القائمة الرئيسية

تقرير مهارات القرن الحادي والعشرين الأساسية: مراجعة قائمة على الأدلة (5/3)

تقرير مهارات القرن الحادي والعشرين الأساسية: مراجعة قائمة على الأدلة (5/3)
ملخص الدراسة

يتناول هذا الفصل كيفية دمج أنظمة تعليمية مختلفة، بما في ذلك أستراليا، لمهارات القرن الحادي والعشرين في مناهجها. يستعرض الفصل سبع دراسات حالة لأنظمة تعليمية دولية (مثل أونتاريو، ألبرتا، نيوزيلندا، فنلندا، مناطق كور في كاليفورنيا، كارولاينا الشمالية، أستراليا)، بالإضافة إلى إطار البكالوريا الدولية، لبيان نماذج التطبيق ونجاحاتها وتحدياتها. تظهر هذه الأنظمة نية قوية لترسيخ مهارات مثل التفكير النقدي، الإبداع، التواصل، التعاون، والتعلم الذاتي، غالبًا من خلال دمجها عبر المناهج الدراسية وتطوير المعلمين. ومع ذلك، يبرز الفصل وجود فجوة كبيرة بين بيانات السياسات الطموحة والأطر المنهجية، وبين التغيير الفعلي في الممارسات الصفية ونتائج الطلاب، ويرجع ذلك جزئياً إلى محدودية التوجيه المركزي، وعبء عمل المعلمين، وصعوبة تقييم هذه المهارات بشكل فعال. يخلص الفصل إلى أن الإصلاح الناجح يتطلب مقاربة شاملة تتناول معايير التدريس، والتقييم، والمناهج، والتطوير المهني، وبيئات التعلم، وهو ما لم يتحقق بالكامل في أي نظام حتى الآن، مما يجعل التغيير مرهونًا غالبًا بجهود فردية.

 

3. تعليم مهارات القرن الحادي والعشرين

مقدمة

كما أشار الفصل السابق، تشمل النقاشات الحالية حول المهارات الأساسية اللازمة للقرن الحادي والعشرين مجموعة واسعة من السلوكيات والمهارات والنزعات. ويتناول هذا الفصل الكيفية التي سعت بها أنظمة تعليمية مختلفة، ومنها أستراليا، إلى ترسيخ المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين في أنظمتها التعليمية. ويعرض الفصل سبع دراسات حالة تبين طيفاً من نماذج التطبيق، مع النظر فيما يبدو من نجاحاتها وتحدياتها، وهي: أونتاريو في كندا، وألبرتا في كندا، ونيوزيلندا، وفنلندا، ومناطق كور التعليمية في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وولاية كارولاينا الشمالية بالولايات المتحدة، وأستراليا.

وإلى جانب ذلك، يتضمن الفصل دراسة حالة لإطار منهجي هو البكالوريا الدولية، نظراً لتركيزه الخاص على صياغة اكتساب المهارات داخل المواد الدراسية المختلفة وعبرها. ويعلق القسم الأخير من هذا الفصل على الأدلة المحدودة المتاحة حول الأثر، والتي يمكن من خلالها تقييم الخطوات السياساتية التي اتخذتها هذه الأنظمة لترسيخ مهارات القرن الحادي والعشرين في التعليم والتعلم.

دراسات حالة الأنظمة التعليمية

بذلت دول كثيرة في السنوات الأخيرة جهوداً كبيرة لإدراج التركيز على مهارات القرن الحادي والعشرين في أنظمة التعليم المدرسي لديها، فقد أدرجت جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاقتصادات الشريكة تقريباً اهتماماً بهذه المهارات في سياساتها الوطنية ودون الوطنية للتعليم المدرسي، بما في ذلك أطر التعلم والمعايير المنهجية. وتبرز دراسات الحالة وجود سياسات تدعم إدراج المهارات الأساسية في المدارس، أكثر مما تشير إلى أدلة على تغير فعلي في التعليم والتعلم ونواتج الطلبة.

أونتاريو، كندا

يُنظم التعليم في كندا على مستوى المقاطعات، ويضم النظام التعليمي في أونتاريو 2.1 مليون طالب وطالبة، و5000 مدرسة، و72 منطقة تعليمية. ويعتمد النظام منهجاً يمتد من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، يحدد المعارف والمهارات المطلوبة من الطلبة في كل مادة وكل صف، ويُتوقع أن تُرسخ المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين عبر المنهج كله. وتركز المقاطعة بوجه خاص على تنمية ما تسميه كفايات القرن الحادي والعشرين، وهي: التفكير الناقد وحل المشكلات، والابتكار والإبداع وريادة الأعمال، وتعلم كيفية التعلم أو التعلم الواعي بالذات والموجه ذاتياً، والتعاون، والتواصل، والمواطنة العالمية والاستدامة.

ولا يزال العمل جارياً على تطوير مقاييس لتقييم كل كفاية من هذه الكفايات وتطبيقها. وقد أولت أونتاريو اهتماماً قوياً لاستخدام تقنية المعلومات والحاسوب في المساعدة على تنمية هذه الكفايات ودعم التطوير المهني للمعلمين، فأنشأت المقاطعة صندوقاً للتعليم والتعلم بقيمة 150 مليون دولار لمساعدة المدارس على تطوير ممارسات مبتكرة وفعالة للتعليم والتعلم في القرن الحادي والعشرين تعززها التقنية. ويساعد هذا البرنامج على رفع مهارات الكادر المهني الأساسي، بمن فيهم المعلمون وقادة المدارس، من خلال الحوار المهني وتبادل الموارد. وتصمم المدارس المشاركة مشروعاتها بنفسها، وتوثق بالتعاون مع المقيّمين من هيئة خدمات المناهج الكندية أدلة أثر كل مشروع. وقد جرت حتى الآن خمس جولات تمويل، وتُنشر النتائج الرئيسية لتقييم كل مشروع بغية بناء قاعدة أدلة متاحة للعموم حول أنجع الممارسات. ومن النماذج التربوية الناجحة في بناء كفايات القرن الحادي والعشرين الفصول المقلوبة، والتعلم المدمج، وحل المشكلات التعاوني، والاستقصاء، والمشروعات متعددة التخصصات، والمحاكاة الأصيلة الغامرة، ومنصات التعلم الرقمية. ومن النتائج الرئيسية للتقييمات حتى الآن أن لهذه النماذج التربوية الناجحة انعكاسات على ممارسات التقييم أيضاً، ولا سيما التقييم بوصفه تعلماً والتقييم من أجل التعلم.

وترى أونتاريو أن الغرض الأساسي من التقييم والتقويم هو تحسين تعلم الطلبة، وتولي آلية التقييم لديها أهمية كبيرة للمهارات ذات الصلة. ففي كل عام، تُجمع تقارير التقدم والتقارير الإقليمية المسجلة باسم الطالب ورقمه التعليمي في أونتاريو، وتحفظها المدارس مركزياً، ولا تُتاح هذه البيانات للعموم. ولكل من تقارير التقدم والتقارير الإقليمية نماذج تؤطر أهمية مهارات التعلم وعادات العمل في جميع الصفوف الدراسية. وفي كل تقرير، يكتب المعلمون تحديداً عن ست مهارات تعلم وعادات عمل هي: المسؤولية، والتنظيم، والعمل المستقل، والتعاون، والمبادرة، والتنظيم الذاتي. ومن اللافت أن بعض هذه المفاهيم يمكن مواءمته مع كفايات القرن الحادي والعشرين التي حددها النظام، في حين ترتبط بها مفاهيم أخرى ارتباطاً فضفاضاً. ويُقيّم كل مفهوم على مقياس يضم أربعة مستويات هي ممتاز وجيد ومرضٍ ويحتاج إلى تحسين، مع مساحة واسعة لملاحظات المعلمين. ويختلف نموذج بطاقة التقرير بين المرحلتين الابتدائية والثانوية بمواصفات مختلفة؛ فمن الصف الأول إلى الصف الثامن، يُتوقع من معلم الفصل أن يستكمل قسم مهارات التعلم وعادات العمل، أما من الصف التاسع إلى الصف الثاني عشر، فيكتب المعلمون في كل مادة عن كل مهارة تعلم وعادة عمل. وتنص المنطقة على أن تقييم مهارات التعلم وعادات العمل، باستثناء ما قد يُدرج منها ضمن التوقعات المنهجية، ينبغي ألا يُحتسب في تحديد التقديرات الحرفية أو الدرجات المئوية للمواد أو المقررات. ورغم هذا الفصل الواضح فيما يخص التقييم، ترى الوزارة أن تنمية مهارات التعلم وعادات العمل تتعزز أكثر من خلال تحقيق التوقعات المنهجية.

ألبرتا، كندا

تضم ألبرتا حالياً 703214 طالباً وطالبة، و2388 مدرسة، و375 سلطة أو منطقة تعليمية. وقد انشغلت المقاطعة منذ زمن طويل بمفهوم متعلم القرن الحادي والعشرين بوصفه محوراً أساسياً لتصميم مناهجها. وأعلن القرار الوزاري بشأن تعلم الطلبة الصادر عام 2013 أن التعليم في ألبرتا ينبغي أن يُعاد توجيهه بما يضمن منح جميع الشباب الفرصة، من خلال التعليم المدرسي النظامي، ليصبحوا مفكرين منخرطين، ومواطنين ملتزمين بالقيم الأخلاقية، وأصحاب روح ريادية. وتعبر العبارات التوجيهية التالية تعبيراً دقيقاً عن مقاربتها، إذ تنص على أن التعليم في ألبرتا سيتشكل بتركيز أكبر على التعليم لا على المدرسة، وعلى المتعلم لا على النظام، وعلى الكفايات لا على المحتوى، وعلى الاستقصاء والاكتشاف وتطبيق المعرفة لا على نشر المعلومات، وعلى التقنية الداعمة لإنتاج المعرفة وتبادلها لا على التقنية الداعمة للتدريس. كما تنص على أن الطلبة سيدرسون المواد، ويتعلمون القراءة والكتابة والرياضيات، ويتعمقون أكثر في منهج يتيح مزيداً من التعلم متعدد التخصصات من خلال كفايات صريحة في جميع المواد.

وقد اضطلع النظام التعليمي إلى حد بعيد بتطوير المناهج سعياً إلى تحقيق التطلعات الواردة في القرار الوزاري بشأن تعلم الطلبة. ففي عام 2010، وضع إطار ألبرتا لتعلم الطلبة، وهو إطار منهجي حدد الكفايات التي تجسد فكرة متعلم القرن الحادي والعشرين القادر على المشاركة في مجتمع قائم على المعرفة ومعولم، مع تعلمه في الوقت ذاته المواد الدراسية التقليدية. وقد حُددت ثماني كفايات عامة هي: التفكير الناقد، وحل المشكلات، وإدارة المعلومات، والإبداع والابتكار، والتواصل، والتعاون، والمواطنة الثقافية والعالمية، والنمو الشخصي والرفاه.

وعُرّفت هذه الكفايات بأنها مجموعات مترابطة من الاتجاهات والمهارات والمعارف التي يُستعان بها وتُطبق في سياق معين من أجل تعلم ناجح وحياة ناجحة. فالكفايات تتجاوز المواد الدراسية، وتُنمى من خلال مقاربات تعلم تتضمن نواتج تعلم خاصة بالمواد أو التخصصات. وتوفر أهداف التعلم أو المهام التي يختارها المعلمون في المجالات الأكاديمية التقليدية السياق الذي يُنمي فيه الطلبة الكفايات العامة المحددة. ويعود للمعلم تقدير الكيفية التي يرسخ بها المهارات أو الكفايات في فرص التعلم ضمن المواد التقليدية، إذ إنه بينما تحدد وزارة التعليم في ألبرتا ما يحتاج الطلبة إلى تعلمه في المنهج الإقليمي، أي برامج الدراسة، يستعين المعلمون بحكمهم المهني لتحديد كيفية تحقيق الطلبة نواتج التعلم في هذا المنهج.

ولا تتوفر معلومات عن مدى فاعلية المعلمين في ترسيخ الكفايات ضمن موادهم، ولا عما إذا كان ذلك قد أفضى إلى إعادة توجيه النظام على النحو الذي اقترحه القرار الوزاري بشأن تعلم الطلبة. وتعكف ألبرتا حالياً على إعادة تصميم جديدة لمناهجها، لتستبدل بالإطار القديم إطاراً يهدف صراحة إلى إدراج الكفايات العامة الثماني إدراجاً أوضح في جميع المواد وجميع الصفوف.

نيوزيلندا

تثير حالة نيوزيلندا الاهتمام لتنامي انشغالها بمسألة المهارات غير التقليدية في التعليم. فبعد مراجعة شاملة للمنهج الوطني الصادر عام 1992، تبنت نيوزيلندا عام 2007 منهجاً وطنياً جديداً تضمن تركيزاً متجدداً على المهارات غير التقليدية.

ويقوم المنهج المعدل على خمس كفايات أساسية تُنمى عبر مجالات التعلم المختلفة، هي: التفكير، واستخدام اللغة والرموز والنصوص، وإدارة الذات، والتواصل مع الآخرين، والمشاركة والإسهام.

وتبدو هذه الكفايات بصياغتها هذه غامضة إلى حد ما، ولعل ذلك مقصود لإتاحة تنميتها في جميع مجالات التعلم، ويصعب التعرف عليها بوصفها مهارات. غير أن المنهج الوطني يفصّل معنى كل منها، بما في ذلك المهارات التي يتطلبها كل نوع من الكفايات. فالتفكير مثلاً يشير مجتمعاً إلى مهارات التفكير الناقد والإبداع وحل المشكلات وما وراء المعرفة، وتشمل إدارة الذات دافعية الطلبة، ومعتقدات الكفاءة الذاتية الإيجابية ووجهة الضبط، والصمود أي العزيمة، في حين يستند التواصل مع الآخرين إلى مهارات أساسية كالتنافس والتعاون.

وكما يبين هذا العرض الموجز، يتضمن المنهج النيوزيلندي في قائمة كفاياته الأساسية الخمس معظم المهارات التي نوقشت في الفصل السابق، إلى جانب مهارات إضافية. وفيما يخص المهارات الأساسية للمستقبل، ترى وزارة التعليم أن الطلبة يحتاجون إلى أن تُتاح لهم فرص ليصبحوا مفكرين معتمدين على أنفسهم وناقدين ومبدعين، وأن يكونوا قادرين على العمل ضمن فريق، وأن يتعلموا روح المبادرة، وأن ينخرطوا في التعلم المستمر طوال حياتهم. غير أنه لا يتضح من وثائق السياسات كيف يُفترض بالمعلمين والمدارس تحقيق هذا الناتج.

فالمنهج الوطني لا يقدم إلا توجيهاً محدوداً بشأن الكيفية التي يُتوقع أن يتعلم بها الطلبة هذه المهارات ويعلمها بها المعلمون. وصحيح أن الربط بين المجالات المنهجية والكفايات الأساسية يرد في وثيقة أخرى، لكنها لا تفصّل سوى نواتج التعلم عبر المهارات، أما الطرق التي يُفترض أن يحدث بها هذا النوع من التعلم فغير واضحة. ومن خلال الوثائق التي رجعت إليها هذه المراجعة، لا يُقدم إلا توجيه قليل فيما يخص التقييم، ولا يبدو أن ثمة مقاربة منهجية للتطوير المهني للمعلمين تيسر الانتقال المنشود من التعلم التقليدي إلى تعلم القرن الحادي والعشرين. وخلاصة القول إن نيوزيلندا طورت على ما يبدو نمطاً من التعامل مع المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين يقوم أساساً على المنهج.

وفي غياب التوجيه المركزي، يبدو أن تعزيز تنمية مهارات الطلبة ضمن كل مادة، حتى بالنسبة إلى الكفايات العابرة للمناهج، يقع على عاتق المعلمين أفراداً. ولا توجد مؤشرات واضحة على تنسيق عابر للمناهج يدعم قابلية انتقال المهارات المكتسبة في مواد بعينها. وتشير أدلة حديثة إلى أن المطالبة بتنمية مهارات جديدة شكلت تحدياً لمديري المدارس والمعلمين في ممارساتهم التعليمية والقيادية. ومع ذلك، يبدو أن المبادرات المدرسية التي يقودها قادة المدارس والمعلمون قد دفعت إلى تطوير أدوات تربوية تيسر اكتساب الطلبة للمهارات غير التقليدية. لكن مع محدودية التوجيه، لا يتضح ما إذا كان المعلمون يتلقون دعماً كافياً للانخراط في تحول منهجي وشامل نحو أهداف تعلم أوسع.

وقد أجرى المجلس النيوزيلندي للبحوث التربوية بحوثاً تهدف إلى تقييم الكيفية التي يغير بها هذا المنهج الجديد القائم على المهارات الأساسية الممارسات التربوية وتعلم الطلبة فعلياً. وتقر هذه الأدبيات بأهمية تغيير ممارسات المعلمين من أجل تغيير طريقة حدوث التعلم والمهارات التي يكتسبها الطلبة حين يتعلمون في المدرسة، ويحظى دور التطوير المهني للمعلمين فيها بتأكيد واضح. ويمثل هذا الموقف خطوة كبيرة نحو التقدم في ترسيخ شامل للمهارات غير التقليدية في التعليم المدرسي النيوزيلندي. ولم يُجر حتى الآن إلا قليل من التقييم، ويُتوقع أن تساعد البحوث الإضافية على فهم أفضل للتغيرات التي طرأت على تكوين المهارات في المدارس النيوزيلندية.

ويحرك المنهج النيوزيلندي هدف شامل يتمثل في مساعدة الطلبة على اكتساب الشغف بالتعلم مدى الحياة والمهارات اللازمة له. فتعلم كيفية التعلم في صميم هذا المنهج، ويُراد من اكتساب طيف واسع من المهارات أن ييسر تنمية النزعات نحو التعلم مدى الحياة. ومن ثم فإن اكتساب طيف من المهارات غاية في حد ذاته، ووسيلة لإتاحة مزيد من التعلم بعد المدرسة.

وتُظهر وثائق متعددة صادرة عن وزارة التعليم والمجلس النيوزيلندي للبحوث التربوية حماساً قوياً لتعلم القرن الحادي والعشرين، ولإحداث تغيير كبير في الممارسة التربوية، بما يضع نيوزيلندا في طليعة الابتكار التربوي. ومن اللافت أن بعض الوثائق المرجعية التي ترسم الاتجاه الذي يسلكه التعليم النيوزيلندي تستند إلى بحوث تربوية حديثة؛ فوزارة التعليم مثلاً تقر بأن النزعات هي أساس استخدام المهارات، وتدرجها جزءاً لا يتجزأ من الخبرة النامية للطلبة. كما يبدو أن الوزارة تفكر تفكيراً نقدياً في دور التقنية الرقمية في التعلم الموجه نحو المستقبل واكتساب المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين.

ويتضح في حالة نيوزيلندا أن الأطراف المعنية التي تروج لأجندة جديدة للتعلم في القرن الحادي والعشرين شديدة الحماس لها. إذ يُقدم إعادة ابتكار التعليم كما يُمارس في المدارس النيوزيلندية بوصفه ضرورة لمواكبة التحولات الهائلة التي يُقال إنها تغير السمات المميزة للمجتمعات الحديثة. ويُطرح تصور لنموذج أو مقاربة جديدة للتعلم، قوامها مفاهيم وأطر جديدة للتفكير في تعلم الطلبة وتنمية مهاراتهم في القرن الحادي والعشرين، تقطع قطيعة جوهرية مع ما كان يعنيه التعلم وطريقة التعامل معه في الماضي. وتجري تقييمات شاملة لقياس مدى إسهام الممارسات المدرسية الحالية في نيوزيلندا إيجابياً في تعلم الطلبة ونواتج حياتهم، مقارنة بما كان سائداً في مطلع القرن. وتشير نتائج حديثة من المسح الوطني للمدارس الثانوية لعام 2015 إلى أن تقدماً ضئيلاً قد تحقق منذ عام 2012 في إدراج الكفايات الأساسية في فرص تعلم الطلبة، ويعود ذلك إلى عوامل منها ثقل أعباء العمل، وضيق الوقت المتاح للتخطيط التعاوني للمناهج، والمتطلبات التي تفرضها الشهادة الوطنية لإتمام المرحلة الثانوية العليا.

فنلندا

لفنلندا تاريخ طويل نسبياً في الاهتمام بالمهارات الأوسع اللازمة للنجاح، وقد جاء إدراج هذه المهارات في التعليم المدرسي في الغالب متسقاً مع الجدول الزمني لإصلاحات المنهج الوطني. ويُطلق على هذه المهارات في المصطلح الفنلندي الكفايات المستعرضة، في إشارة إلى تنميتها عبر المنهج كله.

وكانت فنلندا من أوائل الدول التي تبنت المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين، مع تركيز خاص على ما وراء المعرفة وهدف تعلم كيفية التعلم. وقد جرى إدخال مهارات القرن الحادي والعشرين في المنهج الفنلندي عبر إصلاح المنهج الوطني، بدءاً بالإطار الفنلندي لتقييم النواتج التعليمية عام 1995. وبحلول عام 2002، كانت فنلندا قد نشرت إطار تعلم كيفية التعلم الخاص بالتعليم الأساسي، الذي عرّف تعلم كيفية التعلم بأنه القدرة على التكيف مع المهام الجديدة والرغبة في ذلك. وكان يُتوقع من الطلبة أن يكتسبوا مهارات تتيح لهم التعلم مدى الحياة، بما يعدهم للحياة بعد المدرسة. ومن هذا المنظور، ينطوي مفهوم تعلم كيفية التعلم على العمليات المعرفية للتفكير والاستدلال، لكنه يشمل كذلك عدة منظومات فرعية دافعية واتجاهية.

وتعاون مركز التقييم التربوي في جامعة هلسنكي مع المجلس الوطني للتعليم في تصميم الإطار المستخدم لتقييم تعلم كيفية التعلم في المدارس الفنلندية. فبدلاً من الاكتفاء بإدراج المهارات في المنهج، سعت فنلندا إلى بناء آليات تزود المعلمين بأدوات لتقييم اكتساب الطلبة للمهارات، حتى غير التقليدية منها. وتضمنت المهام المعتمدة لتقييم تعلم كيفية التعلم اختباراً بأسئلة الاختيار من متعدد، واستبانات للتقرير الذاتي، ومتغيرات سياقية تشمل متغيرات الخلفية. ومن المهم الإشارة إلى أن إطار التقييم هذا لم يُفرض على المعلمين، إذ احتفظوا باستقلاليتهم في التدريس وتقييم الطلبة.

وكان نظام التقييم من جوانب قوة النموذج الفنلندي في إصلاح السياسات التعليمية. فقد لاحظ هاوتاماكي وكوبياينن بشأن إطار تعلم كيفية التعلم أن نحو 120000 طالب وطالبة شاركوا إجمالاً في التقييمات المختلفة على المستوى الوطني ومستوى البلديات ومستوى المدارس بين عامي 1996 و2013، مما وفر واحدة من أكبر مجموعات البيانات في العالم حول كفايات الطلبة من مختلف الأعمار واتجاهاتهم المتعلقة بالتعلم، جُمعت بأدوات قابلة للمقارنة إحصائياً.

وإلى جانب ضخامة البيانات، تتيح طبيعتها الطولية بناء نماذج سببية لتعلم الطلبة وتنمية مهاراتهم. وقد أُجريت بحوث لدراسة الفروق بين الأفراد في تعلم الطلبة، كشفت عن أهمية الاتجاهات نحو الأنشطة الأكاديمية والانخراط فيها. غير أن من المهم الإشارة إلى أن تقييمات أثر إصلاح المهارات في نواتج الطلبة ليست متاحة بسهولة حتى الآن.

وقد قدم المنهج الأساسي الوطني الذي طُبق عام 2004 سبعة محاور عابرة للمناهج، عُدت محاور التركيز الرئيسية لتعلم الطلبة ونموهم، وهي: النمو الشخصي، والهوية الثقافية والانفتاح الدولي، ومهارات الإعلام والتواصل، والمواطنة التشاركية وريادة الأعمال، والمسؤولية تجاه البيئة والرفاه والمستقبل المستدام، والسلامة بما فيها السلامة المرورية، والتقنية والفرد.

ولم تتسم هذه المحاور برغبة بارزة في إعداد الطلبة لسوق العمل، بل مالت إلى التركيز على جوانب أخرى من النمو والازدهار. وقد بُثت أهدافها ومحاور تركيزها في المواد المنهجية المختلفة على مستويات تعليمية متعددة. وكان هذا النموذج من الكفايات العابرة للمناهج، الذي برزت فيه مهارات العمل، مقدمة للمنهج الوطني المعمول به حالياً في فنلندا.

وفي المنهج الوطني الحالي، لم يعد تعلم كيفية التعلم هدفاً مستقلاً، بل أصبح إحدى الكفايات الأساسية السبع في المنهج الوطني الفنلندي. وقد اعتُمد أحدث منهج أساسي وطني عام 2014، وبدأ تطبيقه في المدارس الفنلندية منذ عام 2016. والفئات الأساسية السبع للكفايات في التعليم الابتدائي ضمن الإطار الجديد للمنهج الوطني هي: التفكير وتعلم كيفية التعلم، والكفاءة الثقافية والتواصل والتعبير، وإدارة الحياة اليومية ورعاية الذات والآخرين، والقرائية المتعددة، ومهارات تقنية المعلومات والاتصالات، ومهارات ريادة الأعمال والحياة العملية، والمشاركة وبناء مستقبل مستدام.

وتمثل هذه المجموعات السبع من المهارات نسخة معدلة من الكفايات المستعرضة السابقة، وقد أُعيد التأكيد على أهمية المهارات المتصلة بالعمل في عدة فئات من الإطار الجديد.

ومن الخصائص المميزة للنظام التعليمي الفنلندي نموذج حوكمته التعليمية. ففي فنلندا يصمم المجلس الوطني للتعليم المناهج الأساسية الوطنية لمختلف المراحل التعليمية، ثم تُعاد صياغة هذه المناهج الأساسية في مناهج محلية تراعي الاحتياجات المحلية للتعلم والتعليم. وبذلك تتألف المناهج في فنلندا عملياً من ثلاث طبقات هي المنهج الأساسي الوطني، ومناهج البلديات، ومناهج المدارس. وقد وُصف النموذج الفنلندي للحوكمة بأنه مزيج من التوجيه المركزي والقرارات المحلية. ولا يقتصر ذلك على المنهج، فالتقييم في فنلندا قائم إلى حد بعيد على الفصل الدراسي ويُصمم محلياً لا وطنياً. ففي المدارس الابتدائية مثلاً، تشمل التقييمات المدرسية ملفات الإنجاز، والتقييم الذاتي، وتقييم الأداء.

ويتجلى النموذج اللامركزي للحوكمة التعليمية في الطريقة التي يجري بها تعليم الكفايات المستعرضة وتعلمها، إذ تُشجع السلطات المحلية والمدارس على تعزيز تنمية هذه الكفايات وابتكار طرقها الخاصة في بلوغ الأهداف. ويُتوقع من المعلمين متابعة تنمية الطلبة للكفايات المستعرضة وتقييمها في موادهم. يضاف إلى ذلك أن البلديات والمدارس تمكنت من تحديد هذه الكفايات تحديداً أدق وفق مجالات التركيز الخاصة بكل منها. وتعكس هذه الاستقلالية سمة أوسع للتعليم الفنلندي، هي أن المعلمين يُنتظر منهم أن يكونوا خبراء تربويين وباحثين وقادة، ويتمتعون بدرجة عالية نسبياً من الاستقلالية. وتقوم المكانة المهنية للمعلمين على انخراطهم في التطوير المهني، حيث يتعلم المعلمون من غيرهم من المعلمين، وتتعلم المدارس من غيرها من المدارس، دعماً لاكتساب الطلبة للكفايات المستعرضة.

ونظراً للطابع اللامركزي للنظام المدرسي الفنلندي، ومحدودية وزن التقييم المعياري، والصلاحيات التي يتمتع بها المعلمون والمدارس في تكييف المنهج الوطني مع سياقاتهم المحلية، فإن التوجيهات الوطنية لتعليم المهارات الأساسية وتعلمها محدودة. ويُنظر إلى مهنية المعلمين وانخراطهم في التطوير المهني بوصفهما أفضل سبيل لدعم خبرتهم في تعزيز اكتساب الطلبة للكفايات المستعرضة. وفي الأدبيات الناطقة بالإنجليزية، لا يُعرف إلا القليل عن الطرق التي يُطبق بها المنهج، بما فيه الكفايات الأساسية السبع، في الممارسة اليومية للتعليم والتعلم. ولما كانت استقلالية المدارس والمعلمين سمة مميزة للنظام التعليمي الفنلندي، فمن المرجح أن تطوير الأدوات والأساليب التي تساعد الطلبة على تعلم المهارات الأساسية حراك قاعدي مقصود في فنلندا. بعبارة أخرى، لا يوجد نموذج معياري لأفضل الممارسات في تعليم المهارات الأساسية وتعلمها، لأن الاحتياجات المحلية هي التي تحدد أفضل السبل لتلبيتها.

وخلاصة القول إن فنلندا تبنت نمطاً منهجياً في التعامل مع المهارات، التي تُعرف بالكفايات المستعرضة، ليعلمها المعلمون كلٌّ في مادته أو مواده. وقد طورت فنلندا أدوات تساعد المعلمين على تقييم اكتساب الطلبة لهذه الكفايات، ويبدو أن وضع طرق التدريس والأساليب التربوية الملائمة متروك عن قصد لتقدير المعلمين والمدارس. ومن هذه الناحية، يبدو النموذج أكثر شمولاً في ترسيخ المهارات الأساسية في النظام المدرسي من نماذج المهارات المماثلة في دول أخرى، كنيوزيلندا مثلاً. ومع أن الأدلة المتاحة في الأدبيات الناطقة بالإنجليزية حول الكيفية التي يعزز بها المعلمون تنمية المهارات لدى طلبتهم قليلة، فمن الممكن افتراض أن النماذج التربوية الشائعة الاستخدام في المدارس الفنلندية، كالتعلم التعاوني وتوجيه الأقران، تُستخدم لاكتساب الكفايات المستعرضة بالقدر ذاته الذي تُستخدم به لاكتساب المعارف والمهارات القائمة على المواد.

مناطق كور التعليمية في كاليفورنيا، الولايات المتحدة

ثمة تفاوت كبير بين الولايات والمناطق التعليمية في الولايات المتحدة في حوكمة المدارس. فالولايات تتولى مسؤولية معظم القرارات والسياسات التعليمية، ويمكن للمناطق التعليمية داخلها أن تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية أيضاً. ولا يوجد في الولايات المتحدة منهج وطني، ولا بيان توجيهي ملزم للولايات يؤكد قيمة المهارات الأساسية في السياسات التعليمية. وقد وُضعت مؤخراً معايير الولايات الأساسية المشتركة للرياضيات وفنون اللغة الإنجليزية، لكن هذه المعايير لا تحدد بأي حال طريقة التعليم والتعلم في سياق الفصل الدراسي.

وفي ولاية كاليفورنيا، شكلت ثماني من كبرى مناطقها التعليمية، هي فريسنو وغاردن غروف ولونغ بيتش ولوس أنجلوس وأوكلاند وساكرامنتو وسان فرانسيسكو وسانتا آنا الموحدة، تحالفاً يُعرف بمناطق كور، يهدف إلى تحسين تحصيل الطلبة من خلال تعزيز تعاون وتعلم عاليي الإنتاجية وذوي معنى. وتمثل مناطق كور أكثر من مليون طالب وطالبة و1500 مدرسة. وتسعى المجموعة إلى تيسير عمل المدارس ذات الأداء المرتفع والمنخفض معاً لبناء القدرات عبر المناطق، من خلال تقديم التطوير المهني والأدوات والبحوث والفرص التي تدعم التربويين وقادة المناطق في تبادل أفضل الممارسات والدروس المستفادة.

ومن أبرز ما تركز عليه مناطق كور تنمية المهارات، وقد مضت في ذلك من خلال إدراج مقاييسها في إطار أداء المدارس لديها، بدلاً من الاعتماد على وضع المعايير المنهجية الأكثر شيوعاً في الأنظمة الأخرى. ففي عام 2013، مُنحت مناطق كور استثناءً من متطلبات المساءلة التعليمية الفيدرالية، وأُتيح لها تطوير نظامها الخاص لتحسين جودة المدارس. وهذا النظام مقاربة شاملة لتقييم أداء المدارس تتضمن مقاييس أكاديمية وغير أكاديمية. ويتضمن المؤشر متعدد المقاييس المستخدم فيه مقياساً غير تقليدي إلى جانب درجات الاختبارات الأكاديمية، مما يوسع نظام المساءلة لديها مقارنة بأنظمة أخرى ينصب فيها التركيز أكثر على بيانات أداء الطلبة المعتادة. ويرتبط 40% من التقييم الكلي بمؤشرات المناخ المدرسي، وهي معدلات الغياب، واستبانات المناخ المدرسي الموجهة إلى الطلبة والعاملين وأولياء الأمور، ومعدلات الإيقاف والفصل، ومعدلات إعادة تصنيف متعلمي اللغة الإنجليزية، إضافة إلى أربعة مقاييس لتنمية مهارات الطلبة تُجمع عبر استبانات التقرير الذاتي، وهي: عقلية النمو، والكفاءة الذاتية، وإدارة الذات، والوعي الاجتماعي.

وتشكل هذه المقاييس الأربعة مجتمعة 8% من المؤشر الكلي لأداء المدارس، وقد اختيرت لأنها عُدت ذات معنى، وقابلة للقياس، وقابلة للتشكل. وقد صُمم هذا النظام وطُبق في مناطق كور لمواجهة نمط المساءلة العقابي القائم على الامتثال السائد في كثير من الأنظمة التعليمية. وتهدف قدرة مناطق كور على تتبع تنمية ما تسميه المهارات الاجتماعية والعاطفية إلى توفير بيانات للمدارس والمناطق تمكنها من فهم أفضل للترابط بين هذه المفاهيم ونواتج الطلبة.

وقد بدأ تجريب آليات جمع البيانات المتعلقة بتنمية المهارات، وأُجري في عام 2015 اختبار ميداني كامل للاستبانة المنقحة شمل 1500 مدرسة، ويُناقش ذلك ومدى رصانة هذه الطريقة في التقييم بمزيد من التفصيل في الفصل الرابع. وتشير النتائج المبكرة إلى أن المدارس ذات المستويات المتماثلة من الأداء الأكاديمي تتفاوت فيما يتعلق بالمعلومات المجموعة حول مهارات الطلبة. وتفيد النتائج الأولية بأن إدارة الذات هي أفضل منبئ بأداء الطلبة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، في حين أن عقلية النمو هي المهارة الأكثر قدرة على التنبؤ بأداء طلبة المرحلة الثانوية.

ولا يجزم الباحثون بما إذا كان تركيز مناطق كور على مهارات التعلم الاجتماعي والعاطفي بوصفها ركيزة من ركائز المساءلة سيغير ممارسات المعلمين، ومن ثم تحصيل الطلبة في نهاية المطاف. غير أن المنطقة تخصص موارد للمساعدة على تنمية هذه المهارات، فقد مولت زمالات في التعلم الاجتماعي والعاطفي لعدد من موظفيها ليضطلعوا بدور قيادي في مناطقهم في دعم تطبيق استبانات التعلم الاجتماعي والعاطفي، وتحسين الممارسات، وإعداد تقارير البيانات. وثمة حقائب أدوات يستخدمها المعلمون لتشجيع عقلية النمو والكفاءة الذاتية وإدارة الذات والوعي الاجتماعي، وهي قابلة للتنزيل ومصممة ليستخدمها جميع المعلمين في جميع المواد والصفوف، وقد طُورت بالتعاون مع خبراء في كل مجال من هذه المجالات. كما تحصل المدارس والمناطق ذات الأداء الضعيف في أي جانب من جوانب نظام المساءلة على مستويات أعلى من التطوير المهني والدعم، تهدف إلى المساعدة في تعليم المهارات الأساسية وتعلمها.

كارولاينا الشمالية، الولايات المتحدة

تضم منطقة المدارس العامة في كارولاينا الشمالية قرابة 1.5 مليون طالب وطالبة في القطاع العام، ونحو 78000 طالب وطالبة في المدارس المستقلة. وتتمثل رسالة مجلس التعليم في ولاية كارولاينا الشمالية في أن يتخرج كل طالب في المدارس العامة من المرحلة الثانوية قادراً على المنافسة عالمياً في العمل والتعليم بعد الثانوي، ومستعداً للحياة في القرن الحادي والعشرين. ولتحقيق ذلك، تبنت كارولاينا الشمالية إطار الشراكة من أجل تعلم القرن الحادي والعشرين، الذي صممته وتنسقه منظمة غير ربحية تحظى بتمويل كبير من شركات التقنية. وثمة حالياً 21 نظاماً تعليمياً في الولايات المتحدة التزمت بإدراج هذا الإطار في جميع جوانب النظام المدرسي، بما في ذلك المعايير والتقييم والتطوير المهني. ويقوم الإطار على أربعة مفاهيم عامة هي: مهارات الحياة والمهنة، ومهارات التعلم والابتكار التي تشمل التفكير الناقد والتواصل والتعاون والإبداع، والمواد الأساسية التي تشمل القراءة والكتابة والحساب ومحاور القرن الحادي والعشرين، ومهارات المعلومات والإعلام والتقنية.

وتشجع الولايات المشاركة، ومنها كارولاينا الشمالية، المعلمين على ترسيخ هذه المفاهيم الأساسية في التعليم والتعلم في جميع مجالات المواد، غير أن القرار يعود إلى حد بعيد لكل معلم ومدرسة في كيفية دمج مكونات الإطار في أساليبهم التربوية وممارساتهم بما يحقق أقصى أثر في تعلم الطلبة. ويوفر الإطار موارد وتعريفات لكل مفهوم، لكنه لا يقدم معايير للمحتوى أو للتحصيل.

وقد أقر مجلس التعليم في كارولاينا الشمالية دمج مهارات القرن الحادي والعشرين في التعليم والتعلم بأن فرض إدراجها ضمن معايير التدريس في الولاية عام 2007. وتصف هذه المعايير الدور الرئيسي للمعلمين في تنمية المهارات، كما تحدد المهارات التي تعدها الولاية بالغة الأهمية. ففي أحد المعايير، وهو المعيار الثالث الذي ينص على أن المعلمين يعرفون المحتوى الذي يدرسونه، يُتوقع من المعلمين أن يدمجوا مهارات الحياة في القرن الحادي والعشرين في تدريسهم دمجاً مقصوداً واستراتيجياً وواسعاً، وتشمل هذه المهارات القيادة، والأخلاق، والمساءلة، والقدرة على التكيف، والإنتاجية الشخصية، والمسؤولية الشخصية، ومهارات التعامل مع الناس، والتوجيه الذاتي، والمسؤولية الاجتماعية.

وتُذكر المهارات الأساسية كذلك في معيار آخر يُتوقع فيه من المعلمين استخدام طرق متنوعة لتقييم ما تعلمه كل طالب، إذ يُناط بالمعلمين استخدام أنظمة التقييم لتوجيه التدريس، وإظهار الأدلة على معارف الطلبة ومهاراتهم وأدائهم ونزعاتهم المتعلقة بالقرن الحادي والعشرين. ومنذ إقرار معايير التدريس، غيرت مؤسسات إعداد المعلمين برامجها، واعتُمدت عملية جديدة لتقويم المعلمين، وأُطلقت في أنحاء كارولاينا الشمالية فرص جديدة للتطوير المهني متسقة مع المعايير، وكل ذلك يتسق مع سعي النظام إلى تحسين مهارات الطلبة. كما تتيح الولاية موارد تدعم التربويين في إعداد وحدات دراسية تشجع على تنمية هذه المهارات في فصولهم.

وتعيد إصلاحات كارولاينا الشمالية التأكيد على أهمية تحسين الأداء التدريسي للمعلمين من أجل ترسيخ المهارات الأساسية في التعليم والتعلم. إذ يُتوقع من جميع المعلمين في جميع المواد أن يكونوا قادرين على إدراج المهارات في مناهجهم، وأن يدرسوا المحتوى الأساسي القائم بعد تعديله ليشمل مهارات كالتفكير الناقد، وحل المشكلات، والثقافة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات. وتتاح للمعلمين فرصة التأمل في طريقة قيامهم بذلك من خلال عملية تقويم المعلمين، التي تُجرى سنوياً ويتعين فيها على المعلمين، في الحد الأدنى، المشاركة في تقييم ذاتي، وتوثيق خطط تطويرهم المهني، والمشاركة في الملاحظات الصفية الرسمية وغير الرسمية، وحضور اجتماع للتقويم الختامي يركز على بعض المعايير أكثر من غيرها.

وقد صُممت عمليات التقويم لتشجيع النمو المهني، ولتكون مرنة ومنصفة للخاضعين للتقويم، ولتكون أساساً لوضع الأهداف المهنية وتحديد احتياجات التطوير المهني. ويُقيّم المعلمون وفق سلم تقدير يصنفهم في مستويات هي: نامٍ، أو متمكن، أو متقن، أو متميز، أو غير متحقق. وفي إطار تقويمهم السنوي، يتعين على المعلمين إثبات انخراطهم المهني في جميع المعايير. ويضمن إدراج المهارات في معايير التدريس والتقويم ألا تُغفل في التعليم والتعلم في أي فصل دراسي، أياً كان الصف أو المادة، فتصبح تنمية المهارات الأساسية مسؤولية كل معلم. وعلى كل معلم أن يدعم ما يقرره من استيفائه لكل معيار بجمع أدلة، كأعمال الطلبة أو خطط الدروس، يبين فيها كيف خطط للتعلم القائم على المشكلات، أو مكّن الطلبة من إظهار إبداعهم، أو تحدى عمليات التفكير لديهم.

أستراليا

أستراليا دولة اتحادية، وتقع السياسات التعليمية إلى حد بعيد ضمن مسؤوليات الولايات والأقاليم. وثمة إطار للمنهج الأسترالي متفق عليه مركزياً يمتد من السنة التأسيسية أو التمهيدية حتى الصف العاشر، مع معايير للتحصيل تحدد التقدم المطلوب في كل سنة دراسية. ويضم المنهج الأسترالي مجالات المواد التقليدية، وثلاثة أهداف شاملة، وسبع قدرات عامة. وتجمع القدرات العامة كثيراً من مجالات المهارات الأساسية، وهي: القراءة والكتابة، والحساب، والقدرة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، والتفكير الناقد والإبداعي، والقدرة الشخصية والاجتماعية، والفهم الأخلاقي، والفهم بين الثقافات.

ويقترح إطار المنهج الأسترالي أن تُرسخ هذه القدرات العامة عبر مجالات المواد. ولا توجد معايير محددة للمحتوى أو التقييم في القدرات العامة، وإنما معايير تعلم عامة. ويعود للمدرسة قرار تحديد وقت إدخال القدرات العامة وكيفيته والمادة التي تُدرج فيها، كما تتمتع المدارس بالاستقلالية في تقرير ما إذا كانت تحتاج إلى تعلم مهني أو موارد إضافية لدعم المهارات الأساسية في تعليمها وتعلمها دعماً أفضل. وتحدد سلطة كل ولاية وإقليم ما إذا كان تعلم الطلبة للقدرات العامة سيخضع لمزيد من التقييم والإبلاغ، وكيفية ذلك. ففي جنوب أستراليا مثلاً، لا تُلزم المدارس بإعداد تقارير منفصلة عن القدرات العامة والأولويات العابرة للمناهج، لكنها تُشجع على الإشارة إلى المهارات الأساسية في مجالات التعلم لديها، واستخدامها في تقاريرها عبر مجالات المواد المختلفة. ولا تُذكر القدرات في معايير التدريس الصادرة عن المعهد الأسترالي للتدريس والقيادة المدرسية، كما لا تُلزم مؤسسات إعداد المعلمين بتقديم مقررات حول كيفية تطبيقها.

وتطبق ولاية فيكتوريا المنهج الفيكتوري، وهو تفسير للمنهج الأسترالي لكنه يختلف عنه مع ذلك. فإلى جانب مجالات التعلم كالفنون، واللغة الإنجليزية، والصحة والتربية البدنية، والعلوم الإنسانية، واللغات، والرياضيات، والعلوم، والتقنيات، ثمة أربع قدرات هي: التفكير الناقد والإبداعي، والقدرات الأخلاقية، والقدرات بين الثقافات، والقدرات الشخصية والاجتماعية. وتُعد هذه القدرات عابرة للمناهج، غير أن فيكتوريا، خلافاً للأنظمة الأخرى، قننت هذه المفاهيم بواصفات للمحتوى ومعايير للتحصيل ممتدة من رياض الأطفال حتى الصف العاشر. وتنص التوجيهات المقدمة على أن محتوى المنهج، أي ما يُتعلم فيه، بشقيه المعرفة الإجرائية والمعرفة التقريرية، يمكن بل يجب تحديده صراحة بدلاً من تركه مكوناً ضمنياً من مكونات خبرة التعلم. ويُتوقع من المعلمين تقييم تقدم الطلبة في هذه المقاييس والإبلاغ عنه على امتداد مسار التعلم. ويُعد التخطيط المنهجي على مستوى المدرسة كلها السياق الذي يُقرر فيه أي معلم وفي أي مادة يُقدم المحتوى المرتبط بالقدرات، ومن ذلك مثلاً تحديد السياق داخل المنهج الذي يتعلم فيه الطلبة، في إطار التفكير الناقد والإبداعي، كيف يجربون أفكاراً وأفعالاً بديلة بوضع تصوراتهم المسبقة جانباً. ومن أوجه الشبه مع الأنظمة الأسترالية الأخرى أن القدرات العابرة للمناهج لا تُدرج إلا حتى نهاية الصف العاشر، أما في الصفين الحادي عشر والثاني عشر فيُعاد التوجه نحو المواد التقليدية في منهج المرحلة الثانوية العليا.

دراسة حالة منهجية: البكالوريا الدولية

تختلف دراسة الحالة الأخيرة عن سابقاتها في أنها لا تعرض نظاماً مدرسياً بعينه، بل تركز على حزم المناهج والامتحانات التي تطبقها منظمة البكالوريا الدولية في المدارس المشاركة حول العالم. ومن الأسباب المهمة لإدراج هذه الحالة البنية الفريدة لمناهج البكالوريا الدولية، ومكانة المهارات في المواد المختلفة عبر طيف هذه المناهج، وهذا عامل ذو صلة لأن المهارات الأساسية تتجلى عادة في المنهج أولاً. والأهم من ذلك لهذه المراجعة أن مناهج البكالوريا الدولية ربما حظيت بالبحث أكثر من أي منهج وطني، إذ ثمة أدبيات واسعة حولها مقارنة بدراسات الحالة الأخرى المعروضة هنا، بما في ذلك بحوث ضمان الجودة ودراسات التقويم.

وللبكالوريا الدولية مناهج وامتحانات وموارد وخدمات تعليمية مرتبطة بها. وتمتد برامجها الأربعة من بداية المرحلة الابتدائية حتى نهاية التعليم الثانوي؛ فبرنامج السنوات الابتدائية مخصص للتعليم الابتدائي وما قبله، وبرنامج السنوات المتوسطة مخصص للمرحلة الإعدادية، وبرنامج الدبلوما شهادة للمرحلة الثانوية العليا تمهد للجامعة، والبرنامج المهني هو النظير المهني لبرنامج الدبلوما. ولما كان البرنامج المهني لا يزال في بداياته، فسينصب التركيز على البرامج الثلاثة الأخرى.

وفيما يتعلق بالمهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين، فمن السمات اللافتة في تعليم البكالوريا الدولية وجود ملمح للمتعلم يتسم بطابع مستعرض، ويشمل جميع طلبتها في جميع برامجها. أما الجانب اللافت الآخر فهو مجموعة مهارات مقاربات التعلم المستعرضة.

ويحدد ملمح المتعلم عشر سمات يُتوقع، في الوضع المثالي، أن ينميها جميع طلبة البكالوريا الدولية. ووفقاً لوثائق سياسات البكالوريا الدولية، ينبغي أن يصبح الطلبة: باحثين مستقصين، ومطلعين، ومفكرين، ومتواصلين، وأصحاب مبادئ، ومنفتحي الذهن، ومهتمين بالآخرين، ومقدامين على المخاطرة، ومتوازنين، ومتأملين.

وتمثل هذه السمات العشر مجموعة طموحة من الصفات يُتوقع من جميع معلمي البكالوريا الدولية السعي إلى غرسها في طلبتهم. وقد ظهر ملمح المتعلم أول مرة في برنامج السنوات الابتدائية، وهو برنامج صُمم ليقدم مقاربة مبتكرة للتعليم الابتدائي تقوم على التعلم الاستقصائي والشمولي.

ومن اللافت أن قائمة السمات العشر هذه تتضمن بعض المهارات الأساسية المذكورة في الفصل السابق، كالتفكير الناقد والإبداع وحل المشكلات، تحت عنوان المفكر. ومن الجدير بالملاحظة كذلك أن سمات ملمح المتعلم العشر ليست جميعها من نوع واحد من المفاهيم، فبعضها يمثل مهارات، وبعضها الآخر يمثل اتجاهات أو نزعات. فانفتاح الذهن مثلاً من النزعات التي تُعد ضرورية لتنمية الطلبة مهارات التفكير الناقد، والنزعة التأملية أساس لما وراء المعرفة والتنظيم الذاتي.

ومن ثم يبدو أن ملمح المتعلم يجسد جزءاً من المهارات الأساسية لتعلم القرن الحادي والعشرين التي نوقشت سابقاً. ويُعرَّف صراحة بأنه ترجمة لبيان رسالة البكالوريا الدولية إلى مجموعة من نواتج التعلم للقرن الحادي والعشرين، وقد صُمم ليغطي الجوانب المعرفية والنزوعية والوجدانية للتعلم. غير أن الطريقة التي توصلت بها المنظمة إلى قائمة الفضائل العشر هذه انتُقدت لافتقارها إلى الوضوح أو المنطق.

وتقدم المنظمة بعض التوجيهات للمعلمين وقادة المدارس حول كيفية ترسيخ تنمية ملمح المتعلم في الممارسات الصفية اليومية، والتقييم وإعداد التقارير، وممارسات الإدارة والقيادة. ويُقيّم نمو ملمح المتعلم لدى الطلبة تقييماً رسمياً في برنامج السنوات الابتدائية، في حين يقتصر الأمر على التشجيع عليه في برنامج السنوات المتوسطة وبرنامج الدبلوما. ففي برنامج السنوات الابتدائية، يُطلب من المدارس الإبلاغ عن اكتساب الطلبة لسمات ملمح المتعلم لأغراض تكوينية، وتقترح المنظمة استخدام ملفات الإنجاز لجمع الأدلة على نمو ملامح المتعلم لدى الطلبة. وفي برنامج السنوات المتوسطة، طورت بعض المدارس استبانات قصيرة للتقييم الذاتي يتابع بها الطلبة ملمحهم بأنفسهم. وفي عام 2016، طور باحثون استبانة رسمية لملمح المتعلم لجميع الصفوف، ولم يتضح بعد كيف ستُستخدم هذه الأداة في مدارس البكالوريا الدولية.

وقد أسهمت بحوث بدعم من المنظمة كذلك في وضع مبادئ وأدوات تربوية تساعد الطلبة على تنمية مهارات ملمح المتعلم. فقد قدم باحثون مثلاً توصيات لمعلمي البكالوريا الدولية لتعليم مهارات التفكير وتقييمها، والتعاون، بل وانفتاح الذهن أيضاً. ومن اللافت أن دراسة حالة حديثة تشير إلى أن طلبة برنامج السنوات المتوسطة لا يعتقدون أن شخصيتهم، كما تعبر عنها سمات ملمح المتعلم، تختلف عن شخصية الطلبة الذين لا يدرسون في برامج البكالوريا الدولية. كما تبين البحوث وجود ثلاثة تصورات لملمح المتعلم لدى المعلمين والطلبة في برنامج الدبلوما: ملمح المتعلم بوصفه معرفة تُكتسب، وبوصفه أنماطاً للانخراط في التعلم، وبوصفه هوية للطالب. ويدل تعدد التصورات على الفجوة التي قد تنشأ بين المقاربات المنهجية للمهارات وطريقة إدراك الطلبة والمعلمين لها وممارستهم إياها في المدارس، على الأقل في المرحلة الثانوية العليا. فترسيخ المهارات الأساسية في المنهج أساساً يعرضها لأن يعيد المعلمون والطلبة صياغتها في شيء مختلف. بل يبدو أن طلبة برنامج الدبلوما يتصورون ملمح المتعلم عموماً بوصفه مجموعة من السمات الأخلاقية لا مهارات للتعلم، ويواجه معظمهم تناقضاً بين ضغط الوقت الشديد والتركيز القوي على الامتحانات، مما لا يترك إلا وقتاً قليلاً لتنمية سمات لا تخضع للتقييم. وقد أبدى طلبة برنامج الدبلوما تردداً حين سُئلوا عما إذا كانت الدبلوما قد ساعدتهم على تنمية سمات ملمح المتعلم. وعلى نحو مماثل، يتفاوت المعلمون في استعدادهم لفهم ملمح المتعلم، وقد أشار بعضهم إلى التباسه عليهم. وتبين البحوث أن الاقتصار على النمط المنهجي في التعامل مع المهارات الأساسية قد لا يكفي لتهيئة الظروف الأكثر ملاءمة لتنميتها.

وكما تبين الفقرة السابقة، فإن من إشكالات ملمح المتعلم احتمال بعده عن ممارسات المعلمين وتعلم الطلبة أو ضعف صلته بهما. وتعوض مقاربات التعلم في البكالوريا الدولية جزئياً هذا البعد، إذ تُعرّف بأنها استراتيجيات ومهارات واتجاهات مقصودة تتخلل بيئة التعليم والتعلم في البكالوريا الدولية. ومقاربات التعلم الخمس مهارات محددة يستخدمها الطلبة للانخراط في التعلم وفيما وراء التعلم، أي تعلم كيفية التعلم، وهي: مهارات التفكير، ومهارات التواصل، والمهارات الاجتماعية، ومهارات إدارة الذات، ومهارات البحث. ومع أن مقاربات التعلم كانت في البداية حكراً على برنامجي السنوات الابتدائية والمتوسطة، فقد عُممت الآن على جميع برامج البكالوريا الدولية، وإن بصورة معدلة.

وتغطي مقاربات التعلم جزئياً المهارات الأساسية الواردة في الأدبيات العلمية؛ فمهارات التفكير مثلاً تشمل التفكير الناقد والإبداع، ومهارات إدارة الذات تشمل الانضباط والدافعية والإصرار. ويبدو أن تطوير مقاربات التعلم واختيارها أكثر اتساقاً مع بحوث التعلم مقارنة بملمح المتعلم. بل إن المنظمة نشرت مراجعتها الخاصة للأدبيات حول الأهداف التعليمية الناشئة، كالتفكير الناقد، والإبداع، وما وراء المعرفة والتنظيم الذاتي، والمهارات الذاتية ومهارات العلاقات مع الآخرين. وتقدم هذه المراجعة مسوغاً واضحاً لاختيار المهارات الأساسية، وقاعدة أدلة يستند إليها هذا الاختيار، كما توضح للمعلمين المنطق الذي تقوم عليه مقاربات التعلم. غير أن طول الوثيقة ومحدودية سهولة قراءتها يُرجح أن ينفرا المعلمين الذين قد يركزون على مقاربات التعلم في موادهم من الاطلاع عليها. ولا تتوفر إلا بحوث قليلة حول أثر مقاربات التعلم في اكتساب الطلبة للمهارات.

وتقدم البكالوريا الدولية ورش عمل وفرصاً للتطوير المهني مخصصة تحديداً لمقاربات التعلم، وقد يكون ذلك سبيلاً لتعزيز التزام المعلمين بتطبيقها في فصول البكالوريا الدولية. كما تتضمن توجيهات برنامج السنوات المتوسطة إرشادات واضحة ومفصلة حول استخدام مقاربات التعلم، والمهام التي يمكن للطلبة إنجازها أو المشكلات التي يمكنهم حلها بهذه المهارات، ويتحمل جميع المعلمين مسؤولية دمج مهارات مقاربات التعلم وتدريسها صراحة. ومع أن هذه سمات واعدة لمقاربات التعلم في برامج البكالوريا الدولية، فإن البحوث التي درست نمو هذه المهارات لدى الطلبة عبر البرامج المختلفة قليلة. وثمة دراسات تركز على طيف محدود من المهارات، غير أن تقويماً أشمل لنمو مهارات طلبة البكالوريا الدولية سيكون قيماً في تقدير فاعلية مقاربات التعلم في تعزيز المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين.

السمات المشتركة في التصميم والتطوير

يكشف استعراض مدى تبني المهارات التي حددها الفصل الثاني في دراسات الحالة أن من الشائع أن تحمل المهارات مسميات مختلفة رغم أنها تبدو المفهوم ذاته. فالتعاون والتواصل مثلاً يُعبَّر عنهما بصيغ متعددة، كالإدارة الاجتماعية، والوعي الاجتماعي، والمهارات الاجتماعية، والتواصل مع الآخرين، والكفاءة الثقافية والتواصل والتعبير. ويؤكد ذلك مغالطة التباين اللفظي التي تحيط بالمهارات عادة، والتي قد تشوش أحياناً المعنى المشترك وربما تعرقل المقاربات المشتركة.

كما يتبين أن كثيراً من المهارات التي يُنظر إليها بوصفها ذات صلة تربوية ومهمة لتنميتها لدى الشباب تحظى بالتركيز في دراسات الحالة، وإن كان يبدو أن الثقة في ملموسية بعض المهارات الأساسية وقابليتها للتشكل أكبر منها في غيرها. فقد كان التفكير الناقد والإبداع وحل المشكلات والتعاون أكثر حضوراً ضمن أطر الأنظمة وسياساتها، ولهذه المهارات جذور راسخة في النقاش التربوي ووثائق السياسات. كما تبرز بقوة في دراسة كير ولو المقارنة لعشر دول في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي خلصت كذلك إلى أن مهارات العلاقات مع الآخرين والإبداع كانت أكثر ذكراً من غيرها من المهارات في أطر المناهج.

أما المهارات التي يُنظر إليها أحياناً بوصفها نزعات أو مهارات ذاتية، كالدافعية والكفاءة الذاتية والانضباط والعزيمة أو المثابرة، فهي أقل حضوراً في الأطر المنهجية والسياسات التي تمت مراجعتها في دراسات الحالة. ويمكن أن يُعزى ذلك جزئياً إلى أن بعض هذه المفاهيم إضافات حديثة نسبياً إلى البحث التربوي، كالعزيمة، وأنها مقتبسة من الدراسات النفسية.

ورغم مكانة المهارات الأساسية في الفكر السياساتي وبيانات التخطيط في الأنظمة المدرسية الممثلة في دراسات الحالة، فإن ثمة ما يوحي بأن بيانات السياسات هذه بيانات تصميم، أي محاولات لتعزيز المهارات في عمل المدارس، أكثر منها انعكاساً لإنجاز فعلي في عمل المعلمين والمدارس. وقد يعود ذلك إلى التمايز القائم في الغالب بين التوقعات الواردة في بيانات السياسات وأطر المناهج وما يُقدم فعلياً في المدارس. ويرى بينكلي وزملاؤه أنه من غير المرجح أن تنعكس هذه البيانات الوطنية لغايات القرن الحادي والعشرين وأهدافه في خبرة التعلم الفعلية للطلبة أو في التقييمات التي تُطبق. فدمج المهارات في العمل الميداني للمدارس ينطوي على تحولات ومتطلبات متعددة، ليس نشر البيانات والأطر المنهجية سوى مقاربة واحدة منها. ولا بد أن يقترن التطبيق الناجح للسياسات بآليات دعم صارمة على امتداد النظام التعليمي، بما في ذلك الاستثمار في بناء قدرات المعلمين. فالمهارات المنشودة تحتاج إلى أن تُقنن وتُدرج في المعايير، وأن تُقاس وتصبح ملموسة من خلال التقييم، مع مواد ومحتوى وطرائق محددة للمناهج والتدريس، وأن تُبنى في التدريس والمدارس من خلال التطوير المهني وتهيئة بيئات التعلم. ولا تتوفر حتى الآن إلا أدلة قليلة على وجود نظام مدرسي نجح في تحقيق جميع هذه الأهداف أو النواتج، غير أن بيانات كثير من الأنظمة تكشف عن النية في ذلك.

أدلة الأثر

تُعد الخطوات السياساتية التي اتخذتها الأنظمة لإعادة التأكيد على المهارات وتحسينها في التعليم والتعلم حديثة نسبياً، ومما يؤسف له أنه لا تتوفر للعموم في الوقت الراهن تقييمات رصينة لمدى نجاح تطبيقها أو لأثرها. ومن الصعب العثور على بحوث تتناول فاعلية إدراج المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين في البيانات والأطر المنهجية وأثره. ولذلك تميل دراسات الحالة إلى إبراز وجود سياسات تدعم إدراج المهارات الأساسية في المدارس، أكثر مما تشير إلى أدلة على تغير فعلي في التعليم والتعلم ونواتج الطلبة. وعلى نحو مماثل، توصل عمل كير ولو إلى أن الصلة بين السياسات والممارسة الفعلية في الفصول الدراسية لم تكن متطورة ولا مفهومة بما يكفي. وفي جميع الأنظمة موضوع دراسات الحالة، لا تتوفر إلا أدلة قليلة في صورة تقويمات واسعة النطاق أو دراسات نوعية أو كمية تقوم على تحليل رصين، يمكن أن تساعد في الإجابة عن سؤال ما إذا كان قد حدث تغير كبير في التعليم والتعلم نتيجة إدراج المهارات ذات الصلة. ويمكن تفسير ذلك جزئياً بتعقيدات تقييم المهارات وتقويمها، التي يتناولها الفصل التالي.

ويبرز شح البحوث حول الكيفية التي سعت بها الأنظمة المدرسية إلى تحسين المهارات الأساسية ودمجها قيمة أن يسير البحث والإصلاح جنباً إلى جنب. ففي جميع الأنظمة موضوع دراسات الحالة، يُتوقع أن يؤدي جميع المعلمين دوراً في تنمية المهارات الأساسية باستخدام مقاربة عابرة للمناهج على مستوى المدرسة كلها. ودون بحوث تتابع الإصلاح بالتزامن معه، لا يمكن معرفة الكيفية التي يطبق بها المعلمون الأطر المنهجية الجديدة التي تؤكد المهارات الأساسية إلى جانب المواد التقليدية. فهل يشعر المعلمون بأنهم يتلقون الدعم الكافي لتحقيق الأهداف السياساتية الواردة في أهدافهم المنهجية؟ وهل يعد المعلمون المهارات الأساسية أولوية مساوية لتقديم المحتوى الخاص بالمواد أم أدنى منه؟ وما مقاربات التعلم أو الأساليب التربوية التي يرى المعلمون أنها الأنجع في تنمية هذه المهارات؟ إن ثمة فجوة هنا بين السياسات والممارسة.

وثمة دراسات محدودة النطاق تشير إلى عمق الجهد اللازم لترسيخ مقاربة تحسن المهارات الأساسية في التعليم والتعلم ترسيخاً ناجحاً، ومن أمثلتها عمل لوكاس حول الإبداع. فقد عمل فريقه البحثي في البداية مع مجموعة من المعلمين على الإطار التعريفي للإبداع، ثم جُمع المعلمون من جميع المدارس المشاركة في الدراسة لتبادل الممارسات القائمة واستكشاف طرق جديدة لتنمية الإبداع. وشارك الباحثون في هذه النقاشات وقدموا بعض المشورة بشأن المقاربة التربوية للمعلمين. وطُورت أدوات تقييم تستهدف الإبداع بالشراكة مع المعلمين، وجرى تجريبها وتنقيحها خلال الدراسة. وظل الباحثون على تواصل مع المدارس، ولاحظوا الممارسات طوال الدراسة لفهم الطرق التي تمكنت بها المدارس من جعل تنمية إبداع الطلبة ممكنة عملياً، ثم استخدام التقييم التكويني. ومما يؤسف له أن كثافة هذه المقاربة في تنمية إبداع الطلبة تجعل تكرارها على مستوى أنظمة بأكملها أمراً عسيراً.

ودون قاعدة أدلة توضح أفضل السبل لإدراج المهارات أو ترسيخها في الممارسات اليومية للمدارس، ستظل المحاولات على مستوى النظام لتأكيد دمج المهارات الأساسية في التعليم والتعلم مجرد بيانات تطلعية وخطاب لا أكثر. ومن المخاطر أن يعود التغيير التربوي مرهوناً مرة أخرى بجهود المعلم البطل. وثمة خطر حقيقي في أن يُنظر إلى المهارات بوصفها مبهمة ومتعذرة التحقيق في ظل الواقع العملي اليومي للمدارس، وازدحام المنهج، وأعباء العمل الكبيرة أصلاً على المعلمين. ولهذا انعكاسات واضحة على الأنظمة، إذ يصبح تطوير قدرات المعلمين والاستثمار فيها على وجه الخصوص أمراً حاسماً لدعم التغيير على مستوى النظام.

فالتطوير المنهجي ليس سوى استراتيجية واحدة لترسيخ المهارات في التعليم والتعلم على نحو أفضل، ويُخشى إن اقتُصر عليه أن يغدو تمريناً خطابياً أكثر منه أي شيء آخر. ويتضح من الروايات المختلفة أن أنظمة كثيرة بدأت الآن تتجاوز بيانات التطلع، وتنظر في كيفية دمج المهارات المحددة في الفصول الدراسية دمجاً أفضل. ومن خلال إصلاح منظومي واسع النطاق وتحويلي، يُرجح أن تتاح لأفواج كاملة من الطلبة فرص أفضل لتنمية المهارات المنشودة في التعليم المدرسي النظامي. ومن المرجح أن يقوم الإصلاح الأكثر فاعلية على مقاربات تراعي معايير التدريس، والتقييم، والمناهج وطرائق التعليم، والتطوير المهني، وبيئات التعلم. ولا يمكن حالياً العثور على نظام مدرسي أطلق إصلاحات واسعة النطاق ومتعددة الأوجه في جميع هذه المجالات، وإن كان ذلك مرشحاً للتغير بفضل الاهتمام المتنامي بأهمية تبني نظرة أوسع للمهارات التي يحتاجها الشباب للنجاح داخل المدرسة وخارجها.

دراسة ذات صلة