. ففي عام 1973 دعا تقرير كارمل إلى مراعاة الكفايات العامة في المناهج الأسترالية، انطلاقاً من قلق إزاء ميل المناهج وطرائق التدريس إلى عدم الاستجابة للفروق بين التلاميذ، وانصرافها إلى تنمية طائفة من السمات تبقى ضيقة قياساً بإمكانات الحياة في مجتمع تقني معقد.
وفي عام 1985 تناول تقرير جودة التعليم في أستراليا القلق الذي أبداه تقرير كارمل، فاقترح أن يركز التعليم على الكفايات العامة للطلبة، ومنها مهارات اكتساب المعلومات ونقلها، وتطبيق العمليات المنطقية، وأداء المهام العملية والمهام الجماعية. وبعد ذلك بسنوات، وصفت مراجعة للمشاركة في التعليم والتدريب بعد المرحلة الإلزامية حاجة الشباب إلى تنمية كفايات أساسية استعداداً للتوظيف، منها الفهم الثقافي، وحل المشكلات، والخصائص الشخصية والاجتماعية. ثم جاءت في عام 1997 مراجعة ماكغو لشهادة الثانوية العامة في ولاية نيو ساوث ويلز، وكان من أبرز توصياتها أن تكون البنى المنهجية الداعمة لهذه الشهادة أكثر ملاءمة لتعلم الطلبة إدارة تعلمهم بأنفسهم وتنمية قدرتهم على العمل مع الآخرين. وتقر هذه التقارير جميعها بأن نواتج التعلم التقليدية، بما فيها المعرفة وإتقان محتوى المواد، تظل مهمة، لكنها تؤكد أن الشباب يحتاجون كذلك إلى مهارات إضافية، منها كيفية تطبيق هذه المعرفة، حتى يحسنوا الإفادة مما تعلموه.
وفي مرحلة أحدث، أعلن إعلان ملبورن بشأن الأهداف التعليمية للشباب الأسترالي، وهو وثيقة التوجه الاستراتيجي العام لجميع الأنظمة التعليمية في الولايات والأقاليم، أن اكتساب المهارات الأساسية ينبغي أن يكون أحد نواتج التعليم المدرسي في أستراليا، إذ نص على أن القراءة والكتابة والحساب ومعرفة التخصصات الرئيسية تظل حجر الزاوية في تعليم الشباب الأسترالي، وأن على التعليم المدرسي أن يدعم كذلك تنمية المهارات في مجالات مثل التفاعل الاجتماعي، والتفكير متعدد التخصصات، واستخدام الوسائط الرقمية، وهي مهارات أساسية في جميع مهن القرن الحادي والعشرين. وأكد الإعلان أن إرث المدرسة للشباب ينبغي أن يشمل، إلى جانب المعرفة والمهارات، القيم الوطنية للديمقراطية والمساواة والعدالة، والقيم والسمات الشخصية كالأمانة والمرونة واحترام الآخرين.
وتردد هذه البيانات صدى بيانات وطنية سابقة تناولت أغراض التعليم المدرسي، كإعلان أديلايد لعام 1999 بشأن الأهداف الوطنية للتعليم المدرسي في القرن الحادي والعشرين، وإعلان هوبارت لعام 1989 بشأن التعليم المدرسي.
ومع أن معظم مهارات القرن الحادي والعشرين قد لا تحمل جديداً يُذكر، فإن أنظمة مدرسية كثيرة باتت تولي اهتماماً أقوى وأكثر قصداً لتدريس القدرات والمهارات المرتبطة بها، كالتفكير الناقد وحل المشكلات، نظراً لأهميتها المتوقعة في المهن والحياة مستقبلاً، وقد أصبح إدراج هذه المهارات في بيانات السياسات التعليمية اتجاهاً شائعاً في كثير من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ورغم أن أنظمة تعليمية كثيرة، ومنها النظام الأسترالي، تدرك بصورة متزايدة أن مهارات القرن الحادي والعشرين أوسع مما تقيسه المقاييس المعرفية التقليدية، وتنص على قيمتها في أطر المناهج، فإن ما يتجاوز ذلك من تقنين في مجالات التدريس والتعلم والتقييم يظل ضئيلاً جداً. ويتطلب تمكين جميع الشباب الأسترالي من فرص متكافئة لاكتساب مجموعة من المهارات تُعد أساسية للقرن الحادي والعشرين جهداً بحثياً وسياساتياً متواصلاً. ويتيح هذا التقرير فرصة للنظر فيما نعرفه وما لا نعرفه عن المهارات الأساسية، بما يمكننا من التمعن بنظرة نقدية في الإصلاح التربوي واتجاهاته فيما يتعلق بهذه المهارات.
هذا التقرير
يهدف هذا التقرير إلى تقديم مراجعة لأحدث البحوث والسياسات والأفكار المتعلقة بموضوع المهارات الأساسية للتعليم المدرسي في القرن الحادي والعشرين. ويلقي نظرة نقدية على الأدلة والإجراءات المتصلة بهذه المهارات، مستنداً إلى البحوث المنشورة والمحكمة، وإلى الأدبيات غير المنشورة تجارياً كتقارير السياسات ومراكز الفكر والجهات الحكومية. ويقدم عرضاً محدثاً للبحوث المتعلقة بالمهارات الأساسية وتطبيقها، ويعالج القضايا المرتبطة بها عبر ثلاثة فصول. يحدد الفصل الأول منها المهارات التي تُعد أساسية للنجاح في القرن الحادي والعشرين وفق خمسة أطر بارزة، ويناقش كل مهارة على حدة. ثم يعرض الفصل الثاني المقاربات التي اتبعتها أنظمة تعليمية مختلفة في تبني المهارات الأساسية ودمجها في أنظمتها المدرسية، بما في ذلك وثائق السياسات والمناهج ومعايير المعلمين وممارسات التعليم والتعلم. ويتناول الفصل الثالث المقاربات المختلفة لتقييم هذه المهارات.
يقدم الفصل الثاني لمحة عامة عن المهارات التي تعدها أطر كثيرة حيوية للشباب في القرن الحادي والعشرين. ويعرض الفصل في البداية بعض المحطات البارزة في تطور النقاش حول المهارات الأساسية التي ينبغي للأنظمة المدرسية تبنيها، ثم يعرض بعد هذا السرد التاريخي الموجز خمسة أطر قيّمة وُضعت لتصور المهارات المتنوعة التي يُتوقع أن يحتاجها الطلبة للنجاح مستقبلاً وتنظيمها. ثم ينتقل إلى دراسة كل مهارة ذات صلة على حدة، قبل أن يقدم خلاصة لبعض الدروس المستفادة من تحليل المهارات الأساسية.
ويتناول الفصل الثالث كيفية ترجمة التطلعات إلى إدراج المهارات في النظام المدرسي إلى سياسات وممارسات في أنظمة تعليمية مختلفة. ومع قلة الأدلة المتاحة حول أفضل الممارسات في تعليم هذه المهارات وتعلمها، يمكن دراسة الكيفية التي تعاملت بها الأنظمة المختلفة مع إدراج المهارات الأوسع في مدارسها وبرامجها وممارسات التعليم والتعلم فيها. ويعرض هذا الفصل سبع دراسات حالة لأنظمة مدرسية تبين المقاربات المتنوعة المتبعة، وتبرز طريقة تعامل كل نظام مع المهارات وجوانب قوته وضعفه. كما يتضمن دراسة حالة إضافية لا تتناول نظاماً مدرسياً وإنما إطاراً منهجياً كان في طليعة الأطر التي أدرجت المهارات الأساسية في تصميمها ومحتواها، وهو البكالوريا الدولية.
ويتناول الفصل الرابع أغراض تقييم المهارات الأساسية وأنماطه، فيعرض الأشكال الثلاثة الرئيسية للتقييم المستخدمة حالياً، وهي التقرير الذاتي للطلبة، والتقييم المباشر، وأحكام المعلمين. ويرى التقرير أنه لا توجد طريقة واحدة مثلى لتقييم المهارات الأساسية المختلفة، إذ إن لكل طريقة من الطرق الثلاث الشائعة قيوداً منهجية خاصة بها. وللتغلب على ذلك، تعتمد البنية التقييمية الفعالة والمتكاملة على أنماط متعددة من التقييم. وفي ارتباط بالفصل السابق ودعماً لتحليل تقييم المهارات الأساسية، يعرض هذا الفصل أيضاً دراسات حالة توضح كيف طبقت أنظمة تعليمية مختارة مقاربات التقييم المختلفة.
ويُختتم التقرير بعرض لأبرز الرسائل التي تضمنتها الفصول الثلاثة الأساسية، داعياً إلى النظر إليها بوصفها جزءاً من نقاش أوسع حول دور التعليم المدرسي في القرن الحادي والعشرين.
