القائمة الرئيسية

تقرير مهارات القرن الحادي والعشرين الأساسية: مراجعة قائمة على الأدلة (5/2)

تقرير مهارات القرن الحادي والعشرين الأساسية: مراجعة قائمة على الأدلة (5/2)
ملخص الدراسة

يتناول هذا الفصل مفهوم "مهارات القرن الحادي والعشرين" الذي، رغم أهميته المتزايدة في التعليم، يكتنفه الغموض ويفتقر إلى تعريف موحد أو توافق حول ماهيته. يستعرض الفصل أطرًا مفاهيمية متنوعة لتصنيف هذه المهارات، التي تشمل الجوانب المعرفية (كالتفكير الناقد، والإبداع، وحل المشكلات، وما وراء المعرفة) وغير المعرفية (كالتعاون، والدافعية، والكفاءة الذاتية، والانضباط، والمثابرة). ويُبرز التحديات الرئيسية في فهمها، مثل صعوبة تحديدها بدقة، ومدى خصوصيتها بمجال معين أو قابليتها للانتقال، وكيفية قياسها. وعلى الرغم من أن معظم الأدلة على أهميتها ارتباطية وليست سببية، يؤكد الفصل أن هذه المهارات قابلة للتنمية والتعليم في السياقات المدرسية، وتعد حيوية لإعداد الشباب للنجاح في حياتهم المستقبلية والمهنية، داعيًا إلى مزيد من البحث لفهم آلياتها المعقدة وعلاقاتها المتبادلة.

 

2. المهارات اللازمة للقرن الحادي والعشرين

ما المهارات التي ستحتاجها الأجيال القادمة؟ هذا سؤال حاسم يتناوله هذا الفصل، مع الإقرار بأنه رغم كثرة النقاش حول هذا الموضوع، لا يوجد اتفاق يُذكر على ماهية هذه المهارات فعلاً. ولذلك تعتمد التأملات الواردة في هذا الفصل جزئياً على تصور محدد للمهارات الأساسية سيأتي تفصيله لاحقاً، وينبغي النظر إليها بوصفها إسهاماً في النقاش الدائر حول المهارات التي ينبغي لمدارسنا مراعاتها عند بناء المقررات والمناهج الدراسية التي تعد الشباب إعداداً أفضل لحياتهم المستقبلية. ويقدم الفصل عرضاً عاماً للأدلة المتاحة حول أنواع المهارات التي يُنظر إليها اليوم بوصفها حيوية للشباب. غير أنه قبل مناقشة كل مهارة من المهارات التي برزت في الفكر التربوي الحديث، يرسم الفصل ملامح هذا الميدان من خلال تناول الطريقة التي تُعرَّف بها المهارات، وبعض الأطر الواعدة لتنظيمها. وفي الفصول اللاحقة، يتناول التقرير الكيفية التي عملت بها المدارس والأنظمة المدرسية على إدراج هذه المهارات في برامجها وتدريسها وتقييمها.

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم مهارات القرن الحادي والعشرين أو المهارات الأساسية مفهوم واسع النطاق، يكتنفه قدر من الغموض، ولا يسهل تعريفه. فمع أن هذا المصطلح بات مستخدماً على نطاق واسع في ميدان التعليم، فإن ما يشمله أو يعنيه ليس واضحاً على الدوام. ومما يؤكد ذلك شيوع استخدام مصطلحات عديدة للإشارة إلى الكفايات والقدرات العامة ذاتها، ومنها مهارات التعلم الاجتماعي والعاطفي، والمهارات الأوسع، والمهارات الناعمة، والمهارات القابلة للانتقال، والمهارات المستعرضة، والسمات، والخصائص، والمهارات غير المعرفية، وغيرها. ومع أن هذه المصطلحات قد لا تكون مترادفة على وجه الدقة، وقد تحمل معاني مختلفة في بعض السياقات الفنية، فإن هذه المجموعات المتنوعة من المهارات تُعامل هنا معاملة واحدة.

ما المهارات الأساسية؟

ليست التأملات في المعارف والمهارات التي يتعين على الطلبة اكتسابها في التعليم لتحقيق النجاح والرفاه مستقبلاً أمراً جديداً. فقبل أكثر من مئة عام في فرنسا، كان إميل دوركايم يلقي محاضرات على المعلمين الفرنسيين المستقبليين حول المعارف والمهارات التي سيحتاجونها كي يجعلوا من تلاميذهم رجالاً ونساءً أبناءً لعصرهم. وتشكل مثل هذه التأملات جزءاً أساسياً من النقاشات والمقترحات التربوية الرامية إلى تحسين ما يُتعلم في المدرسة أو تعزيزه أو إصلاحه.

وفي مرحلة أحدث، تشكّل السؤال عن المهارات والمعارف التي ينبغي للطلبة تعلمها في المدرسة بطرق متعددة ومتعارضة أحياناً، ومن ذلك ما جاء من البحث الأكاديمي في التربية وعلم النفس والاقتصاد. واستناداً إلى هذه التطورات المتعاقبة كلها، شاع استخدام مصطلح مهارات القرن الحادي والعشرين تدريجياً منذ أواخر القرن العشرين لوصف الطيف الواسع من المهارات التي يحتاج الطلبة إلى إتقانها كي ينجحوا في الحياة، والجمع بينها تحت مسمى واحد. غير أن تحديد بداية المهارات الأساسية ونهايتها لا يزال موضع جدل.

وحتى البحث السريع عن مصطلحي مهارات القرن الحادي والعشرين أو المهارات الأساسية يكشف عن اتساع نطاقهما المحتمل. ولا تقتصر المشكلة على وجود عشرات المهارات التي تُعد حيوية لاكتساب الطلبة إياها من تعليمهم تحقيقاً للنجاح مستقبلاً، بل تتعداها إلى أن النقاشات حول هذه المهارات تعاني مما يُعرف بمغالطة التباين اللفظي، حيث تُستخدم مصطلحات مختلفة للإشارة إلى أفكار ومفاهيم متداخلة في الغالب. وفي هذا السياق، لا غرابة في ضعف التوافق حول ماهية المهارات الأساسية فعلاً، أو حول المهارات التي ستكون حيوية لنجاح الشباب مستقبلاً.

ويُستخدم مصطلح المهارات الأساسية في هذا التقرير للإشارة إلى المهارات التي يحددها الفكر والسياسات الحالية بوصفها مهمة لاكتساب الطلبة إياها خلال تعليمهم المدرسي إن أرادوا النجاح. ولا يقتصر هذا النجاح على المدرسة، بل يمتد، وهو الأهم، إلى ما بعدها، أي إلى قدرتهم على بناء مساراتهم المهنية، وعيش حياة مُرضية، والمشاركة الفاعلة بوصفهم مواطنين في مجتمعاتهم. ويتيح هذا التعريف تصوراً واسعاً للمهارات، يصبح فيه اكتساب المهارة مرادفاً لتطوير شكل من أشكال الخبرة على المستوى المعرفي أو السلوكي أو العاطفي، يمكن تطبيقه في مجالات النشاط الرئيسية. فالمهارات ليست فنية فحسب، بل يمكن أن تكون عامة إلى حد بعيد، وأن تمثل أشكالاً معقدة من الخبرة. ويتيح هذا التعريف الشامل للمهارات النظر في طيف النزعات والمعارف والقدرات التي ينبغي أن يمتلكها الطالب كي يُظهر شكلاً معيناً من أشكال الخبرة.

ومن غير الواقعي استكشاف جميع المهارات التي تستأثر باهتمام التربويين وعلماء النفس والاقتصاديين بوصفها أشكالاً قيّمة من الخبرة ينبغي للطلبة تنميتها. ولذلك ينصب التركيز في هذه المراجعة تحديداً على أكثر الكفايات تداولاً في النقاش، وهي تلك المرتبطة أساساً بالتحصيل الأكاديمي والتي يُنظر إليها بوصفها مهمة لتعلم الطلبة بما يعزز نجاحهم في حياتهم المستقبلية. ويشمل ذلك المهارات التي تُعد معرفية، إلى جانب المهارات الأوسع المتصلة بالخصائص العاطفية والنفسية والاجتماعية للفرد، كالاتجاهات والعادات والكفايات، التي يُشار إليها أحياناً بالمهارات غير المعرفية. ومن المهم إدراك أن تصنيف المهارات التي يحتاجها الطلبة للنجاح في المدرسة وما بعدها إلى معرفية وغير معرفية قد يكون عديم الجدوى، لأنه يتجاهل تعقيد تعلم الطلبة. فالمهارات جميعها تنطوي على عمليات معرفية ما، وتعتمد في الوقت ذاته على نزعات مهمة، بحيث تكون أشكال الخبرة المسماة معرفية وغير معرفية مترابطة ترابطاً متبادلاً.

ويستند تصور المهارات في هذا التقرير إلى مبدأين تعريفيين. أولهما النظر إلى المهارات بوصفها شكلاً من أشكال الخبرة النامية. فكما أن القدرة العقلية، أو ما يُسمى عادة بالذكاء، شكل من أشكال الخبرة النامية، فإن الأجدر تصور طيف المهارات الأساسية التي تتناولها هذه المراجعة بوصفها أشكالاً من الخبرة النامية. بعبارة أخرى، يمكن تعلم هذه المهارات وتنميتها، وإن كان مدى إمكانية تنميتها في السياق المدرسي متفاوتاً.

أما المبدأ الثاني فهو أن من المفيد التفكير في المهارات بوصفها أشكالاً أو جوانب من الخبرة مرتبطة بالسياق، لا بوصفها مهارات عامة قائمة بذاتها، وذلك على الأقل فيما يخص التعليم المدرسي. ومن أسباب تبني هذا الموقف المعرفي أن التعلم في المدارس ينتظم في مجالات منهجية أو مجالات معرفية ومواد دراسية، مما يستلزم الربط بين التعلم القائم على المواد والمهارات المستعرضة. وسيعود التقرير إلى مسألة عمومية المهارات وقابليتها للانتقال في مواضع متعددة، غير أن إظهار الخبرة يميل إلى أن يكون خاصاً بالسياق. وبوجه عام، إذا كان انتقال الخبرة ممكناً، فمن المرجح أن يقتصر على المواقف والسياقات ذات الخصائص المتشابهة. وخلاصة القول إن المهارات قد تكون قابلة للانتقال، لكنها تعتمد على معرفة محددة في مجال معين من مجالات النشاط أو الممارسة.

الأطر المفاهيمية والتنظيمية للمهارات

من أبرز ما يترتب على الطبيعة المفاهيمية لمهارات القرن الحادي والعشرين أنه لا يوجد إطار واحد موحد وشامل لتنظيمها، وقد اقتُرح عدد من الأطر على مر الزمن. ويعرض هذا القسم خمسة أطر تمثل نقطة انطلاق للتفكير في المهارات الأساسية للتعليم المدرسي. والإطاران الأولان اللذان يُعرضان هما إطار الشراكة من أجل مهارات القرن الحادي والعشرين، وإطار تقييم مهارات القرن الحادي والعشرين وتعليمها، وهما من أكثر أطر المهارات استشهاداً واستخداماً. ويمنح هذان الإطاران الأولوية لمهارات تقنية المعلومات والاتصالات بوصفها مكونات أساسية لما يحتاجه الشباب للنجاح في عالم تحتل فيه التقنيات الرقمية مكانة بارزة وتتطور بسرعة. ويلي ذلك ثلاثة أطر تتبنى منظوراً أوسع للمهارات والنزعات التي تُعد مهمة للنجاح في المدرسة وفي الحياة اللاحقة، وتسعى إلى تصور العلاقات بين المفاهيم وتأثيرها.

وليست هذه الأطر الخمسة هي الأطر الوحيدة المتاحة، ولا هي بالضرورة الأطر النهائية، لكنها اختيرت لما تتسم به من صياغة منطقية ومتماسكة للفئات المختلفة من المهارات الأساسية. وقد اختير الإطاران الأولان لتأثيرهما في النقاشات الحديثة حول مهارات القرن الحادي والعشرين، في حين اختيرت الأطر الثلاثة التالية لصياغتها المنهجية نسبياً لأنواع المهارات المختلفة، وتركيزها الواضح على الأداء الأكاديمي والتعلم. وتقدم هذه الأطر مجتمعة عرضاً تخطيطياً للمهارات التي يُنظر إليها في الغالب بوصفها مؤثرة في نجاح الطلبة داخل المدرسة وبعدها. وقد خلصت مراجعة سابقة لأطر مهارات القرن الحادي والعشرين إلى أن معظمها يتضمن مهارات كالتفكير الناقد والإبداع وحل المشكلات والثقافة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، إضافة إلى مهارات العلاقات مع الآخرين والمهارات الذاتية كالتواصل والتعاون. والأطر المعروضة هنا هي تلك التي تضم معظم هذه الأنواع من المهارات.

الإطار الأول: الشراكة من أجل تعلم القرن الحادي والعشرين

لعل إطار الشراكة الأمريكية من أجل تعلم القرن الحادي والعشرين هو أوسع أطر المهارات الأساسية شهرة واعتماداً. فهو حاضر في معظم المراجعات التي تناولت الأطر القائمة، وقد حظي بتغطية واسعة منذ تأسيس هذه الشراكة عام 2002. والشراكة منظمة تكرس جهودها لجعل الاستعداد للقرن الحادي والعشرين في صميم التعليم الأمريكي من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر. وفي إطارها، يُنتظر من الطلبة منذ رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر أن يتقنوا تسع مواد أساسية، وأن يتعلموا خمسة محاور متعددة التخصصات، وأن ينموا ثلاث فئات من المهارات.

ويضع الإطار مهارات الحياة والمهنة، ومهارات المعلومات والإعلام والتقنية، على قدم المساواة مع مهارات التعلم والابتكار. بعبارة أخرى، يعد الإطار المهارات التقنية والإعلامية أساسية لاكتساب الطلبة إياها في المدرسة، ويؤكد كذلك الوظيفة المهنية للتعليم ضمن فئة الحياة والمهنة. وأخيراً، تجمع فئة التعلم والابتكار بين المهارات الفردية، كحل المشكلات والتفكير الناقد والإبداع، والمهارات الاجتماعية، كالتعاون والتواصل، لكنها لا تشير إلا إلى طيف محدود من المهارات الفردية، إذ يغيب عنها مثلاً ما وراء المعرفة.

الإطار الثاني: تقييم مهارات القرن الحادي والعشرين وتعليمها

وضعت الإطار الثاني الشائع مجموعةُ تقييم مهارات القرن الحادي والعشرين وتعليمها، وهي مجموعة شكلتها لأغراض بحثية ثلاث شركات تقنية هي سيسكو وإنتل ومايكروسوفت، بهدف تحقيق تكامل أفضل بين تقنية المعلومات والاتصالات والتقييم التربوي. وقد ركزت المجموعة على تطوير أدوات واستراتيجيات لتقييم المهارات الأساسية باستخدام تقنية المعلومات والاتصالات. ويضم إطارها أربع فئات عامة من المهارات.

وقد بُني الإطار على اثني عشر إطاراً سابقاً من الأدبيات الدولية. ولا تزال المبادئ والإجراءات التي استند إليها بناء هذا الإطار غير واضحة، غير أن واضعيه يؤكدون أن المهارات التي يتضمنها ليست سوى نموذج قابل للتكييف وفق السياقات المختلفة.

ويتشابه هذا الإطار مع إطار الشراكة في جوانب ويختلف عنه في أخرى. فهو، شأنه شأن إطار الشراكة، يضع المهارات المتصلة بتقنية المعلومات والاتصالات، أي الثقافة المعلوماتية والثقافة التقنية، في فئة مستقلة هي أدوات التفكير، على المستوى ذاته مع فئتي طرق التفكير وطرق العمل، ومن ثم يرى أن المهارات المرتبطة بالتقنية تؤدي دوراً حاسماً في النجاح في العمل والحياة. وفي المقابل، فإن مهارات العلاقات مع الآخرين والمهارات الذاتية المندرجة في إطار الشراكة تحت فئة التعلم والابتكار، تتوزع هنا بين طرق التفكير، التي تشمل حل المشكلات والتفكير الناقد والإبداع وما وراء المعرفة، وطرق العمل، التي تشمل التعاون والتواصل. ويبدو تأثير إطار الشراكة في هذا الإطار جلياً، غير أن الأخير يتضمن في الوقت ذاته طيفاً أوسع من مهارات التفكير، كما وراء المعرفة وتعلم كيفية التعلم.

ويشجع هذا الإطار، كما هو الحال في إطار الشراكة، الأنظمة المدرسية على مساعدة الطلبة في اكتساب المهارات التي تعدهم لعالم العمل والمهن والحياة المعاصرة، ويعد اكتساب الطلبة مهارات العمل والمهارات المتصلة بتقنية المعلومات والاتصالات أهدافاً تعليمية حيوية للمدارس. وهو يمثل نموذجاً لأطر المهارات التي تمنح مهارات تقنية المعلومات والاتصالات الأولوية. أما الأطر والنماذج الأخرى، التي ترد أمثلة منها فيما يلي، فتتبنى استراتيجية مختلفة تقوم على التركيز على طيف من المهارات المنفصلة عن المهارات المتصلة بالتقنية.

الإطار الثالث: المجلس الوطني الأمريكي للبحوث

يُعد الإطار الذي وضعته اللجنة المعنية بتعريف التعلم العميق ومهارات القرن الحادي والعشرين التابعة للمجلس الوطني الأمريكي للبحوث أرسخ الأطر مرجعيةً في فهم المهارات الأساسية. ففي المنشور الذي حرره بيليغرينو وهيلتون، صُنفت مهارات القرن الحادي والعشرين في ثلاث فئات هي المهارات المعرفية، والمهارات الذاتية، ومهارات العلاقات مع الآخرين. والمهارات التي تُعد حيوية لاكتساب الشباب إياها في المدرسة هي تلك التي رأت اللجنة أنها تسهم في تحويل الشباب إلى متعلمين متعمقين أو تمكنهم من ذلك، وهي مهارات يمكن نقلها إلى سياقات أو مجالات تعلم مختلفة. ويُعرَّف التعلم العميق بأنه التعلم المفضي إلى اكتساب كفايات قابلة للانتقال، وقد حددتها اللجنة من خلال استقصاء البحوث الاقتصادية والنفسية المتعلقة بالمهارات التي ثبت ارتباطها بنواتج حياة الراشدين.

ويقدم هذا الإطار تصوراً مفيداً لطيف المهارات التي يُتوقع أن تشكل تعلم الطلبة وتحصيلهم، إذ يتيح تقسيم المهارات إلى ثلاث فئات طريقة بسيطة لفهم الأنواع المختلفة من المهارات التي يحتاجها الطلبة للتفوق في المدرسة وفي الحياة عموماً. ويقدم واضعوه تحليلاً مفصلاً للمهارات المصنفة عادة في المجالين الذاتي والاجتماعي، ويقيّمون تقييماً نقدياً الأدلة على قابلية هذه المهارات للانتقال حين تُكتسب في سياقات تعليمية. ويُعد منشور المجلس مرجعاً للتحليل القائم على الأدلة في مسألة انتقال المهارات. ومن جوانب قوته بساطته، وشموله الواسع، وارتباطه بهدف التعلم القابل للانتقال، كما يحلل واضعوه كل مفهوم تحليلاً مستفيضاً. غير أن تصنيف المهارات في ثلاثة مجالات يظل قائماً على تصور مسبق يفصل المهارات المعرفية عن المهارات الأخرى. يضاف إلى ذلك أنه، رغم تماسكه المنطقي، وُضع استناداً إلى مراجعة للأطر القائمة، ولا يستوعب إلا جزئياً المجموعات المعقدة من المهارات التي يحتاجها الطلبة للنجاح في المدرسة وما بعدها.

الإطار الرابع: اتحاد مدارس جامعة شيكاغو

وضع الإطار الرابع اتحاد جامعة شيكاغو لبحوث مدارس شيكاغو. ويقدم هذا الاتحاد إطاراً للتفكير في المهارات التي يحتاجها الطلبة، يقوم على رؤية لما يتطلبه النجاح في عالم اليوم والغد. وتشير ورقته المعنونة أسس نجاح الشباب إلى أنه رغم أن الرفاه الاقتصادي والتفوق في سوق العمل من عناصر النجاح لدى الشباب، فإنه أبعد ما يكون عن الهدف الوحيد. فالنجاح يعني كذلك أن يتمكن الشباب من تحقيق أهدافهم الفردية، وأن يمتلكوا الفاعلية والكفايات اللازمة للتأثير في العالم من حولهم. وقد استُخلص إطار المهارات لديهم بالنظر إلى أنواع المهارات التي رأوا أنها تساعد الشباب على تحقيق ذلك.

وبدلاً من تقسيم النزعات والقدرات التي يحتاجها الطلبة إلى مكونات معرفية وغير معرفية، قدمت فارينغتون وزملاؤها مجموعات من العوامل التي حددتها دراسات أخرى بوصفها أساسية للنجاح في العمل، وفي تعزيز الأهداف الفردية والفاعلية، والإسهام الفعال في العالم المحيط. وتُصنف هذه العوامل في خمس فئات تتدرج من النزعات المفيدة أكاديمياً، أي العقليات الأكاديمية، إلى السلوكيات الفعلية للطلبة، أي السلوكيات الأكاديمية، وتتوسطها استراتيجيات التعلم والمثابرة والمهارات الاجتماعية.

ويستوعب الإطار طيف المهارات والنزعات المرتبطة بها التي تؤثر في تعلم الطلبة تأثيراً مباشراً وغير مباشر. إذ يُنظر إلى المهارات الاجتماعية ومهارات المثابرة الأكاديمية بوصفها مؤثرة في الأداء الأكاديمي تأثيراً غير مباشر عبر السلوكيات الأكاديمية، في حين تمثل استراتيجيات التعلم فئة مختلفة من المهارات تشكل الأداء الأكاديمي على نحو مباشر وغير مباشر معاً.

ومن جوانب قوة هذا الإطار تركيزه الواضح على تحديد المهارات الفردية التي يحتاجها الطلبة للتفوق في المدارس، فهو يقدم تصوراً شمولياً للتعلم والتحصيل، ويعرض الخطوط العريضة للنزعات والمهارات والاستراتيجيات والسلوكيات الأساسية. والأهم من ذلك أنه من المقاربات النادرة المتاحة التي لا تتهرب من مسألة ترابط المهارات المختلفة بعضها ببعض، ولا من حقيقة أن المهارات لا تكون فعالة إلا حين تتجسد في أنشطة أو سلوكيات. وفي المقابل، ورغم أن فارينغتون وزملاءها يرون مصطلح غير المعرفية مصطلحاً غير موفق، فإنهم يفصلون تحليلياً المهارات المندرجة في هذه الفئة عن العوامل المعرفية التي يعرّفونها بالمهارات الأكاديمية، كحل المشكلات والكتابة الأكاديمية، ومعرفة المحتوى. ومن ثم تُعرَّف المهارات غير المعرفية تعريفاً يفصلها فصلاً واضحاً، بوصفها مجموعات من السلوكيات والمهارات والاتجاهات والاستراتيجيات الحاسمة للأداء الأكاديمي في الفصول الدراسية، والتي قد لا تنعكس في درجات الطلبة في الاختبارات المعرفية. ولم يُختبر هذا الإطار، بوصفه إطاراً مفاهيمياً، اختباراً تجريبياً في سياقات متنوعة بعد.

الإطار الخامس: الدراسة الدولية لشباب المدن

وضع الإطار الأخير المعروض في هذا القسم لامب وزملاؤه لأغراض بحثية. وقد قُدم في ورقة فنية لمشروع الدراسة الدولية لشباب المدن، مستلهماً الإطار السابق، ويسعى إلى استيعاب المجموعات الواسعة من المهارات التي يُحتمل أن تشكل تقدم الطلبة واندماجهم في العمل والحياة المجتمعية، مع تدرجهم في المراحل الدراسية وانتقالهم إلى الدراسة بعد المدرسة والمسارات المهنية والحياة الأسرية. وقد صُمم بوصفه إطاراً مفاهيمياً يُستكشف ويُنقح من خلال دراسات تجريبية في دول مختلفة، وهو ينظم المهارات في خمس فئات.

وفي هذا النموذج، تتوسط مشاركة الطلبة وانخراطهم تأثير النزعات ومهارات العلاقات مع الآخرين والمهارات الذاتية في نواتج الطلبة، في حين تؤثر المهارات المعرفية تأثيراً مباشراً وغير مباشر معاً. ولا يزال البحث جارياً في مدى التماسك التحليلي لهذا الإطار، وفي مدى تأثير الأنواع المختلفة من المهارات في نجاح الطلبة.

ومن أبرز جوانب قوة هذا الإطار تركيزه الصريح على المهارات ذات الصلة بالتعليم، ودمجه الشامل بين المهارات الأكاديمية التقليدية، أي القراءة والكتابة والحساب، والمهارات غير التقليدية، ومنها المهارات الاجتماعية. يضاف إلى ذلك أنه من الأطر القليلة التي استند فيها تجميع المفاهيم في فئات أوسع إلى تحليل تجريبي باستخدام تحليل المكونات الرئيسية على بيانات دولية، لا إلى تصور مسبق. وخلافاً لإطاري الشراكة وتقييم المهارات وتعليمها، تندرج المهارات المتصلة بتقنية المعلومات والاتصالات في هذا الإطار ضمن فئة المهارات المعرفية. وفي المقابل، يظل التمييز بين المهارات المعرفية والمهارات الأخرى قائماً. كما قد يصعب الإبقاء على الفصل التحليلي بين المهارات الذاتية، كالانضباط والمثابرة، ومشاركة الطلبة وانخراطهم، إذ إن مهارات الطلبة ونزعاتهم لا تظهر في العادة إلا في السلوكيات، وإن أمكن قياسها على نحو غير مباشر عبر استبانات التقدير الذاتي. وأخيراً، ثمة حاجة إلى مزيد من التحليل لتحديد مدى فائدة هذه المفاهيم النظرية للمعلمين والأنظمة، وما إذا كان استخدامها يفضي إلى تحسين تعلم الطلبة ونموهم.

المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين

كان الغرض من عرض هذه الأطر التنظيمية تقديم صورة عامة، من مصادر مختلفة، عن طيف المهارات التي تُعد مهمة للتعليم في القرن الحادي والعشرين. وتركز هذه الأطر جميعها على تعلم الطلبة وتقدمهم، وتقترح مجموعات شاملة من المهارات المؤثرة في نجاح الشباب مستقبلاً. وتقر هذه النماذج بأهمية المهارات المعرفية، لكنها تؤكد كذلك دور أنواع أخرى من المهارات، كتلك المرتبطة بالتعلم الاجتماعي والعاطفي، ونزعات الطلبة تجاه التعلم وانخراطهم فيه. وتشكل مجموعات المهارات المختلفة الواردة في هذه الأطر نماذج للعلاقات تمثل الآليات التي تشكل بها مهارات الطلبة ونزعاتهم تعلمهم ونجاحهم المستقبلي.

ومع أن هذه الأطر مفيدة بوصفها تصنيفاً أولياً للظاهرة المعقدة التي يُعبَّر عنها بمفهوم مهارات القرن الحادي والعشرين، فمن المهم كذلك استكشاف المهارات الفردية بعمق، للوقوف على الأدلة التي تدعم أهميتها للمدارس. ولذلك ينتقل الاهتمام الآن إلى المهارات الفردية التي تحددها الأدبيات بوصفها حيوية لاكتساب الشباب إياها كي يتفوقوا في المدرسة والعمل والعالم على نطاق أوسع. وقد رُوجعت الأدبيات المتاحة لكل مهارة بهدف توضيح معنى المفهوم، وعلاقته بالأداء الأكاديمي، وقابليته للتشكل في السياقات التعليمية، وإمكانية انتقاله. ومن المهم التنبيه منذ البداية إلى أن الفهم الشامل لكل مهارة يتطلب مزيداً من العمل، وأن العرض التالي لكل مهارة على حدة لا يقدم سوى خلاصة موجزة للبحوث الحالية حول أكثر المهارات تداولاً. ويتناول العرض تسع مهارات أو مفاهيم هي: التفكير الناقد، والإبداع، وما وراء المعرفة، وحل المشكلات، والتعاون، والدافعية، والكفاءة الذاتية، والانضباط، والعزيمة أو المثابرة.

وتبرز هذه القائمة، وإن لم تكن شاملة، المهارات التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام في السياسات والبحوث التربوية الحديثة. ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن هذا القسم لا يقدم تحليلاً منهجياً للعلاقات المعقدة القائمة بين المفاهيم المختلفة، مع الإقرار بأهمية ذلك، وإنما تُتناول العلاقات بين المهارات في كل حالة على حدة، حين يكون ذلك ضرورياً لفهم المفاهيم المترابطة وأهميتها التربوية.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن ثمة مهارات مهمة لا يتناولها هذا التقرير بالتحليل. فتدريس مهارات القراءة والكتابة والحساب مثلاً راسخ ومقبول بوصفه جزءاً مشروعاً وحاسماً من أهداف التعليم المدرسي. ويُفترض كذلك أن التعليم المدرسي الجيد يشمل قدراً مناسباً من الاتساع والعمق في المواد الأساسية، ولهذا لا يناقشها التقرير. كما أصبحت الكفايات المتصلة بتقنية المعلومات والاتصالات، المعرّفة بأنها إتقان البيئات والأدوات التقنية المختلفة، أهدافاً تعليمية معلنة في التعليم المدرسي الأسترالي، وأخذ إدراجها في مواد التعليم والتعلم والتقييم وممارساته يترسخ. ومع الإقرار بأن هذه الكفايات والثقافة الرقمية عموماً مكونات مهمة في كثير من أطر القرن الحادي والعشرين، فإن دراستها المتعمقة تُعد خارج نطاق هذا البحث.

التفكير الناقد

للتفكير الناقد بوصفه مفهوماً تقليد بحثي طويل في ميادين مختلفة. ويشترك في بحوثه أساساً مجتمعان أكاديميان: علماء النفس المعرفي من جهة، والفلاسفة من جهة أخرى. ولكل من المجتمعين تصور مختلف للتفكير الناقد؛ فبينما يميل علماء النفس المعرفي إلى التركيز على العمليات المعرفية وأنماط التفكير التي تحدد التفكير الناقد، يميل الفلاسفة إلى رسم النزعات والسمات المثلى للمفكر الناقد. وعلى الرغم من خلافاتهم، يتفق الباحثون من التقاليد المختلفة على أن التفكير الناقد ينطوي على حكم أو تقويم يُستخدم في تحليل الادعاءات والحجج والأدلة، وفي استخلاص الاستنتاجات باستخدام الاستدلال الاستنباطي والاستقرائي لحل مشكلة أو اتخاذ قرار. ويشير التفكير الناقد بوصفه مهارة إلى القدرة على تقدير قيمة ادعاء أو معلومة، والوصول إلى استنتاج بشأن ما ينبغي الاعتقاد به أو فعله إزاءها، ويمكن عد ذلك تعريفاً عاماً للتفكير الناقد.

ومع أن التيار النفسي في البحث حظي باهتمام أكبر من التيار الفلسفي، بما في ذلك في النقاشات التربوية، فإن الباحثين في التفكير الناقد من مختلف المشارب يقرون بأن العمليات المعرفية وأنماط التفكير لا تكفي وحدها لإظهار التفكير الناقد، وأن النزعات، أو ما يُسمى عادات العقل، جزء لا يتجزأ منه كذلك. ومن أكثر النزعات ذكراً انفتاح الذهن، وحب الاستطلاع، والرغبة في البحث عن المعلومات، والاستعداد للنظر في وجهات نظر الآخرين.

وكما هو الحال في جميع المهارات التي يتناولها هذا التقرير، تقسم مسألة عمومية المهارة أو خصوصيتها بمجال معين الباحثين، وهذا توتر رئيسي في بحوث المهارات عموماً. ومع ذلك، يميل الباحثون في التفكير الناقد إلى الاتفاق على أن قدراً من المعرفة الخلفية ضروري للتفكير الناقد. فلكي يفكر الطلبة تفكيراً ناقداً، عليهم أن يُعملوا تفكيرهم في شيء ما يحتاجون من أجله إلى معرفة معينة بالمحتوى، ويعوق نقص هذه المعرفة إظهار مهارات التفكير الناقد.

وثمة أيضاً مسألة الارتباط بالسياق، فقد يبرع الطلبة في التفكير الناقد في الرياضيات بينما يخفقون فيه في اللغة الإنجليزية أو العلوم. ومع ذلك لا يوجد توافق على مدى ارتباط التفكير الناقد بالسياق أو خصوصيته بمجال معين، ويعود ذلك جزئياً إلى اختلاف المعاني التي يمنحها الباحثون لخصوصية المجال. ويمثل هذا الافتقار إلى الاتفاق على معنى المهارة العامة أو الخاصة خطاً آخر من الخطوط التي تؤطر ميدان بحوث المهارات بأكمله.

ويعني غياب الاتفاق على درجة خصوصية التفكير الناقد بمجال معين، بحكم التعريف، أن الباحثين لا يتفقون على مدى كونه مهارة قابلة للانتقال. والبحوث التي تدرس شروط انتقال التفكير الناقد بين المهام داخل المادة الواحدة، أو بين المواد داخل المنهج، قليلة، ناهيك عن انتقاله إلى ما وراء الفصل الدراسي والنظام التعليمي. وتجعل الإشكالات المتعلقة بالتعريف والقياس إجراء هذا النوع من البحوث أمراً عسيراً.

أما قابلية التفكير الناقد للتشكل فهي أقل إثارة للجدل من خصوصيته بالسياق. فقد راكم الباحثون أدلة موثوقة، منها تحليل بعدي للبحوث السابقة، تبين أن التفكير الناقد لا يمكن تنميته وتعلمه فحسب، بل يمكن تعلمه في المدرسة أيضاً، أي أن التدخلات التعليمية تدعم تنمية مهارات التفكير الناقد. بعبارة أخرى، واستناداً إلى الطريقة التي يُعرَّف بها التفكير الناقد ويُقاس عادة في الأدبيات، فهو مهارة قابلة للتعليم.

والبحوث التي تستقصي ما إذا كان التفكير الناقد مرتبطاً بارتفاع تحصيل الطلبة في المدرسة، أو بنواتج بعيدة المدى تتصل بالعمل والاندماج الاجتماعي والمواطنة، قليلة. وقد توصلت دراسات إلى نتائج أولية تشير إلى ارتباط بين مهارات التفكير الناقد والتحصيل في نطاق ضيق من سياقات التعليم العالي، غير أن الحاجة قائمة إلى مزيد من البحوث في مراحل تعليمية مختلفة وسياقات أخرى للحصول على نتائج أكثر حسماً. ومع ذلك، يُعد التفكير الناقد، ولعل ما وراء المعرفة يشاركه في ذلك، من أكثر المهارات حظاً من البحث.

الإبداع

كثيراً ما يُقرن الإبداع بالتفكير الناقد في النقاشات المتعلقة بالمهارات. فالمنهج الأسترالي مثلاً يقر بالصلة القوية بينهما من خلال القدرة العامة المسماة التفكير الناقد والإبداعي. وهذا مفهوم من بعض الوجوه، إذ كثيراً ما يُنظر إلى التفكير الناقد بوصفه شرطاً للإبداع والعكس صحيح. غير أنه يمكن على المستوى المفاهيمي التمييز بين التفكير الناقد والإبداع تمييزاً ذا معنى.

ويتجلى غياب التوافق على معنى المفهوم في بحوث الإبداع بالقدر ذاته الذي يتجلى به في بحوث التفكير الناقد. فلا يوجد تعريف متفق عليه للإبداع يستخدمه معظم الباحثين، وإن كان معظمهم يرون أنه ينطوي على إنتاج شيء يُعترف بجدته أو فائدته في سياق اجتماعي معين. وكون الناتج لا يُعد إبداعياً إلا إذا اعتُرف اجتماعياً بقيمته، إلى جانب أصالته، يبرز أمرين: أولهما أن الإبداع مهارة تقع عند تقاطع الفرد والمجتمع، وثانيهما أن المهارات الإبداعية قد تقتصر على سياقات اجتماعية بعينها.

ويفسر التموضع الاجتماعي للإبداع الصعوبة التي يواجهها الباحثون في معالجة مسألة قابليته للانتقال. فلما كان قبول منتج أو أداء بوصفه إبداعياً يقوم على حكم اجتماعي، فإنه لا يمكن أن تُحدد مسبقاً درجة الأصالة اللازمة لوصف شيء ما بأنه إبداعي.

ومن أوجه الشبه الأخرى مع التفكير الناقد أن الإبداع يُنظر إليه عموماً بوصفه يتطلب أكثر من المهارات الفنية. إذ تقوم القدرات الإبداعية للطلبة على نزعات مهمة ومهارات مرتبطة بها، كالدافعية، والقدرة على المخاطرة، وانفتاح الذهن على الأفكار الجديدة، والقدرة على تحمل الغموض. كما يُرى أن الإبداع وثيق الصلة بمهارات معرفية أخرى كتحديد المشكلات وتوليد الأفكار وحل المشكلات.

وكما هو شائع في معظم المهارات المذكورة في هذه المراجعة، تثير مسألة ارتباط الإبداع بالسياق جدلاً واسعاً. فثمة طيف واسع من نظريات الإبداع، كالنظريات النمائية والاقتصادية والسيكومترية والمعرفية والقائمة على المشكلات والتطورية والتصنيفية، تتباين مقارباتها لمعنى الإبداع ولارتباطه بالسياق. ويبرز بعض هذه المقاربات أهمية السياقات الاجتماعية والثقافية للإبداع، وخصوصيته بالسياق حتى داخل المجال الواحد كالفن، في حين يرى بعضها الآخر أن الإبداع قدرة عامة وخاصة بمجال معين في آن واحد. واستناداً إلى هذه الحجج، يبدو أن الإبداع يعتمد على الإلمام بالمعرفة السياقية، لكن مدى إمكانية تحديد مكونات عامة للإبداع يظل غير مؤكد. وأقل ما يمكن قوله أن البحوث التجريبية الحالية تشير إلى أنه لا يمكن عد الإبداع مهارة عامة فحسب.

وقد حظي الإبداع باهتمام خاص من الباحثين المعنيين بتعليم الموهوبين والمتفوقين. ومع أن مدى إمكانية تنمية الإبداع لدى جميع الطلبة في السياقات التعليمية غير واضح، فإن الاعتقاد السائد أنه ليس مهارة حكراً على أقلية صغيرة من الطلبة، بل إن تنمية المهارات الإبداعية متاحة لجميع الطلبة متى توفرت الظروف التعليمية والتربوية الملائمة. وتشير أدلة قائمة على الملاحظة كذلك إلى أن التدخلات المقصودة يمكن أن تحسن إبداع الطلبة في السياقات التعليمية.

ومن اللافت أن الإبداع تبين أنه مؤشر جيد على التحصيل المستقبلي في التعليم العالي، حتى بعد احتساب النتائج الأكاديمية السابقة. غير أن النتائج، كما هو الحال في معظم المهارات الحاسمة، ذات طبيعة ارتباطية في غالبيتها العظمى، فلا يوجد اتفاق على العلاقة السببية القائمة بين الإبداع ونجاح الطلبة.

ما وراء المعرفة

استخدم فلافل مصطلح ما وراء المعرفة لوصف تفكير الفرد في عملياته ونشاطه المعرفي، أي التفكير في التفكير. وهذا الشكل من الإدارة المعرفية للذات مهارة معقدة تشمل معرفة الفرد بذاته معرفياً، ومراقبته النشطة لذاته معرفياً.

وكثيراً ما يندرج ما وراء المعرفة تحت المصطلح الأوسع المعروف بالتعلم المنظم ذاتياً، الذي يشمل مجموعة العمليات الذاتية التي يحافظ بها الأفراد على مسارهم في سعيهم إلى الأهداف التي تبنوها. وبوصفه بعداً من أبعاد التعلم المنظم ذاتياً، يرتبط ما وراء المعرفة بتحسن التعلم والأداء الأكاديمي. ومع ذلك، لا تزال الأدبيات تواجه إشكالات في تفسير الارتباط الراسخ بين التعلم المنظم ذاتياً والتحصيل الأكاديمي، لا سيما أن التوافق على أداة ملائمة لتقييم التعلم المنظم ذاتياً لم يتحقق بعد. ومن أبرز الطرق التي يبدو أن التعلم المنظم ذاتياً عموماً، وما وراء المعرفة خصوصاً، يؤثر بها في التحصيل الأكاديمي إحساسُ الطلبة بالفاعلية.

وتمثل مسألة خصوصية مهارات ما وراء المعرفة بمجال معين جدلاً معقداً يتجاوز مجرد التعريف والقياس. فخصوصية مهارات كما وراء المعرفة بمجال معين مسألة نظرية وتجريبية تشكل طريقة الإفادة التربوية من البحوث والأدلة النفسية. ومع أنه يمكن تطوير مستوى عام نسبياً من المعرفة ما وراء المعرفية، فإن المراقبة ما وراء المعرفية تتشكل وفق المهمة المطروحة أو المشكلة المراد حلها. وكما هو الحال في سائر المهارات، تظل خصوصية ما وراء المعرفة، ومهارات التعلم المنظم ذاتياً عموماً، بمجال معين أمراً غير مؤكد. وقد اتجه علماء النفس تدريجياً إلى التأكيد على الجوانب الاجتماعية للتنظيم الذاتي، كما ينبغي مراعاة العوامل السياقية التي تشكل التنظيم ما وراء المعرفي.

ويمكن تعليم ما وراء المعرفة، وتميل مهاراته إلى النمو على مدى السنوات الدراسية. وقد رصد تحليل لبحوث استراتيجيات التدريس ما وراء المعرفية نُشر عام 2014 طيفاً من الاستراتيجيات الفعالة في تعزيز ما وراء المعرفة لدى طلبة المرحلتين الابتدائية والثانوية، وخلص إلى أن الاستراتيجيات ما وراء المعرفية قابلة للتطبيق في مختلف التخصصات والصفوف الدراسية، وأنها فعالة في تعليم معرفة المحتوى والمهارات الأكاديمية معاً. ومن أكثر الممارسات التعليمية استخداماً نمذجة المعلم من خلال التفكير بصوت مرتفع، والرسم التخطيطي، والتدريب، والتحقق من الإجابات، وقوائم التحقق، وبلوغ الأهداف. وأفادت دراسة مماثلة تناولت التطبيق في تدريس العلوم بأن من الاستراتيجيات الصفية الفعالة التعلم القائم على الاستقصاء، ودور الدعم التعاوني، والتدريس القائم على الاستراتيجيات وحل المشكلات، وبناء النماذج الذهنية. وقد حُددت هذه الاستراتيجيات التعليمية، بحسب الباحثين، لأنها تعكس بحوثاً مستفيضة أُجريت خلال العقد السابق في أدبيات تعليم العلوم، ولأنها أساسية لما وراء المعرفة والتنظيم الذاتي.

ويُنظر إلى ما وراء المعرفة بوصفه منطوياً على المعرفة بالعمليات المعرفية وعلى استراتيجيات مراقبة هذه العمليات معاً. والأجدى أن تُنمى ما وراء المعرفة لدى الطلبة في مجالات منهجية محددة، لأن مهاراتها تعتمد على معرفة المحتوى والخبرة فيه. ويمكن تنظيم تعليم مهارات ما وراء المعرفة تنظيماً منهجياً، ويوصي الباحثون بأن يجري ذلك في سياق المواد الدراسية. ويمكن أن يساعد تبني مقاربة ما وراء معرفية في تعلم الطلبة للمواد الدراسية على تحملهم مسؤولية تعلمهم وتنمية الإحساس بالفاعلية المشار إليه آنفاً.

حل المشكلات

حل المشكلات مهارة محورية ذات صلة بمعظم الأنشطة الأكاديمية، وبمعظم المهام في بيئة العمل كذلك. ويُنظر إليه تقليدياً بوصفه يتألف من ثلاثة مكونات رئيسية: اختيار الاستراتيجيات اللازمة لحل مشكلة معينة، وتطبيق هذه الاستراتيجيات على المشكلة، ومراقبة الاستراتيجيات المستخدمة في حلها. ومن ثم فإن ما وراء المعرفة، وهو المكون الثالث، جزء لا يتجزأ من حل المشكلات. وفي معظم المقاييس التقليدية للقدرة المعرفية، يُعد حل المشكلات المعقدة إحدى المهارات التي تُختبر، ولذلك فمن المنطقي أن يرتبط حل المشكلات المعقدة بالقدرة المعرفية.

وفي سياق التعليم، عرّفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حل المشكلات بأنه قدرة الفرد على الانخراط في المعالجة المعرفية لفهم مواقف المشكلات وحلها حين لا تكون طريقة الحل واضحة على الفور، ويشمل ذلك الاستعداد للانخراط في مثل هذه المواقف من أجل تحقيق الفرد إمكاناته بوصفه مواطناً بنّاءً ومتأملاً.

واستناداً إلى مراجعته لمهارات القرن الحادي والعشرين، يولي المجلس الوطني الأمريكي للبحوث اهتماماً خاصاً بحل المشكلات وما وراء المعرفة في عرضه للمهارات القابلة للانتقال. وكلاهما مهارة معرفية ثبتت علاقتها بتحسن النواتج التعليمية، وإن كانت هذه العلاقة تتجلى أساساً عبر تحسن القدرة المعرفية. فقد أظهرت دراسة حديثة مثلاً أن حل المشكلات لا يرتبط بالتحصيل الأكاديمي بعد احتساب القدرة المعرفية، باستثناء الرياضيات. غير أن مدى ارتباط حل المشكلات بالأداء الأكاديمي بعد احتساب القدرة المعرفية يتوقف على طريقة تعريف القدرة المعرفية وحل المشكلات وقياسهما. وبوجه عام، يبدو أن لمهارات حل المشكلات أهمية واسعة النطاق في السياقات الأكاديمية وما يتجاوزها.

وحل المشكلات من المهارات الأساسية التي تبدو إمكانية انتقالها واعدة أكثر من غيرها، إذ يمكن أن تنتقل مهاراته حين يفهم الطلبة المبادئ الكامنة وراء ما تعلموه عند مواجهة المشكلة الأولى. غير أن من المهم ملاحظة أن هذا الانتقال لا يُرجح حدوثه إلا عند مواجهة مشكلات متشابهة بنيوياً، وغالباً داخل المادة الدراسية الواحدة. ومن الشروط المهمة الأخرى أن يُوجه التعليم تحديداً نحو انتقال مهارات حل المشكلات، بدلاً من افتراض أن الانتقال سيحدث تلقائياً. ويمكن دعم فهم الطلبة للمبادئ الكامنة وراء المشكلة وحلها أو حلولها من خلال التعليم، وكذلك التمثيل الذهني للمشكلة والقدرة على التنقل بين تمثيلاتها المختلفة، وكلها عناصر في مهارات حل المشكلات القابلة للانتقال. ويقدم ذلك دليلاً داعماً على أن مهارات حل المشكلات قابلة للتشكل والتحسن في السياقات التعليمية.

ويمكن أن يعود تنظيم تعلم الطلبة حول مشكلات يتعين حلها بالفائدة على طيف من المهارات المعرفية، إذ تبدو أنشطة التعلم المنظمة حول مشكلات تُحل أو مشروعات تُنفذ وسائل مثلى لاكتساب المهارات المعرفية القابلة للانتقال. ويُفضل أن تكون هذه المشكلات أصيلة ومستمدة من مواقف مألوفة في الحياة اليومية، غير أن تقييم هذا النوع من أنشطة التعلم بطريقة معيارية أصعب بكثير.

وقد ظهرت في الآونة الأخيرة تطورات واعدة في مجال حل المشكلات التعاوني، انطلاقاً من فرضية أن هذه المهارات هي الأنفع في أنواع المشكلات التي يواجهها العاملون في الاقتصادات الغربية. ويُعد تركيز منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على حل المشكلات التعاوني في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام 2015 مبادرة جديرة بالاهتمام. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن باحثين طوروا إطاراً لتعليم حل المشكلات التعاوني يجزئ هذا المفهوم إلى مهارات اجتماعية ومعرفية يحتاجها الطلبة بقدر متساوٍ. وقد يمثل حل المشكلات سبيلاً يمكن للأنظمة التعليمية من خلاله دعم أشكال أكثر جماعية من التعلم والتقييم، تتطلب مهارات العلاقات مع الآخرين كالتعاون.

التعاون والتعاضد

تُعد مهارات العلاقات مع الآخرين، كالتعاون والتعاضد، من بعض الوجوه أكثر المهارات إثارة للجدل بين المهارات التي يتناولها هذا التقرير. فكثيراً ما يُتصور التعاون بوصفه مهارة اجتماعية، إلى جانب توكيد الذات والمسؤولية والتعاطف. وإلى جانب الإشكالات المعتادة في تعريف معنى التعاون والتعاضد، فإن التقييمات العملية الراسخة لكفايات العلاقات مع الآخرين الملائمة للاستخدام في المدارس قليلة. وتجعل صعوبة قياس التعاون في المدارس إدراجه المنهجي في الممارسات الصفية أمراً إشكالياً.

فمعظم التعليم منظم حول التعلم والتقييم الفرديين، ولا يُعترف بدور التعاون والتعاضد إلا على هامش التعلم الفردي للطلبة. ومقارنة بمعظم المهارات الأخرى، تميل المهارات الاجتماعية كالتعاون والتعاطف والمسؤولية إلى أن يكون ارتباطها بدرجات الطلبة ضعيفاً. ولا يبرز من الأدبيات توافق واضح حول المهارات الاجتماعية والتحصيل في جميع مراحل التعليم، إذ أُجريت معظم البحوث المتعلقة بالعلاقة بين المهارات الاجتماعية والأداء الأكاديمي في المرحلة الابتدائية. وتشير بحوث طولية إلى أن المهارات الاجتماعية يمكن أن تتنبأ بالتحصيل في التعليم الابتدائي والثانوي، ويؤكد تحليل بعدي أحدث أن المهارات الاجتماعية ترتبط بالتعلم الأكاديمي في المدارس. غير أن فارينغتون وزملاءها يبينون في مراجعتهم للمهارات الاجتماعية صعوبة استخلاص أي استنتاجات من الأدبيات حول العلاقة بين المهارات الاجتماعية والتحصيل الأكاديمي، لأن معظم الدراسات تخلط بين المهارات الاجتماعية ومتغيرات أخرى. والواقع أن معظم الدراسات الارتباطية لا تقدم إلا معلومات قليلة عن اتجاه العلاقة بين المفاهيم.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ انتظار إجابة فنية عن سؤال سياسي أو اجتماعي. فكما أن الارتباطات بين المهارات الفردية والتحصيل الأكاديمي لا تكفي لجعل هذه المهارات نواتج تعلم مشروعة، فإن غياب الارتباط بين مهارات العلاقات مع الآخرين والتحصيل الأكاديمي لا يكفي للحكم على مشروعية هذه المهارات بوصفها نواتج تعلم. بل إن غياب الارتباط ناتج إلى حد بعيد عن الطريقة التي يُعرَّف بها التحصيل الأكاديمي ويُقاس حالياً، أي بوصفه إتقاناً فردياً للمعارف والمهارات في تخصصات أو مجالات معرفية محددة. والواقع أن بعض الممارسات التعاونية في الفصل الدراسي يمكن أن تعزز تعلم الطلبة.

ومع أن المبادرة الحديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بإدراج حل المشكلات التعاوني في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام 2015 تمثل مسعى مبتكراً، فإن استنتاج الكفاية الفردية من الأداء الجماعي يظل أمراً إشكالياً، حتى مع استخدام تقنية المعلومات.

الدافعية

الدافعية ميدان بحثي أعرق تاريخاً من معظم المهارات الأخرى، وكثيراً ما تُعرَّف بأنها الحافز إلى الانخراط في سلوك هادف. وقد استقرت الأدبيات على التمييز بين الدافعية الداخلية، حيث تحرك الأفراد اهتماماتهم ورغباتهم الشخصية، والدافعية الخارجية، حيث يُقاد السلوك الهادف للأفراد بمكافآت أو عقوبات خارجية. ومع أن التمييز بين الدافعية الداخلية والخارجية ليس قاطعاً دائماً، فإن هذه الثنائية تتميز بأنها تيسر البحث التجريبي في التدخلات الرامية إلى تعزيز الدافعية. وخلاصة القول إن الدافعية تقوم على اهتمامات وتفضيلات وتصورات محددة تدفع الأفراد إلى الانخراط في نشاط ما أو الإحجام عنه.

وقد توصل الباحثون في الدافعية تدريجياً إلى الكشف عن قدر من التعقيد في العمليات الدافعية، وعن مستويات متعددة من التأثير، يفوق ما كان متصوراً من قبل. فالدافعية مفهوم متعدد الأوجه يجمع بين المعتقدات والقيم والأهداف والحاجات. كما أفضى الاعتراف المتزايد بالتأثيرات الاجتماعية والسياقية في دافعية الطلبة إلى تصور أكثر تفصيلاً لها. يضاف إلى ذلك أن الدافعية ترتبط بطرق معقدة بنزعات ومهارات أخرى، إذ يبين القسم التالي أن الكفاءة الذاتية ووجهة الضبط ترتبطان بدافعية الطلبة. وعلى نحو مماثل، تشكل الاهتمامات والأهداف دافعية الطلبة تجاه المهام الأكاديمية، ومن ثم تؤثر تأثيراً غير مباشر في فرصهم التعليمية. وقد جعلت هذه الصورة المتزايدة التعقيد لدافعية الطلبة مهمة إجراء بحوث تطبيقية حول أفضل الممارسات في البيئات المدرسية أكثر صعوبة.

وتصنيف الدافعية بوصفها مهارة أمر قابل للنقاش إلى حد ما، لأن عدها شكلاً من أشكال الخبرة النامية يثير تحديات مفاهيمية. واستناداً إلى إطار الدراسة الدولية لشباب المدن، لعل الأدق وصفها بأنها نزعة أو عقلية تتجلى في السلوكيات والانخراط. وأياً كان الأمر، فقد وجد الباحثون ارتباطاً مستقراً بين الدافعية والأداء في الرياضيات والقراءة، لا سيما في المرحلة الابتدائية. كما ترتبط الدافعية بالتعلم القابل للانتقال، فالطلبة المدفوعون بنشاط أو مشكلة أو مادة ما أكثر ميلاً إلى تنمية معارف ومهارات قابلة للانتقال في هذا النشاط، ضمن نطاق معين من الانتقال على الأقل. غير أنه لا ينبغي فهم ذلك على أن الدافعية ذاتها مهارة قابلة للانتقال على نحو عام.

بل إن خصوصية المجال في بحوث الدافعية أرسخ ثبوتاً منها في بحوث التفكير الناقد أو الإبداع. يضاف إلى ذلك أن خصوصية الدافعية بمجال معين ليست متماثلة لدى جميع الطلبة، إذ تشير البحوث التجريبية إلى أن الدافعية الأكاديمية الداخلية لا تميل إلى التراجع مع التقدم في العمر فحسب، بل إن مواد دراسية بعينها تؤثر في هذا الاتجاه، فتتراجع الدافعية في الرياضيات بمعدل أكبر منه في الدراسات الاجتماعية. ويؤكد ذلك أن بنى المنهج والظروف التعليمية التي يوضع فيها الطلبة يمكن أن تؤثر في مستوى دافعيتهم. ومن الدلالات العامة لهذه النتيجة أن الدافعية الأكاديمية يمكن تعليمها وتعلمها، وقد أثبت طيف من التدخلات الفعالة نجاحه في تعزيز دافعية الطلبة في المدارس. وخلص تحليل بعدي حديث لتدخلات الدافعية الأكاديمية إلى أنها فعالة بوجه عام.

الكفاءة الذاتية ووجهة الضبط (الإحساس بالفاعلية)

كما أُشير آنفاً، تتشكل الدافعية وفق تصور الفرد لذاته وللمهمة أو المشكلة المطروحة. وفي هذا الصدد، تقوم الدافعية على الكفاءة الذاتية، المعرفة بأنها القدرة المدركة على النجاح، وعلى الإحساس بالفاعلية أو وجهة الضبط، المعرف بأنه الاعتقاد بأن الفرد يتحكم في نتيجة النشاط. وهذا مثال واضح على الشبكة المعقدة من العلاقات القائمة بين مختلف النزعات والاتجاهات والمهارات. وعلى المستوى المفاهيمي، قد تشير هذه الشبكة المعقدة من العلاقات أيضاً إلى وجود آليات سببية دائرية تعمل بين مهارات مختلفة تُقاس في العادة بصورة مستقلة.

وكثيراً ما تُدرس الكفاءة الذاتية ووجهة الضبط معاً في الأدبيات، إذ تشير كلتاهما إلى إحساس الفرد بالتحكم في نتيجة مهمة أو نشاط. فالكفاءة الذاتية، كما ذُكر، يمكن تعريفها بأنها إيمان الفرد بقدرته على فعل شيء أو إنجازه، ويمكن التعبير عنها بعبارة "أستطيع فعل ذلك"، في حين أن وجهة الضبط هي الإحساس بالتأثير الذي يشعر به الفرد إزاء الأمور، ويمكن التعبير عنها بعبارة "النجاح يتوقف عليّ أنا لا على الآخرين". وقد ثبت أن كلتا العقليتين ترتبطان باتساق بنواتج الطلبة.

وقد تبين أن هذين المفهومين، اللذين يُطلق عليهما أحياناً العقليات الأكاديمية، يؤثران في النجاح المدرسي مقيساً بدرجات الطلبة. ويشتركان كذلك في سمة أخرى، هي أن تأثيرهما في الأداء الأكاديمي غير مباشر في المقام الأول، أي أنه يتم عبر أثرهما في التعبيرات السلوكية التي تقيسها مفاهيم أخرى كالمثابرة الأكاديمية والدافعية. ومن اللافت أن تصورات الطلبة لطبيعة القدرة المعرفية ذات أهمية خاصة في تشكيل سلوكياتهم، فالطلبة الذين يرون النجاح ثمرة للجهد أكثر ميلاً إلى الانخراط والمثابرة في المساعي الأكاديمية من أولئك الذين يرونه ثمرة لقدرة فطرية.

ومع أن أدلة أولية تشير إلى أن التدخلات التعليمية يمكن أن تحسن الكفاءة الذاتية والإحساس بالفاعلية، فثمة حاجة إلى مزيد من البحوث لتوسيع قاعدة الأدلة. إذ يمكن لمقاربات تعليمية وتربوية محددة أن تدعم عقليتي الكفاءة الذاتية ووجهة الضبط، في سياق نشاط معين على الأقل. ويعني ذلك أن المفهومين قابلان للتشكل، وأن الكفاءة الذاتية والإحساس بالفاعلية لدى الطلبة قابلان للتغير. وقد ثبتت قابلية هذه العقليات الأكاديمية للتشكل في سياقات تجريبية، كما أن العوامل السياقية في البيئات الأكثر طبيعية، كالفصل الدراسي، تشكل هي الأخرى إحساس الطلبة بالفاعلية وكفاءتهم الذاتية. وكما ذُكر سابقاً، فإن دعم تنمية مهارات ما وراء المعرفة وممارساتها يُرجح أن يعزز معتقدات الكفاءة الذاتية ووجهة الضبط.

ومن أكثر جوانب البحث في هذين المفهومين غموضاً مسألة الانتقال. وكما يبين تحليل المهارات كلها حتى الآن، فإن مسألة قابلية الانتقال هي أكثر مجالات البحث إثارة للجدل، إذ يبدو أن الباحثين لا يعرفون حتى الآن إلا القليل عن الشروط الفردية والسياقية والمرتبطة بالمهمة لانتقال المهارات.

الانضباط

يمكن في تقريب أولي تعريف الانضباط بأنه شكل من أشكال ضبط النفس، يتجلى في سلوك مجتهد يقوم على التحكم في الذات والانكباب على مشكلة أو مهمة أو نشاط معين. وهو مهارة متعددة الأوجه، إذ يحدد بعض الباحثين ثلاثة أوجه له هي الاجتهاد، وضبط الاندفاع، والنظام، في حين يحدد آخرون ما يصل إلى ثمانية أبعاد.

ويرتبط الانضباط بعلاقات معقدة مع مهارات أخرى متعددة، منها الدافعية ووجهة الضبط، وفوق ذلك كله المثابرة أو العزيمة. ويعده علماء نفس الشخصية أحد سمات الشخصية الخمس الكبرى، إلى جانب الانفتاح على الخبرة، والانبساط، والمقبولية، والعصابية. وفي علم النفس الفارقي، يُنظر إلى هذه السمات بوصفها مستقرة نسبياً عبر الزمن، وكثيراً ما تُعد مؤشرات مفيدة لوصف شخصية الفرد. ومع أن وصفها بالاستقرار النسبي قد لا يفيد كثيراً في فهم قابلية سمات الشخصية للتشكل، فإن مراجعة حديثة للأدلة المتاحة تشير إلى أن سمات الشخصية ليست منقوشة في الحجر على الأقل، وأنها يمكن أن تتشكل بفعل الخبرات التعليمية أو التدخلات الأخرى.

ومن اللافت أن الانضباط هو السمة الوحيدة من سمات الشخصية الخمس الكبرى التي تُظهر ارتباطاً متسقاً بالأداء في المدرسة والتعليم العالي. بل تشير تحليلات بعدية حديثة للبحوث السابقة إلى أن حجم الأثر في الارتباط بين الانضباط والأداء الأكاديمي يضاهي حجم الأثر في الارتباط بين القدرة المعرفية، مقيسة باختبارات الذكاء، والأداء الأكاديمي. والانضباط كذلك السمة الشخصية الوحيدة المرتبطة بالأداء الوظيفي عبر طيف من مقاييس الأداء. وأخيراً، فإن الانضباط، أي البقاء منظماً والالتزام بالدراسة أو العمل، هو أعلى الكفايات المصنفة غير معرفية لدى اللجنة الأمريكية المعنية بالتعلم العميق ارتباطاً بالنواتج التعليمية والمهنية المرغوبة.

ومع أن الأدلة السببية المتاحة لا تزال محدودة، يبدو أن للانضباط تأثيراً كبيراً في التحصيل يفوق ما يفسره معامل الذكاء. وفي المدارس، يمكن أن يتخذ ذلك شكل المثابرة الأكاديمية. ومع أن أهمية هذه العقليات الأكاديمية للتحصيل تبدو راسخة، فإن الأدلة المتاحة على إمكانية تنمية هذه المهارات في الفصل الدراسي شحيحة.

والانضباط، شأنه شأن سائر سمات الشخصية، مفهوم معقد تشكله طائفة من المؤثرات النمائية، ويرتبط بطائفة من العوامل الاجتماعية. وتشير الأدلة إلى أن سمات الشخصية يمكن أن تتغير مع الزمن، وأنها تتوقف كذلك على خبرات الحياة. ومما يهم الممارسة التربوية أن الاستمرار في نشاط أو مهمة معينة يمكن دعمه من خلال تدخلات محددة وتهيئة البيئة، وهذا ما يقودنا إلى مفهومي المثابرة والعزيمة.

العزيمة والمثابرة

يمكن تصور المثابرة بوصفها بعداً من أبعاد الانضباط. وفي السياق الأكاديمي، يمكن تعريف العزيمة بأنها الالتزام والمثابرة في مهام التعلم وأنشطته، أي الأهداف بعيدة المدى، رغم الصعوبات أو العقبات. وتعتمد المثابرة أو الإصرار الأكاديمي عموماً على تحديد الأهداف وتقبل تأجيل الإشباع.

وتتوقف الإجابة عن سؤال قابلية المثابرة للتشكل إلى حد كبير على التعريف المستخدم. فبينما توحي الطبيعة المستقرة نسبياً للانضباط، المعرف بوصفه سمة شخصية، بأن التدخلات التعليمية الرامية إلى تحسين انضباط الطلبة عديمة الجدوى، فإن البحوث تبين أن هذه النزعة أو المهارة قابلة للتشكل إذا ركزت التدخلات تحديداً على المثابرة الأكاديمية. وكما تلخص فارينغتون وزملاؤها ذلك، ثمة أدلة تجريبية كبيرة على أن الطلبة يُظهرون مقادير مختلفة من المثابرة في المهام الأكاديمية تحت ظروف مختلفة، مما يدعم فكرة أن المثابرة الأكاديمية بوصفها سلوكاً في سياق محدد قابلة للتشكل إلى حد بعيد. بعبارة أخرى، إذا أُخذت خصوصية المثابرة بالسياق في الحسبان وانصب التركيز على الإصرار الأكاديمي، فثمة أدلة موثوقة على أن المثابرة نزعة أو مهارة قابلة للتشكل.

والوجه الآخر لهذه المقاربة أنها تعقد مسألة الانتقال إلى سياقات أخرى غير أكاديمية. فلما كانت المثابرة الأكاديمية أكثر تحديداً من الانضباط المعرف بوصفه سمة، فإن قابليتها للتشكل لا تعني بالضرورة أنها ستنتقل إلى سياقات أخرى. والأدلة قوية على أن إظهار الإصرار في نشاط ما لا يترجم بالضرورة إلى سلوك مثابر في سياقات أخرى. ومع ذلك، ثمة مفهوم حديث اكتسب رواجاً في أدبيات علم النفس لتصوره الأكثر عمومية مقارنة بالارتباط بمهمة محددة.

فمفهوم العزيمة، كما عرّفته داكوورث وزملاؤها، يشير إلى خاصية أو سمة مستقرة نسبياً تتمثل في الانكباب المتواصل على المهام أو المثابرة فيها. ونتائج البحوث حول العزيمة متباينة؛ فمن جهة، تشير البحوث إلى وجود ارتباط دال بين العزيمة والدرجات المدرسية، أي الأداء الأكاديمي. ومن جهة أخرى، ورغم الجاذبية البديهية لهذه الفكرة، لا تتوفر إلا أدلة قليلة على أن العمل المباشر على تغيير عزيمة الطلبة أو مثابرتهم سيكون رافعة فعالة لتحسين أدائهم الأكاديمي. بعبارة أخرى، لا تعني الطبيعة الارتباطية للأدلة القائمة بين العزيمة والتحصيل الأكاديمي أن الطلبة سيستفيدون من تدخلات وممارسات تستهدف تحديداً تنمية عزيمتهم، مقارنة بأشكال أخرى من التدخلات في المهارات المعرفية كحل المشكلات مثلاً. وإلى جانب طبيعتها الارتباطية، لا تقدم الأدبيات المتعلقة بالعزيمة أو الإصرار إلا دلالات واضحة قليلة للممارسة التربوية.

الخلاصة

يتضح من العرض الذي تناول كل مهارة على حدة أن المهارات المختلفة يشبه بعضها بعضاً في جوانب ويختلف في أخرى. وبوجه عام، يبرز في الأدبيات المتعلقة بمعظم المهارات تحديان رئيسيان هما خصوصية المجال وقابلية الانتقال، وكلاهما سؤال وجيه ينبغي للتربويين وصانعي السياسات النظر فيه لتحديد مدى ملاءمة مهارات بعينها للإدراج في التعليم والتعلم. وقبل معالجة هاتين المسألتين، من المهم تلخيص بعض الملاحظات الرئيسية المستخلصة من النقاش السابق.

والملاحظة الأولى أن تعريف المفاهيم التي تُعد مهارات أساسية ليس بالمهمة اليسيرة، إذ تتداخل فيه ميادين أكاديمية متعددة، ولا توجد آلية قائمة لتنظيم تقارب المقاربات أو الاتفاق على معاني المصطلحات. بل يبدو أن ثمة تداخلاً كبيراً بين عدد من المهارات المندرجة تحت لواء مهارات القرن الحادي والعشرين، وأن عدداً من المهارات المعرفة بصورة منفصلة تميل إلى قياس الشيء ذاته، جزئياً على الأقل، كما هو الحال مثلاً في وجهة الضبط والكفاءة الذاتية. وقد يكون غياب التمايز التام على مستوى المفاهيم مدخلاً أولياً لتفسير ما كثيراً ما لاحظه الباحثون من وجود علاقات معقدة بين المهارات. فقد لاحظت فارينغتون وزملاؤها مثلاً أن كثيراً من العوامل غير المعرفية يعزز بعضها بعضاً، وأن العلاقات بينها كثيراً ما تكون تبادلية. وإلى جانب آلية السببية الدائرية هذه، وُصفت مهارات أساسية كالتفكير الناقد والإبداع، أو الدافعية وما وراء المعرفة، بأنها مترابطة مفاهيمياً بطرق معقدة.

وتتعلق الملاحظة التالية بجودة الأدلة المتاحة لدراسة المهارات الأساسية وحجمها. فالبحوث في هذه المهارات أقل تقدماً من البحوث في المهارات الأكاديمية التقليدية كالحساب والقراءة والكتابة. وقد حظيت الكفايات غير المعرفية بوجه خاص، كما عرفتها اللجنة الأمريكية المعنية بالتعلم العميق، أي كفايات العلاقات مع الآخرين والكفايات الذاتية، باهتمام أقل بكثير مما حظيت به الكفايات الموصوفة بالمعرفية. ومن النتائج اللافتة أن المهارات الأساسية الواردة في هذا الفصل توصف إجمالاً بأنها قابلة للتشكل إلى حد ما، وأن الطلبة قادرون على بلوغ مستويات من الخبرة فيها. وفي المقابل، يظل فهمنا لكيفية اكتساب المهارات المختلفة محدوداً. ويبدو أن معظم المهارات المعرفية وغير المعرفية التي تمت مراجعتها هنا قابلة للتشكل خصوصاً في مرحلة الطفولة، وهو ما ينطوي على دلالات مهمة للتدخلات التعليمية المبكرة على وجه الخصوص. وفي الوقت ذاته، تشير أدلة حديثة إلى أن المهارات التي لا تقيسها الاختبارات المعرفية تظل قابلة للتشكل حتى عمر متأخر مقارنة بالمهارات المعرفية التي تقيسها اختبارات الذكاء، وهو ما قد ينطوي على دلالات للسنوات المتأخرة من التعليم المدرسي كذلك. وهذا أمر مشجع لآفاق تعليم هذه المهارات تعليماً منهجياً يتجاوز السنوات المبكرة أو التعليم الابتدائي وحده.

وثمة كم كبير من الأدلة التي تبين وجود ارتباطات بين مهارات مختلفة والدرجات ونتائج الاختبارات والتحصيل الأكاديمي، بل إن عدداً قليلاً من الدراسات قدم حججاً مقنعة على وجود علاقات سببية بين بعض المهارات ونجاح الطلبة مستقبلاً في المدرسة وفي بيئة العمل. وفي توليفه للتحليلات البعدية السابقة، درس هاتي، إلى جانب عوامل كثيرة أخرى، درجة الارتباط القائم بين طائفة من المهارات الأساسية والتحصيل الأكاديمي. واستناداً إلى تحليل أحجام الأثر، أفاد هاتي بأن الدافعية، والانخراط في التعلم، والكفاءة الذاتية وما يرتبط بها من مفاهيم الذات، والإصرار الذي يمكن تفسيره بوصفه شكلاً من أشكال المثابرة، كانت من بين المهارات والنزعات الأكثر ارتباطاً بالمقاييس التقليدية للتحصيل الأكاديمي، في حين لا تُظهر مهارات أخرى كالإبداع إلا ارتباطاً محدوداً به.

ويُعد حجم الأثر البالغ 0.4 متوسطاً، ويمكن عد القيم بين 0.2 و0.6 متواضعة، وما دون 0.2 منخفضة، وما فوق 0.6 مرتفعة. ويقع الإبداع والدافعية والتواصل في الطرف الأدنى من المقياس، بينما يأتي حل المشكلات والتعلم التعاوني وما وراء المعرفة في مراتب أعلى. ومما يؤسف له أنه لا يوجد تقدير للعلاقات المتبادلة بين المهارات وآثارها المجتمعة في التحصيل، وهذا قصور بالنظر إلى أن المفاهيم ليست دائماً متمايزة تمايزاً واضحاً، ولا تعمل بالضرورة بمعزل بعضها عن بعض.

وتُعد اليقظة المعرفية اللازمة عند تفسير الدراسات الارتباطية مبدأً منهجياً مهماً في الأدبيات الأوسع المتعلقة بالمهارات كلها. فوجود أدلة ارتباطية بين مهارة أو نزعة والنجاح في المدرسة أو العمل أو الحياة لا يقدم دليلاً أو برهاناً على أن التركيز على تدخلات تساعد في تحسين هذه المهارات سيفضي إلى النجاح مستقبلاً، بل ليس صحيحاً حتى أن الارتباطات القوية أرجح في تمثيل السببية من الارتباطات الضعيفة. وأخيراً، لا يوفر وجود ارتباطات قوية بين مهارات محددة والنجاح أساساً منطقياً للتدخل. ويتضح خطأ هذا النمط من الاستدلال من خلال مثال العوامل الاجتماعية المرتبطة بالنواتج القيمة؛ فارتباط ارتفاع المستوى الاجتماعي والاقتصادي باتساق بتحسن النواتج التعليمية، على سبيل المثال، لم يُتخذ قط مسوغاً لتصميم تدخلات تهدف إلى تغيير المستوى الاجتماعي والاقتصادي للطلبة.

غير أن النتائج تظل تنطوي على دلالتين مهمتين؛ الأولى أن طيفاً معقداً من المهارات والنزعات والاتجاهات يرتبط بنواتج الطلبة، ويُفترض أنه يؤثر فيها. والثانية أن المهارات والنزعات المختلفة التي تمت مراجعتها في هذا الفصل لا تبدو مرتبطة بنواتج الطلبة بالقدر ذاته. يضاف إلى ذلك أنه رغم ضخامة حجم البحوث المتعلقة بالعلاقات المحتملة بين المفاهيم المختلفة والتحصيل الأكاديمي، فإن الأعمال المفصلة والرصينة التي تناقش العلاقات بين المهارات الأساسية والنجاح المهني والحياة المجتمعية مثلاً قليلة. فالأدلة البحثية المتاحة محدودة وارتباطية في طبيعتها أساساً، ولم تُثبت حتى الآن سوى دراسات قليلة وجود علاقة سببية بين كفاية أو أكثر من كفايات القرن الحادي والعشرين ونواتج حياة الراشدين. وثمة حاجة إلى مزيد من البحوث، لا سيما تلك التي تتجاوز التصاميم المقطعية وتتجه نحو التحليلات الطولية.

وتنطوي نتائج التحليل الذي تناول كل مهارة على حدة على دلالات مهمة لمختلف أطر مهارات القرن الحادي والعشرين. فمعظم هذه الأطر تفترض أن المهارات التي تتبناها تؤثر سببياً في نواتج الطلبة، متصورة إياها بمعنى أوسع من التحصيل الأكاديمي. وكما يبين تحليلنا للمهارات، فإن الأدبيات العلمية غير واضحة بشأن مدى تأثير كثير من هذه المهارات أو النزعات تأثيراً مباشراً في الأداء الأكاديمي. وفي الوقت ذاته، ينبغي الإقرار بأن المقاييس التقليدية لأداء الطلبة قد تكون أضيق من أن تستوعب بعض الفوائد المحتملة للتركيز على هذه المهارات. ويقر واضعو الأطر الخمسة المعروضة آنفاً جميعاً بالطبيعة الافتراضية للآليات السببية التي تتضمنها خرائطهم المفاهيمية، وهذا بلا شك من جوانب قوتها. وتشير الفجوة بين الأطر والأدلة البحثية إلى الحاجة إلى مزيد من البحوث لفهم الشبكة المعقدة من مهارات الطلبة ونزعاتهم التي تؤثر سببياً في نواتجهم. كما ستستفيد البحوث من دراسة الكيفية التي تشكل بها العلاقات القائمة بين المهارات المختلفة الأداء الأكاديمي، بدلاً من التركيز على مهارات بعينها منفردة.

ومن المفيد النظر في مسألة خصوصية المجال التي برزت بوصفها إشكالية في الأدبيات المتعلقة بالمهارات الأساسية كلها. وهي مسألة نظرية بقدر ما هي تجريبية، لأن تعريف المهارة يحدد إلى حد بعيد مدى خصوصيتها بالسياق. ولعل السؤال الأجدى ليس ما إذا كانت المهارة عامة أو خاصة، بل أي تصور للمهارة هو الأنفع للتربويين والطلبة كي يركزوا عليه. وإذا تأملنا جدوى التصورات المختلفة للمهارات الأساسية، فمن الممكن أن يكون الأجدر تصورها بوصفها أبعاداً من الخبرة مرتبطة بالسياق، خاصة بالمعرفة في مجال معين من مجالات المحتوى والأداء ومتشابكة معها، بدلاً من تصورها مهارات عامة تنطبق على مهام كثيرة في طيف واسع من السياقات المتباينة.

وتقود مسألة خصوصية المجال مباشرة إلى مسألة قابلية الانتقال. فإلى أي مدى يمكن أن يكون إظهار الخبرة في مهارة ما في درس أو مادة معينة دليلاً على القدرة على استخدام المهارة ذاتها في سياقات أخرى؟ وإلى أي مدى يمكن افتراض أن المثابرة التي يُظهرها الطلبة في مهمة ما ستنتقل على الأرجح إلى مثابرة في فئة مختلفة من المهام؟ وإلى أي حد يمكن أن تختلف هذه السياقات أو المهام الأخرى قبل أن يصبح الانتقال أقل احتمالاً بكثير؟ لقد ثبت أن الإجابة عن هذه الأسئلة عسيرة على الباحثين، وثمة حاجة إلى مزيد من الاستقصاء في هذا المجال.

وتؤثر في القدرة على الانتقال بين المجالات طائفة من العوامل، منها نموذج التعلم، أي الفهم في مقابل الحفظ، ووقت التعلم، والدافعية، ومقاربة الانتقال، أي الانتقال النشط في مقابل السلبي، وسياق التعلم. ويُرجح حدوث انتقال التعلم بين المجالات المتقاربة، وهو ما يُعرف بالانتقال القريب، أكثر من حدوثه بين المجالات غير المترابطة، وهو ما يُعرف بالانتقال البعيد. وبوجه عام، ثمة صعوبات كبيرة في نقل المعارف والمهارات بين السياقات المدرسية وغير المدرسية. ومع أن بعض مقاربات التعليم والتعلم يمكن أن تيسر الانتقال بين المهام أو المواقف داخل سياق أو مجال معين، فإن أكثر من قرن من البحث في الانتقال لم يقدم إلا أدلة قليلة على أن التعليم يمكن أن ينمي كفايات معرفية عامة قابلة للانتقال إلى أي تخصص أو مشكلة أو سياق جديد، داخل المدرسة أو خارجها. ولعل الدرس الرئيسي المستفاد من ذلك هو الحاجة إلى تبني تصور أكثر واقعية لانتقال المهارات التي يتعلمها الطلبة في الفصول الدراسية. فقد حظي انتقال المبادئ العامة داخل المواد أو المجالات المنهجية بأدلة مشجعة، على الأقل حين تُستخدم ممارسات تربوية فعالة. ومن ثم، وما دام تصور الانتقال غير مفرط في الطموح، فإن تراكم الأدلة يشير إلى أن المعارف والمهارات المكتسبة في المدرسة يمكن أن تنتقل إلى مجالات ذات صلة إذا أُوليت شروط الاكتساب والانتقال العناية اللازمة.

ويقوم تصور المهارة بوصفها مرتبطة بالسياق أساساً أو عامة على الطريقة التي تُعالج بها قابلية انتقال المهارات، لكنه يثير كذلك مسألة القياس. فبالنسبة إلى الباحثين، لا تتحدد جدوى المفهوم في فهم الفروق بين الأفراد كلياً بالطريقة التي يُقاس بها. أما بالنسبة إلى التربويين، فإن الأدوات والأساليب المستخدمة في قياس مستويات خبرة الطلبة حاسمة لجودة الممارسة التربوية. فلكي تُعد أي مهارة ناتج تعلم مشروعاً، لا بد أن يكون المعلمون قادرين على تعزيز اكتساب الطلبة لها منهجياً ضمن مسار تعلم متدرج، وعلى تقييم مستويات خبرة الطلبة لأغراض تكوينية، وربما ختامية. ويمكن للمهارات بلا شك أن تكون نواتج تعلم مشروعة حتى لو لم توجد وسيلة لقياس مستويات خبرة الطلبة باختبارات معيارية، لكن يصعب أن تكون كذلك إذا لم توجد وسيلة لمتابعة اكتساب الطلبة لها.

وأخيراً، لا يزال كثير مما يتعلق بالمهارات الأساسية اللازمة للقرن الحادي والعشرين مجهولاً. فالطيف الواسع من النزعات والمهارات التي يحتاجها الطلبة للنجاح في المدرسة وما بعدها يمكن تفكيكه من خلال أطر مختلفة للمهارات، ويُظهر كثير من المفاهيم الواردة في هذه الأطر علاقات متبادلة معقدة بين المهارات. وقد حاولت الأنظمة التعليمية حول العالم التعامل مع هذا التعقيد، ويبين الفصل التالي الطرق التي تبنت بها أنظمة مختلفة هذه المهارات.

دراسة ذات صلة