5. الخاتمة
كان هدف هذا التقرير الإسهام في الحوار الدائر حول المهارات الأساسية للتعليم المدرسي في القرن الحادي والعشرين. وقد جاء نطاقه واسعاً، إذ امتد من مراجعة الأدلة المتعلقة بالمهارات والقدرات الأكثر تداولاً، إلى دراسة الطرق التي سعت بها أنظمة تعليمية مختلفة إلى ترسيخ المهارات الأساسية في مدارسها وبرامجها. كما تناول التقرير المجالين الحاسمين المتمثلين في تقييم المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين وتقويمها.
وتستجيب أنظمة تعليمية كثيرة لتحدي تعزيز اكتساب الطلبة للمهارات الأساسية في المدارس، متوقعة أن تفضي تنمية هذه المهارات إلى تحسين تعلم الطلبة في مختلف مجالات المنهج. وفي الوقت ذاته، يُنظر إلى المهارات وتُعامل بوصفها نواتج تعلم قائمة بذاتها، بقدر ما تعزز النجاح مستقبلاً في الحياة والعمل. ويمكن للمدارس أن تؤدي دوراً كبيراً في مساعدة الطلبة على بناء قاعدة واسعة من المهارات بحلول مغادرتهم المدرسة، تزودهم بالأدوات التي يحتاجونها ليصبحوا مفكرين منخرطين، ومتعلمين يتمتعون بالمرونة وسعة الحيلة، ومبدعين في حل المشكلات، وأعضاء فاعلين في مجتمعاتهم. ويظل من أبرز التحديات تهيئة الظروف لاكتساب شامل للمهارات الأساسية لدى جميع الطلبة، في مدارس وفصول شديدة التنوع.
وتبرز من النقاشات والأدلة الحالية حول المهارات الأساسية عدة قضايا تواجه الأنظمة المدرسية، كالاتفاق على أكثر المهارات أهمية للتركيز عليها، وبناء أطر متماسكة للتفكير في العلاقات المتبادلة بين المهارات والتعلم، وتحديد أفضل الطرق لتعليم المهارات، والتوصل إلى كيفية تقييمها وقياسها لمتابعة الاكتساب والتقدم على مستوى الطالب والنظام معاً. وتطرح كل قضية من هذه القضايا تحديات خاصة أمام الأنظمة المدرسية الراغبة في التركيز على تعزيز تنمية المهارات الأساسية.
وقد عرض الفصل الثاني خمسة أطر للمهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين، تتداخل فيما بينها إلى حد ما، لكن من الواضح أيضاً أن ما تسعى إلى تفسيره، كالتحصيل الأكاديمي أو التعلم القابل للانتقال أو نواتج الطلبة، يحدد إلى حد بعيد بنية كل إطار ومحتواه. وتمثل هذه الأطر جهداً جديراً بالثناء لفهم تعقيد مهارات الطلبة ونزعاتهم، لأن البحث في مهارات محددة تُدرس بمعزل عن غيرها أدى إلى تضخم إشكالي في عدد المهارات الأساسية، وإلى خطر استخدام مسميات مختلفة للمهارة أو القدرة الجوهرية ذاتها في آن واحد. وثمة حاجة إلى مزيد من البحوث، لا سيما حول التأثيرات السببية للشبكة المعقدة من مهارات الطلبة في نواتجهم، من أجل تحسين هذه الأطر.
وناقش هذا التقرير تسع مهارات أساسية حظيت باهتمام كبير من الباحثين وصانعي السياسات والممارسين، هي: التفكير الناقد، والإبداع، وما وراء المعرفة، وحل المشكلات، والتعاون، والدافعية، والكفاءة الذاتية، والانضباط، والعزيمة أو المثابرة.
وهذه القائمة ثمرة مراجعة للأدبيات والبحوث التربوية، ودراسة للأطر الدولية وأطر الأنظمة التعليمية الخاصة بالتعلم. وتبين المهارات التسع إمكانات التفكير في طيف شامل من المهارات للتعليم إلى جانب مجالات المحتوى التقليدية، والتحديات المرتبطة به في آن واحد. وقد تبين أن المهارات الأساسية المذكورة جميعها قابلة للتشكل إلى حد ما، وإن كانت لا ترتبط بنواتج الطلبة بالقدر ذاته. وأخيراً، من المهم النظر فيما إذا كانت التصورات العامة أو المرتبطة بالسياق لكل مهارة مفيدة للتربويين، وهذا يعني تحديد مدى قابلية المهارات للانتقال بين المواد المختلفة، وما إذا كان يمكن عد المهارات الأساسية الفردية نواتج تعلم مشروعة قائمة بذاتها.
وقد تبنت الأنظمة مقاربات متنوعة لترسيخ المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين في أنظمتها التعليمية ترسيخاً منهجياً. وعرض الفصل الثالث سبع دراسات حالة لأنظمة تعليمية بوصفها نماذج، ودراسة حالة لإطار منهجي هو البكالوريا الدولية. وقد أولت هذه الأنظمة اهتماماً كبيراً لإدراج المهارات الأساسية في أطرها وبياناتها المنهجية، متبنية إلى حد بعيد مقاربة عابرة للمناهج يُتوقع فيها من جميع المعلمين دعم اكتساب الطلبة لهذه المهارات. غير أنه لا يتضح بالقدر ذاته كيف تُرجمت بيانات السياسات وتطلعاتها هذه إلى ممارسة صفية يومية، ولا ما إذا كان التركيز على المهارات الأساسية قد حسن نواتج الطلبة. ومن هذه النواحي، تبين هذه المراجعة أن الدراسة المتأنية للمهارات الأساسية واستخدامها في الأنظمة المدرسية المختلفة تثير من الأسئلة بقدر ما تقدم من إجابات.
وفي تبني الأنظمة المختلفة للمهارات الأساسية، كان تقييم المهارات وتقويمها إشكالاً مشتركاً. فخلافاً للمقاييس التقليدية للقراءة والكتابة والحساب، فإن قاعدة الأدلة المتعلقة بقياس المهارات الأساسية وتقويمها أقل اكتمالاً، ولا يستوعب الأداء في الاختبارات المعرفية والدرجات الأكاديمية هذه المهارات على نحو كافٍ. وتُستخدم حالياً ثلاثة أشكال من التقييم لمتابعة اكتساب المهارات الأساسية هي: مقاييس التقدير الذاتي، والتقييم المباشر، وأحكام المعلمين. ونظراً لقيود كل شكل منها، فإن الجمع بينها يعزز قياس المهارات. وتُعد ممارسات التقييم الأفضل الداعمة لتعلم الطلبة عاملاً حاسماً في تنمية المهارات الأساسية في الأنظمة التعليمية. وفي الوقت ذاته، فإن مكانة المهارات الأساسية وأهميتها بين طيف أوسع من الأهداف التعليمية، وكذلك غرض التقييم، عوامل حاسمة في تصميم أدوات التقييم وتنظيم ممارساته. فإدخال تقييمات عالية المخاطر للمهارات الأساسية ضمن آلية لمساءلة المدارس مثلاً يُرجح أن يضر بأهداف تعليمية أخرى كتكافؤ الفرص.
ومن الأسئلة الأخرى ما إذا كان ثمة فهم عميق بما يكفي لنواتج التعلم المتوقعة في المراحل المختلفة من التعلم والنمو، يستخدمه المعلمون ويستعينون به في التقييم. فبينما نملك خبرة كبيرة في كيفية تعليم القراءة والكتابة والحساب وتقييمها، لا يوجد بعد رصيد غني مماثل من الخبرة في أمور كالتفكير الإبداعي أو الصمود، رغم أنها ليست مفاهيم جديدة في حد ذاتها، وهذا تحد آخر يواجه الأنظمة.
وفي نهاية المطاف، فإن مسألة المهارات الأساسية للتعليم المدرسي في القرن الحادي والعشرين جزء من تأمل أوسع في أدوار الأنظمة المدرسية ومسؤولياتها. ومع أن فهمنا للعلاقات السببية بين بعض مهارات القرن الحادي والعشرين هذه والتحصيل الأكاديمي محدود جداً في الوقت الراهن، فإن الأدلة تتراكم على أن الأنظمة ينبغي أن تنظر في التركيز على هذه المهارات إلى جانب التركيز على المحتوى الرصين والمعرفة الواسعة والعميقة في المواد الأساسية، بل ومن خلاله أيضاً. وفي الوقت ذاته، ينبغي الإقرار بأن تحديد المهارات الصحيحة التي ينبغي للأنظمة التركيز عليها أمر معقد، وأن قاعدة الأدلة لبعضها أكثر تطوراً منها لغيرها، فلا حلول سحرية هنا. ولذلك لا يمكن للأنظمة والمجتمعات التعليمية أن تحدد المهارات الأساسية التي ينبغي للمدارس التركيز عليها في القرن الحادي والعشرين إلا من خلال نقاشات جماعية ومستمرة وتأملية.
