الملخص التنفيذي
تكشف التحليلات الحديثة التي تتناول اتجاهات التقنية والاقتصاد وسوق العمل أن عالم العمل يمر بتحول واضح. فقد توقعت دراسة حديثة، استناداً إلى تحليل سنوي لاتجاهات العمل لدى الأستراليين، أنه مع تراجع حاجة العاملين إلى أداء المهام الروتينية واليدوية بفعل التقنية، سيخصصون وقتاً أطول للتعامل مع الآخرين، وحل المشكلات ذات الطابع الاستراتيجي، والتفكير الإبداعي. وقد قاد ذلك بعضهم إلى الرأي القائل إن الطلبة، إلى جانب حاجتهم إلى معرفة عميقة وواسعة في التخصصات الرئيسية، سيحتاجون إلى طيف من المهارات والقدرات، منها التفكير الإبداعي والتفكير الناقد وحل المشكلات، كي ينجحوا في عالم المستقبل. غير أن ذلك يثير أسئلة جوهرية: ما المهارات التي ستحتاجها الأجيال القادمة؟ وهل وجدت طريقها بعد إلى التعليم والتعلم في المدارس؟ وكيف نضمن قدرة المدارس على تعليمها ونقلها إلى الطلبة؟
يتناول هذا التقرير انعكاسات هذه الأسئلة الحاسمة على أستراليا، منطلقاً من إدراك أن النقاش حول المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين، على اتساعه، لم يُفضِ بعد إلى اتفاق واضح على ماهية هذه المهارات، فضلاً عن إمكانية تعليمها أو قياسها أو تقييمها. ولذلك تحمل التأملات الواردة في هذا التقرير قدراً من الطابع الاستشرافي، وينبغي النظر إليها بوصفها إسهاماً في النقاش الدائر حول المهارات التي ينبغي لنظامنا التعليمي أن يراعيها عند بناء المقررات والمناهج الدراسية التي تُعد الشباب إعداداً أفضل لحياتهم المستقبلية. وأهداف التقرير متواضعة، إذ يسعى إلى جمع أبرز ما طُرح من أفكار حول هذا الموضوع، والنظر في بعض الجهود المبذولة في تعليم المهارات التي ستحتاجها الأجيال القادمة وتقييمها.
النقاط الرئيسية
ما المهارات الأساسية؟
ثمة اتفاق عام على أن دور المدارس ينبغي أن يتجاوز كونها مصانع لمعدلات القبول الجامعي. بعبارة أخرى، يُنتظر من الأنظمة المدرسية أن تقدم للطلبة أكثر من مجرد إعدادهم للاختبارات الأكاديمية وتحسين درجاتهم فيها. فمن منظور شمولي، ينبغي للتعليم المدرسي أن يزود الشباب بالأدوات التي يحتاجونها ليصبحوا مفكرين منخرطين، ومتعلمين يتمتعون بالمرونة وسعة الحيلة، ومبدعين في حل المشكلات، وأعضاء فاعلين في مجتمعاتهم.
تُعد مجموعة واسعة من المهارات والنزعات المرتبطة بها حيوية للتعليم المدرسي في القرن الحادي والعشرين، ومنها مهارات التفكير، والمهارات الاجتماعية والعاطفية، والمهارات المتصلة بالاتجاهات كالدافعية والكفاءة الذاتية. وتشكل هذه المهارات شبكة مفاهيمية كثيفة، أي أن مفاهيمها مترابطة بطرق معقدة ويتداخل بعضها مع بعض أحياناً. ومن الصعب إقامة تمييز واضح بين المعرفة والمهارات والنزعات استناداً إلى سلوك الطلبة، ولهذا تسعى أطر نظرية متعددة إلى استيعاب هذا التعقيد.
ومع أن تحديد أهم المهارات أمر عسير، فقد حظيت المهارات التالية باهتمام وثيق ومركز من صانعي السياسات والباحثين والممارسين: التفكير الناقد، والإبداع، وما وراء المعرفة، وحل المشكلات، والتعاون، والدافعية، والكفاءة الذاتية، والانضباط، والمثابرة أو العزيمة.
وهذه القائمة، وإن لم تكن شاملة ولا منزهة عن النقد، هي ثمرة مراجعة متأنية للأدبيات والبحوث التربوية، وللأطر الأسترالية والدولية للتعلم. وتضم هذه المهارات والمفاهيم المرتبطة بها أكثرها تكراراً في الأطر المختلفة وفي النقاشات المتعلقة بمهارات القرن الحادي والعشرين. ويمكن تعلم هذه المهارات جميعها وتنميتها، وإن كان مدى إمكانية تنميتها في السياق المدرسي يتفاوت. وتشير الأدلة إلى أن معظم هذه المهارات والنزعات قابلة للانتقال من سياق إلى آخر، غير أن الأجدر النظر إليها بوصفها مرتبطة جزئياً بالسياق أو بالمحتوى لا بوصفها عامة تماماً. فالتمكن من التفكير الإبداعي والناقد في الرياضيات مثلاً قد لا ينعكس تفكيراً إبداعياً وناقداً في اللغة الإنجليزية. كما يرتبط بعض هذه المهارات بالتحصيل الأكاديمي، مع ضرورة التنبيه إلى أن فهمنا للآليات السببية الكامنة وراء هذا الارتباط لا يزال محدوداً.
تعليم المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين
اختار عدد من الأنظمة التعليمية حول العالم مهارات وسمات مختلفة واعتمدتها نواتج تعلم للطلبة في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وتبنت مقاربات على مستوى النظام التعليمي تهدف إلى تحسين اكتساب هذه المهارات من خلال الارتقاء بالتعليم والتعلم. ويعرض هذا التقرير عدداً من هذه الأنظمة، مستعرضاً طيفاً من نماذج التطبيق مع النظر في نجاحاتها وتحدياتها. وقد وضعت معظم هذه الأنظمة، إن لم يكن جميعها، أطراً للتعلم تتسق مع الأهداف الوطنية للتعليم المدرسي التي أعلنها وزراء التعليم الأستراليون، والتي تدعو إلى أن يدعم التعليم المدرسي تنمية مهارات أوسع في مجالات مثل التفاعل الاجتماعي، والتفكير متعدد التخصصات، واستخدام الوسائط الرقمية، إضافة إلى مجالات كالمواطنة والإسهام في خدمة المجتمع، وذلك وفق ما نص عليه إعلان ملبورن بشأن الأهداف التعليمية للشباب الأسترالي.
وعادة ما عبرت الأنظمة التعليمية عن التزامها بتطوير المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين من خلال تحديد أهداف عامة للتعلم، ووضع قائمة بالمهارات المترابطة اللازمة لتحقيق هذه النواتج. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة ألبرتا الكندية التي جعلت مفهوم متعلم القرن الحادي والعشرين محوراً أساسياً لتصميم مناهجها، فحددت ثلاثة أهداف عامة للتعلم يتجه فيها التعليم المدرسي إلى ضمان إتاحة الفرص للشباب كي يصبحوا مفكرين منخرطين، ومواطنين ملتزمين بالقيم الأخلاقية، وأصحاب روح ريادية. وإلى جانب مهارات القراءة والكتابة والحساب، تُعد مهارات التفكير الناقد، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والإبداع والابتكار، والتواصل، وإدارة الذات، والمسؤولية الاجتماعية، والطلاقة الرقمية، مهارات مترابطة بالغة الأهمية في بناء متعلم القرن الحادي والعشرين في ألبرتا.
ومع أن معظم الأنظمة التعليمية نشطت في تطوير أطر للتعلم والبحث في سبل إدراج المهارات في مناهجها، ومع أن بعضها استثمر في إعداد المعلمين وتطويرهم المهني لتعزيز هذه المهارات، فإن الأدلة المتاحة حتى الآن على تحول واسع وناجح في الممارسات الصفية والتقييم تظل محدودة. وتدرك معظم الأنظمة أن المهارات الأساسية ينبغي أن تُنمّى من خلال تدريس التخصصات ومحتوى المواد الدراسية، وربما عبر المواد الدراسية كذلك، غير أنه لا يوجد بعد نظام مدرسي قادر على إثبات تركيز عام ومتسق على هذه المهارات في جميع المدارس والمواد والمراحل الدراسية.
ومن المرجح أن يقوم الإصلاح الفعال على مقاربات تراعي معايير التدريس، والتقييم، والمناهج وطرائق التعليم، والتطوير المهني، وبيئات التعلم. فالأثر المترابط لهذه الجوانب التعليمية مجتمعة هو ما يهيئ الظروف لتعلم أكثر منهجية للمهارات الأساسية. ولا بد أن يقترن التطبيق الناجح للسياسات باستثمار استراتيجي في بناء قدرات جميع المعلمين في مختلف السياقات المدرسية والصفية.
قياس المهارات وتقييمها
يمثل إيجاد مقاييس وأدوات تقييم صادقة وموثوقة عقبة حاسمة أمام كثير من الأنظمة المدرسية في تطوير المهارات الأساسية وتطبيقها. فبينما حظي تطوير أطر المهارات وتصنيفاتها باهتمام كبير، لم يُولَ قياسها وتقييمها إلا اهتمام أقل بكثير.
وتتمثل الطرق الثلاث الرئيسية لتقييم مهارات الطلبة في: الاستبانات الطلابية التي تتيح الحصول على تقديرات ذاتية لمستوى المهارة، والتقييم المباشر عبر اختبارات مماثلة لتلك المستخدمة في قياس مهارات القراءة والكتابة والحساب، وأحكام المعلمين أو تقاريرهم حول مستويات المهارات. ولكل طريقة من هذه الطرق جوانب قوة وجوانب قصور.
وتتوقف ملاءمة طريقة التقييم على نوع المهارة المراد تقييمها. فالمهارات التي يُشار إليها أحياناً بالسمات أو بالمهارات الناعمة، كالعزيمة والكفاءة الذاتية والانضباط والتواصل، يصعب قياسها بالتقييم المباشر، ولذلك يميل قياسها إلى الاعتماد على التقرير الذاتي المستند عادة إلى المقاييس النفسية القائمة على الاستبانات. أما التقييم المباشر فيسهل تطبيقه حين تكون المهارات أقرب إلى ما يُعرف تقليدياً بالمهارات المعرفية، وحيث جرت العادة على استخدام الاختبارات.
ويُعد الغرض من التقييم جانباً حاسماً آخر ينبغي مراعاته عند اختيار طريقته. وثمة أربعة أغراض رئيسية للتقييم في الأنظمة المدرسية: متابعة تعلم الطلبة وتقدمهم على المستويين الفردي والجماعي، ودعم تحسين التدريس، ورصد أداء النظام التعليمي، وتحديد الأولويات من خلال إبلاغ المعلمين وأولياء الأمور بالكفايات التي تحظى بالتقدير. وقد تخدم بعض طرق التقييم غرضاً معيناً أفضل من غيرها؛ فأحكام المعلمين مثلاً مفيدة على نحو خاص في تحسين التدريس لكونها مباشرة وفورية، في حين تفضل كثير من الأنظمة حالياً التقرير الذاتي للطلبة عند تناول المهارات الأوسع، لما يتيحه من إيجاز بتكلفة منخفضة نسبياً.
ويبدو أن الجمع الحصيف بين طرق تقييم متعددة، يقوم على الدرجات وعلى التقييم النوعي معاً، ويتحدد وفق غرض التقييم والمهارة المقيّمة، كفيل بتحسين تقييم المهارات الأساسية واكتساب الطلبة لها. أما تقييم هذه المهارات لغرض رصد أداء النظام التعليمي فيستلزم عناية دقيقة بجوانب القوة والقصور في كل طريقة من طرق التقييم.
العمل المستقبلي
أكدت المراجعة التي أُجريت لهذا التقرير، من بين أمور أخرى، أن كثيراً من الأنظمة والمدارس بذلت جهوداً كبيرة لتوسيع تصورها للمهارات التي يحتاجها الشباب لمستقبلهم. وفي الوقت ذاته، لا تتوفر إلا أدلة قليلة تقدم توجيهاً واضحاً بشأن أنجع المقاربات لتعليم هذه المهارات وتعلمها، وأفضل السبل لتقييمها. كما يظل غير واضح ما إذا كانت هذه التصورات السياساتية مدعومة بما يكفي من مساندة للمعلمين والمدارس لتحقيق التوقعات المعقودة عليهم. ومع أن الأدبيات البحثية تتضمن نماذج ناجحة من الممارسات، فإن الأنظمة المدرسية لا تزال تعمل على بلورة مقاربة متماسكة لدمج المهارات الأساسية في مختلف مراحل التعليم المدرسي، وعلى تقييم أثر التركيز على هذه المهارات في عمل المعلمين والمدارس، وفي تعلم الطلبة ونواتجهم، تقييماً أكثر منهجية.
