القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: التقرير الفني (14/5)

مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: التقرير الفني (14/5)
ملخص الدراسة

يستكشف هذا الفصل إطارًا منهجيًا لتقييم الذكاء الاجتماعي لوكلاء الذكاء الاصطناعي، التي تتزايد اندماجها في حياتنا كمساعدين ورفاق في مجالات متنوعة كالرعاية الصحية والتعليم. يقدم الإطار نظامًا من خمسة مستويات يشمل سبعة مكونات اجتماعية أساسية مستوحاة من علم النفس البشري والتفاعل بين الإنسان والحاسوب، وهي التجسد والذاكرة الاجتماعية والهوية والتواصل الاجتماعي والمهارات الوجدانية والإدراك الاجتماعي وحل المشكلات الاجتماعية. ويهدف هذا النموذج إلى توجيه البحث وتطوير الذكاء الاصطناعي، ومساعدة صانعي السياسات على فهم قدرات هذه الوكلاء. كما يسلط الفصل الضوء على ميل البشر لإسقاط المعاني الاجتماعية على سلوكيات الذكاء الاصطناعي (مثل تأثير ELIZA)، ويقدم أمثلة تطبيقية للنموذج على ChatGPT وAIBO، ويناقش الاعتبارات الأخلاقية الهامة المتعلقة بالتأثير الاجتماعي لهذه الوكلاء ومخاطرها المحتملة على العلاقات البشرية والمساواة.

الفصل الخامس: التفاعل الاجتماعي

إعداد: António M. Fernandes، Ana Teresa Antunes، Haohua Dong، Regina de Brito Duarte، Joana Brito، Henrique Correia da Fonseca، Ana Vilaça Carrasco، Inês Lobo، Rui Prada، Ana Paiva (معهد INESC ID، المعهد العالي للتقنية، جامعة لشبونة)؛ و Rebecca Ramnauth، Nicholas C. Georgiou، Brian Scassellati (قسم علوم الحاسوب، جامعة ييل)؛ و Miguel Faria (معهد الاتصالات في لشبونة). وقد توقفت Ana Paiva عن نشاطها في هذا المشروع في الرابع من أبريل 2024.

تندمج الوكلاء ذات الذكاء الاجتماعي في مجتمعنا على نحو متزايد، بوصفها رفاقاً ومساعدين وزملاء ومسهمين أساسيين في الرعاية الصحية والتعليم. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يستكشف هذا الفصل إطاراً يتيح التقييم المنهجي للذكاء الاجتماعي لدى هذه الوكلاء. ويفصّل الفصل نظاماً من خمسة مستويات يشمل سبعة مكونات اجتماعية، ويجمع رؤى من علم النفس البشري ومجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب لتحديد أبعاد قابلة للقياس للذكاء الاجتماعي. ويعرض الأسس المفاهيمية للنموذج، ويقدم أمثلة توضيحية على قابليته الواسعة للتطبيق، ويبين أهميته العملية في توجيه البحث والتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي. وهو بذلك يساعد صانعي السياسات على فهم قدرات هذه الوكلاء، وهو أمر حاسم لاستخدامها وتنظيمها على نحو فعال.

مقدمة

تُعدّ القدرة على تفسير المشاعر، واستباق احتياجات الآخرين، وتكييف السلوك مع السياقات الاجتماعية المتنوعة، والتعاون، مكوناً حاسماً من مكونات الذكاء. فهذه المهارات أساسية للسلوك الاجتماعي الإيجابي، والتواصل الفعال، والتعاون الناجح في بيئات متنوعة.

وتنطبق مبادئ مماثلة على الذكاء الاصطناعي. فحين يتعرف وكيل ما على الإشارات العاطفية، ويكيّف سلوكه وفق السياق الاجتماعي، أو يعدّل نبرته بحسب المحادثة، فإنه يبدأ في محاكاة ذلك النوع من الذكاء الذي يبدو إنسانياً على نحو مميز. وبهذا المعنى، يصبح الذكاء الاجتماعي مؤشراً حاسماً لا على مدى إتقان الوكيل لأداء مهمة ما فحسب، بل على مدى سلاسة اندماجه في البيئات البشرية.

ويؤكد انتشار الوكلاء ذات الذكاء الاجتماعي التقدمَ الكبير الذي أحرزه الذكاء الاصطناعي التقليدي. فهذه الوكلاء تظهر في الحياة اليومية في صورة مساعدين صوتيين مثل Siri و Alexa، ونماذج محادثة مثل ChatGPT، وأدوات إنتاجية مثل Microsoft Copilot. وفي الرعاية الصحية، تدعم هذه الوكلاء كبار السن وتعزز انخراطهم الاجتماعي. وفي مجال الصحة النفسية، تحسّن إمكانية الوصول إلى العلاج وتساعد في مواجهة التحديات العاطفية. وفي التعليم، تعمل معلمين خصوصيين يعززون التعلم وانخراط الطلاب. كما أنها أساسية في التعلم مدى الحياة والتدريب على المهارات، إذ تتكيف مع الاحتياجات الفردية.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، ستندمج هذه الوكلاء بسلاسة في الحياة اليومية لتثري التفاعلات. ومع تنامي حضورها، يصبح وضع إطار منظم لتقييم مستوى الذكاء الاجتماعي لدى الوكيل أمراً ضرورياً. فالمعايير والاختبارات المعيارية الواضحة كفيلة بضمان ألا تكتفي هذه الوكلاء بتلبية المتطلبات الوظيفية، بل أن تنخرط أيضاً في تفاعلات ذات معنى وملائمة للسياق مع المستخدمين.

وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقدم هذا الفصل إطاراً لتقييم الذكاء الاجتماعي لدى الوكيل، منظماً في نظام من خمسة مستويات يشمل سبع مهارات اجتماعية أساسية. واستناداً إلى رؤى من علم النفس البشري وبحوث التفاعل بين الإنسان والحاسوب، يحدد الفصل المهارات الأساسية التي تسهم في الذكاء الاجتماعي. ويتعمد الفصل تجنب تطبيق مقاييس محددة لكل مهارة لأحد سببين: إما لعدم توفر معايير قياس موحدة، وإما لأن فهم بعض المهارات ما يزال غير كافٍ لوضع معايير موضوعية. وسيكون تحديد كيفية قياسها موضوعاً لبحوث مستقبلية.

الإدراك الخاطئ للطابع الاجتماعي

يميل البشر إلى إدراك أفعال الأنظمة المعقدة بوصفها أفعالاً ذات دلالة اجتماعية، نظراً لنزوعنا إلى تفسير الحركات بوصفها مقصودة، ولمبالغتنا في تقدير تعقيد سلوكيات الأنظمة. فقد أظهرت تجربة هايدر وسيميل الشهيرة عام 1944 أن رسوماً متحركة لأشكال هندسية بسيطة دفعت المشاركين إلى إسباغ صفات بشرية عليها، مما يوضح نزوعنا إلى تصنيف العالم إلى فاعلين لهم حالات ذهنية، وأشياء ليست لها حالات ذهنية. وعلى نحو مماثل، نصنف بالفطرة التقنيات التي تُظهر سلوكيات أساسية بوصفها فاعلين، وننسب إليها أفكاراً ونوايا ومشاعر.

ونحن نبالغ أيضاً في تقدير تعقيد الأنظمة بناءً على سلوكياتها الظاهرة، كما حدث مع برنامج ELIZA الذي طوّره جوزيف وايزنباوم. فعلى الرغم من اعتماده على مطابقة بسيطة للأنماط، أوهم ELIZA مستخدميه بأنه يفهم مشكلاتهم حقاً ويهتم بها، بل إن باحثين في الذكاء الاصطناعي أنفسهم أُعجبوا بما بدا من تطوره. ويبين براتينبرغ، فيما سماه "قانون التحليل الصاعد والابتكار الهابط"، أن توليد سلوك معقد من أجزاء بسيطة أمر سهل، في حين أن تحليل البنية الداخلية أو استنساخها انطلاقاً من السلوك أمر صعب. وتفضي هذه التحيزات إلى المبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي الحديث، على الرغم من أن كثيراً من التفاعلات الاجتماعية تتطلب دقة ووعياً بالسياق يتجاوزان قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية.

وقد يكون إنجاز المهام بسلوك ملائم اجتماعياً أمراً عسيراً على الوكلاء الاجتماعية. فكثير من السلوكيات الاجتماعية البسيطة، كالعثور على الأشخاص في مشهد ما أو معرفة متى يُنادى باسمك، تحلها بسهولة حتى أبسط الوكلاء الاجتماعية. غير أن المهام الاجتماعية الأدق والأكثر تعقيداً منتشرة في كل مكان. فمع أن أساليب فظة ومزعجة، كصفارة إنذار عالية وأضواء وامضة، قد تحقق بعض أهداف المهمة الأولى المذكورة أدناه، فإن هذا الحل يخفق في احترام البيئة الاجتماعية المقصودة. وفيما يلي عشر مهام نموذجية تختبر قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق الأهداف بطريقة ملائمة اجتماعياً:

أولاً، لفت انتباه النادل: يتعين على الوكيل أن يلفت انتباه النادل بلطف دون إزعاج الآخرين، وهو ما يتطلب حسن التوقيت والوعي بالمحيط.

ثانياً، التنسيق بشأن من يعبر التقاطع أولاً: يتعين على الوكيل تفسير إشارات الآخرين، كلغة الجسد والتواصل البصري، لتنسيق الأفعال وضمان سلاسة التفاعل.

ثالثاً، تحديد متى يفقد الطالب اهتمامه: يتعين على الوكيل قراءة إشارات الانصراف المتنوعة والخفية لتقدير اهتمام الطالب وتعديل التفاعل تبعاً لذلك.

رابعاً، وصف مشهد من وجهة نظر شخص آخر: يتعين على الوكيل مراعاة منظور الشخص الآخر وسياقه المعرفي، وهو ما يتطلب تعاطفاً وفهماً متقدمين.

خامساً، تحديد متى يكون من الملائم مقاطعة مجموعة، وهل يكون ذلك ملائماً أصلاً: يتعين على الوكيل تقدير السياق الاجتماعي وتوقيت أفعاله لتجنب قطع محادثات مهمة.

سادساً، تعلّم عرف اجتماعي جديد: يتعين على الوكيل ملاحظة السلوكيات الاجتماعية الجديدة والتكيف معها استناداً إلى التفاعلات الآنية، بما يعزز مرونته.

سابعاً، انتظار الدور: يتعين على الوكيل قراءة الإشارات الاجتماعية وفهم موقعه في السياق كي ينتظر على النحو الملائم.

ثامناً، تحديد ما إذا كان ينبغي عرض المساعدة: يتعين على الوكيل تقدير السياق وديناميكيات العلاقة لعرض المساعدة دون تجاوز الحدود.

تاسعاً، الانتباه إلى ارتكاب خطأ اجتماعي: يتعين على الوكيل التعرف على الأخطاء الاجتماعية وتعديل سلوكه بتحليل السياق والتعلم من الأخطاء.

عاشراً، تحديد ما إذا كان التفاعل الاجتماعي مرغوباً فيه من مسافة بعيدة: يتعين على الوكيل تفسير الإشارات غير اللفظية وتعديل سلوكه للمبادرة بالتفاعل أو الانسحاب منه.

وتؤكد التحديات المبينة هنا حاجة أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تجاوز السلوك السطحي وتطوير فهم أعمق للديناميكيات الاجتماعية. وسيتطلب بلوغ هذا المستوى من الكفاءة تقدماً لا في القدرات التقنية فحسب، بل أيضاً في القدرة على إدراك الطبيعة المتطورة باستمرار للتفاعل البشري والتكيف معها.

نموذج للذكاء الاجتماعي لدى الوكلاء

يشير الذكاء الاجتماعي إلى قدرة المرء على إدراك الإشارات الاجتماعية وتفسيرها والاستجابة لها على النحو الملائم في السياقات الشخصية المتغيرة. ويشمل ذلك فهم المشاعر، والتكيف مع الأعراف الاجتماعية، وإدراك نوايا الآخرين واحتياجاتهم، وإدارة التفاعلات الاجتماعية بفاعلية.

وقد دُرس مفهوم الذكاء الاجتماعي لدى البشر دراسة واسعة، ولا سيما فيما يتعلق بتقييم الأفراد ذوي الاختلاف العصبي وعلاجهم. وتؤكد هذه الدراسات المتمحورة حول الإنسان القدرة على تفسير الإشارات الاجتماعية المعقدة والاستجابة لها والتنظيم الذاتي إزاءها. وكثيراً ما تستهدف التدخلات العلاجية والتعليمية هذه المهارات لدى الأفراد المصابين بحالات مثل اضطراب طيف التوحد أو القلق الاجتماعي.

ويطرح نقل الرؤى المستمدة من علم النفس البشري إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي تحديات عدة. فنماذج الذكاء الاجتماعي البشري تركز على سلوكيات آنية متكيفة تشكلها الخبرة والسياق العاطفي، في حين تعتمد وكلاء الذكاء الاصطناعي على خوارزميات ومجموعات بيانات محددة سلفاً قد لا تحاكي السلوكيات النابعة من التجارب العاطفية أو الدوافع البيولوجية. فضلاً عن ذلك، تفترض كثير من أطر قياس القدرات الاجتماعية البشرية فهماً ثقافياً مشتركاً وحضوراً جسدياً، وهو ما لا ينطبق بسهولة على أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالأنظمة التي تفتقر إلى تجسد مادي، كروبوتات المحادثة، محدودة القدرة على أداء أفعال في العالم الحقيقي، في حين تظل القدرات المادية للروبوتات الاجتماعية مثل "Ameca" مقيدة بقيود العالم الواقعي. وتبرز هذه الفروق الحاجة إلى تكييف النماذج المتمحورة حول الإنسان للذكاء الاجتماعي بحيث تتوافق على نحو أفضل مع القدرات والقيود الفريدة للذكاء الاصطناعي.

وتتمحور أهداف تصميم نموذج الذكاء الاجتماعي لدى وكلاء الذكاء الاصطناعي في هذا الفصل حول المرونة والموضوعية وسهولة الفهم والقابلية للتكيف. فينبغي أن يكون النموذج مرناً بما يكفي لالتقاط الجوانب الرئيسية للسلوك الاجتماعي البشري لدى وكلاء مختلفة، وموضوعياً في تقييماته بما يتيح تقييمات قابلة للقياس والتكرار، وميسراً لغير الخبراء مع انسجامه مع النظريات النفسية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وقابلاً للتكيف مع التقدم المستمر في الذكاء الاصطناعي ومع القيم الاجتماعية المتغيرة.

بنية النموذج

يتألف النموذج من خمسة مستويات لكل مهارة من المهارات الاجتماعية السبع، تبرز التفاعل بين كفاءة الوكيل في كل مهارة على حدة وكيفية تطور المهارات وتفاعلها عبر المستويات المختلفة.

تعريف المهارات الاجتماعية

ينبغي لأي نموذج شامل للذكاء الاجتماعي أن يعرّف بوضوح المهارات الأساسية التي تتيح الاعتراف بالوكيل بوصفه "ذكياً اجتماعياً". ويختزل التعريف الإجرائي للذكاء الاجتماعي هنا في سبعة مكونات، ثلاثة منها ذات تأثير أكبر في فهمنا للآخرين.

وهذه المكونات الجوهرية، أي الذاكرة والهوية والتجسد، بالغة الأهمية لأنها تؤثر مباشرة في الكفاءة الاجتماعية الإجمالية للوكيل وفي تعبيره الاجتماعي. فالتجسد يشير إلى الحضور المادي أو الافتراضي للوكيل، وهو حيوي للتفسير الدقيق للإشارات الاجتماعية والانخراط في تفاعلات ذات معنى. والذاكرة تمكّن الوكيل من الاحتفاظ بالتجارب السابقة والاستفادة منها، بما يعزز قدراته على التواصل والمعالجة المعرفية وحل المشكلات. أما الهوية فتشمل السمات والقيم الفريدة للوكيل وقدرته على التكيف مع البيئة الاجتماعية.

أما المهارات الاجتماعية الأربع المتبقية، وهي التواصل الاجتماعي، والمهارات الوجدانية، والإدراك الاجتماعي، وحل المشكلات الاجتماعية، فتمكّن الوكيل من الانخراط بفاعلية في التفاعلات البشرية. فالتواصل الاجتماعي يتيح تبادلاً واضحاً للمعلومات، والمهارات الوجدانية تتيح التعرف على المشاعر وبناء الروابط، والإدراك الاجتماعي يتيح تفسير الإشارات الاجتماعية، وحل المشكلات الاجتماعية يعالج التحديات بين الأشخاص. وتؤهل هذه المهارات مجتمعةً الوكلاءَ للتكيف والانخراط بنجاح في بيئات اجتماعية متنوعة ومتغيرة.

تعريف مستويات المهارات

يعتمد النموذج بنية متعددة المستويات لتحديد تطور الذكاء الاجتماعي عبر المهارات المختلفة. ويعكس هذا التطور تحولاً في تعقيد المهام التي يستطيع الوكيل أداءها، فكلما ارتقى الوكيل من مستوى إلى الذي يليه، أظهر قدرة متزايدة على العمل في مهام أكثر تعقيداً. ويفضي ذلك بطبيعته إلى مستويات أعلى من الاستقلالية والقدرة على التكيف والوعي بالسياق لدى الوكيل.

أبعاد النموذج

يبدأ عرض النموذج بالمهارات الجوهرية لأنها تؤثر تأثيراً كبيراً في تعبير الوكيل عن جميع المهارات الاجتماعية الأخرى. ويبدأ بالتجسد لأنه الأساس الذي يحدد كيفية تفاعل الوكيل مع بيئته ومستخدميه، ثم يتناول دور الذاكرة الاجتماعية في تعزيز فهم غني بالسياق للديناميكيات الاجتماعية، ثم يستكشف كيف تعزز الخصائص والسمات الفريدة الإحساسَ بهوية الوكيل، ويناقش أخيراً كيف تسهم المكونات الأربعة المتبقية إسهاماً حاسماً في الذكاء الاجتماعي للوكيل.

التجسد

يشير التجسد إلى قدرة الوكيل على الإدراك والفعل في العالم، بما يمكّنه من الانخراط مادياً أو افتراضياً في بيئته. ويركز النموذج في هذا السياق على التجسد الاجتماعي، أي على الكيفية التي يتيح بها شكل الوكيل وسلوكه تفاعلاً ذا معنى. فبدلاً من التركيز على المكونات المادية كأجهزة الاستشعار والمشغلات، يتناول النموذج كيف يدعم التجسد فاعلية الوكيل في السياقات الاجتماعية البشرية.

وثمة ثلاثة جوانب حاسمة للتجسد الاجتماعي: الإشارات غير اللفظية، والوعي بالحضور، والقابلية للتصديق.

فالإشارات غير اللفظية، كالنظر والإيماءات ووضعية الجسد، تتيح للوكلاء إيصال المعنى بما يتجاوز الكلام. وهي إشارات محورية في التواصل البشري، وحين تستخدمها الوكلاء الاصطناعية بفاعلية، فإنها قد تعزز انسياب المحادثة وتحسن الوضوح وتسهم في تفاعل أكثر بداهة.

والوعي بالحضور هو القدرة على إدراك الفضاءات المشتركة والتحرك فيها باحترام وبطرق ملائمة اجتماعياً. ويعني ذلك بالنسبة إلى الوكلاء المادية تجنب الاصطدام أو الحفاظ على المسافة الشخصية، ويشمل بالنسبة إلى الوكلاء الافتراضية تكييف السلوك بحسب القرب الرقمي أو الأعراف الاجتماعية.

أما القابلية للتصديق فتشير إلى درجة محاكاة الوكيل للسلوك الحي، أي استجابته على نحو ملائم للإشارات الاجتماعية المتغيرة، والحفاظ على الاتساق بين الإشارات اللفظية وغير اللفظية، وإظهار أصالة عاطفية. والوكلاء الأكثر قابلية للتصديق مهمة لتحقيق تفاعلات طويلة الأمد يكون فيها الانخراط المستمر والثقة أمرين أساسيين، ويتعين عليها أن تغير تعابيرها وإيماءاتها ونبرتها بسلاسة وبطرق تبدو طبيعية ومنسجمة عاطفياً.

وفي ضوء التعريفات السابقة، يمكن رسم تطور التجسد من المستوى الأول إلى الخامس من خلال سياق روبوت مساعد في المنزل. ففي المستوى الأول، تستطيع الوكلاء التعبير عن إشارات غير لفظية ومشاعر أساسية، كالسعادة أو الدهشة، وإن بدت حركاتها جامدة أو آلية في الغالب، فقد يبتسم روبوت منزلي في هذا المستوى بعد إنجاز مهمة ما، لكن سلوكه مبرمج سلفاً ويفتقر إلى الدقة والقدرة على التكيف. ويُدخل المستوى الثاني سلوكاً غير لفظي أكثر تطوراً ووعياً بالحضور مع المستخدمين الأفراد، فقد يتحرك روبوت شبيه بالإنسان يكنس الأرض قرب شخص يشاهد التلفاز كي لا يحجب رؤيته، مُظهراً قدراً من فهم الفضاء المشترك. وفي المستوى الثالث، تبدأ الوكلاء في الاستجابة الديناميكية للإشارات الاجتماعية، مع تحسن في القابلية للتصديق والتكيف مع السياق، فتصبح الحركات أكثر انسياباً وتتوافق التعابير العاطفية على نحو أكثر طبيعية مع السلوك البشري. وينطوي المستوى الرابع على تفاعلات مع أشخاص متعددين، تكيّف فيها الوكلاء لغة الجسد والسلوك المكاني مع كل مستخدم على حدة، فتحافظ على مسافات اجتماعية ملائمة وتعدل أسلوب انخراطها بحسب السياق. وفي المستوى الخامس، تُظهر الوكلاء قدرة متقدمة على التكيف عبر الأعراف الثقافية، فتغير إيماءاتها وتعابيرها ومسافة اقترابها وفقاً للتوقعات الاجتماعية لمختلف الجماعات الثقافية. فقد يعدّل روبوت في منزل غربي سلوكه، على سبيل المثال، ليتوافق مع آداب السلوك الثقافية اليابانية عند التفاعل مع ضيف زائر.

واليوم، ما تزال الروبوتات المادية محدودة بقيود ميكانيكية وقيود العالم الواقعي، وكثيراً ما تتأخر عن الوكلاء الافتراضية في قدراتها الاجتماعية.

ففي المستوى الأساسي، لا تمتلك الوكلاء سوى حضور سلبي، كروبوتات المستودعات الأولى أو الشخصيات الثابتة غير القابلة للعب في الألعاب الإلكترونية التي لا تفاعل لها. ومن أمثلة المستوى الأول الروبوتان Kismet و Paro، اللذان يعبّران عن مشاعر بسيطة من خلال حركات محدودة لكنهما يفتقران إلى السلوك الدقيق.

وتُظهر أنظمة المستوى الثاني، مثل "Pepper" و"Navel"، وعياً اجتماعياً بسيطاً باستخدام النظر والحركة، لكنها ما تزال تبدو آلية أو تفاعلية فحسب. أما الوكلاء الافتراضية، المستفيدة من قلة القيود المادية، فكثيراً ما يكون أداؤها أفضل، إذ تُظهر الإصدارات المبكرة من Alexa و Siri تجسداً من المستوى الثاني من خلال التفاعل اللفظي، مع حضور غير لفظي ضئيل.

وتُظهر الوكلاء الافتراضية من المستوى الثالث، كتلك التي طورتها شركة Soul Machines، استجابة آنية وتحريكاً لملامح الوجه وتكيفاً عاطفياً، مما يجعلها ملائمة لخدمة العملاء أو التدريب الشخصي.

ومع أن التجسد من المستوى الرابع ما يزال نادراً، فإن روبوتات مثل "Ameca" تقترب منه، مستخدمة تعابير وجه واقعية وسلوكاً تكيفياً بدائياً. وفي الواقع الافتراضي، بدأت بعض الوكلاء تُظهر استجابة ثقافية وسلاسة في التفاعل الجماعي، بل إن هيئات مثل منظمة الصحة العالمية تنشر مثل هذه الوكلاء في الرعاية الصحية لدعم الصحة النفسية.

أما التجسد من المستوى الخامس فما يزال طموحاً، إذ لم يحقق أي نظام بعدُ قدرة كاملة على التكيف الثقافي مع قابلية ثابتة للتصديق ووعي بالحضور. غير أن أبحاثاً واعدة تستخدم التعلم المعزز والذكاء الاصطناعي الرمزي تسعى إلى تمكين الوكلاء من تكييف سلوكها مع ملامح المستخدمين والأعراف الاجتماعية.

الذاكرة الاجتماعية

تشير الذاكرة إلى قدرة الوكيل على ترميز المعلومات وتخزينها واسترجاعها، وهي قدرة حيوية للتعلم والتكيف بمرور الوقت. ويركز النموذج على الذاكرة الاجتماعية، أي قدرة الوكيل على الاحتفاظ بالمعلومات المستمدة من التفاعلات الاجتماعية واستخدامها. وتُعرّف الذاكرة الاجتماعية وفق أربعة أبعاد رئيسية: عمر المعلومات، ونوع المعلومات المخزنة، وطريقة الاحتفاظ، وسعة التخزين.

فعمر المعلومات يشير إلى المدة التي تُحفظ فيها الذكريات. وتمتد الذاكرة البشرية من ذكريات قصيرة الأمد عابرة إلى ذكريات طويلة الأمد راسخة. وعلى نحو مماثل، تُظهر الأنظمة المبكرة مثل Siri و Alexa، والنماذج اللغوية الكبيرة الأولى، ذاكرة قصيرة الأمد، فهي تستطيع الحفاظ على السياق في أثناء تفاعل واحد لكنها تنسى التفاصيل بين الجلسات، مما يحد من الانخراط الطويل الأمد. وفي السياقات الحرجة كرعاية الصحة النفسية، يمثل هذا العمر القصير عيباً، لأن الوكلاء يتعين عليها تذكّر التفاصيل الخاصة بالمستخدم بمرور الوقت لتقديم دعم فعال ومخصص.

ونوع المعلومات المخزنة مهم أيضاً. فاستناداً إلى تصنيف بلوم المعدّل، يميز النموذج بين المعرفة الواقعية كالأسماء، والمعرفة المفاهيمية كالديناميكيات الاجتماعية، والمعرفة الإجرائية ككيفية تحية شخص ما، والمعرفة ما وراء المعرفية كالتأمل في الاستراتيجيات. فروبوت المحادثة الذي لا يتذكر إلا الأسماء أقل كفاءة اجتماعية من روبوت يفهم تفضيلات المستخدم أو أعراف المحادثة.

وتميز طريقة الاحتفاظ بين الذاكرة الثابتة والذاكرة الديناميكية. فالأنظمة التقليدية القائمة على القواعد، مثل ELIZA، استخدمت قوالب حوار ثابتة ولم تتعلم من التفاعلات. أما الأنظمة الأحدث مثل GPT 3 فتتضمن معرفة ثابتة مدمجة في أوزانها، تبقى دون تغيير ما لم يُعد تدريبها. ومع ذلك، تستطيع هذه النماذج أيضاً إظهار ذاكرة ديناميكية داخل الجلسة الواحدة، فتتذكر مدخلات المستخدم مؤقتاً. ويمنحها هذا المزيج قدرة جزئية على التكيف، وإن ظلت معظم معرفتها ثابتة.

وسعة التخزين عامل آخر. فبينما يمتلك البشر ذاكرة واسعة ومرنة، وإن كانت تشكلها حدود معرفية، تتفاوت أنظمة الذكاء الاصطناعي في هذا الشأن. فالأنظمة السحابية تستطيع تخزين بيانات ضخمة تدعم تواريخ اجتماعية غنية، في حين تمتلك الروبوتات المدمجة في الغالب ذاكرة محدودة تقيد التفاعلات المخصصة الطويلة الأمد.

ويمكن تصنيف الذاكرة في خمسة مستويات. ففي المستوى الأول، يحتفظ الروبوت بحقائق أساسية ثابتة، كالأسماء أو الأعمار، دون القدرة على تحديثها أو التعرف على أشخاص جدد. ويُدخل المستوى الثاني ذاكرة ديناميكية وأنواعاً أوسع من المعلومات، فلا يتذكر الوكيل الهويات فحسب بل العلاقات والتفاعلات الحديثة أيضاً. وفي المستويين الثالث والرابع، يتصرف الوكيل على نحو أقرب إلى الإنسان، فيخزن بيانات سياقية وإجرائية وبيانات تفاعلات متعددة الأدوار لتحسين التواصل، ويتذكر متى يخاطب المستخدمين وكيف، ويستطيع تكييف سلوكه بناءً على التجارب السابقة. وفي المستوى الخامس، يستطيع الوكيل تخزين نطاق واسع من المعرفة الواقعية والمفاهيمية والإجرائية واسترجاعها عبر أطر زمنية طويلة، وإدارة تواريخ اجتماعية معقدة ومتطورة دون قيود كبيرة.

وتاريخياً، اعتمدت الوكلاء الاجتماعية على أنظمة ذاكرة رمزية ذات قواعد مصممة يدوياً، بما يتوافق مع المستويين الأول والثاني. ثم أتاحت بنية المحوّلات للنماذج اللغوية الكبيرة الاحتفاظ بمعرفة اجتماعية مدمجة، مما أغنى عن ترميز القواعد يدوياً. فأنظمة مثل GPT 3 وما يماثلها من النماذج اللغوية الكبيرة تحتفظ بمعرفة الحس السليم والمعلومات الاجتماعية في أوزانها، لكنها تواجه صعوبة في الاسترجاع المتسق، ولها حدود في كمية المعلومات القابلة للاسترجاع. وتعمل هذه النماذج عادة بين المستويين الثاني والثالث.

ولتحسين الذاكرة، تستخدم الأنظمة الأحدث ذاكرة خارجية، أي تخزن معلومات المستخدم في قواعد بيانات أو سجلات ذاكرة منفصلة. ويستعين بعضها بمجموعات من النماذج اللغوية الكبيرة أو بالتوليد المعزز بالاسترجاع لترميز الذكريات واسترجاعها عند الحاجة، مما يتيح تخزين معلومات عالية المستوى كالعلاقات والاستنتاجات. فنموذج GPT 4o، مثلاً، يدعم ذاكرة دائمة عبر المحادثات. وتستخدم مقاربات أخرى بنى ذاكرة قائمة على المخططات البيانية، أو تحاكي آليات الذاكرة البشرية كالنسيان.

ومع أن الأنظمة الحالية تُظهر سمات من المستوى الرابع، فإن الوصف الأنسب لها بوجه عام هو المستوى الثالث، إذ تحدها سعة مدخلات النماذج اللغوية الكبيرة، وتركز في الغالب على المعلومات اللفظية. وهي، خلافاً للبشر، لا تستطيع دمج ذكريات متعددة أو مدخلات متعددة الوسائط، كالرؤية، بسلاسة. ولذلك، ورغم التقدم المحرز، تظل الذاكرة الاجتماعية في الذكاء الاصطناعي قدرة في طور التطور.

الهوية

تشير الهوية إلى مزيج فريد من السمات والقيم وتمثلات الذات التي تشكلها الأدوار والانتماءات والسياق الاجتماعي. وتتجاوز الهوية أوجه التشابه السطحية لتنطوي على تفرد ميتافيزيقي، تنشأ فيه الفردية لا من السمات الظاهرة فحسب، بل من التاريخ الشخصي والسياق العلائقي أيضاً.

وتعرّف النماذج النفسية، ولا سيما نموذجا ماك آدامز وإيمونز، الهويةَ من خلال ثلاثة أبعاد: سمات الشخصية، والقيم الشخصية، وسردية الحياة. وتتطور هذه المكونات على نحو مختلف بمرور الوقت، وتسهم في تحديد كيفية انخراط الوكيل في العالم.

فسمات الشخصية أنماط سلوكية ومعرفية وعاطفية مستقرة نسبياً. ويُعدّ نموذج العوامل الخمسة، أي الانفتاح ويقظة الضمير والانبساط والمقبولية والعصابية، أكثر التصنيفات استخداماً. وتتنبأ هذه السمات بالسلوك على المدى الطويل وتُظهر ثباتاً عبر العقود، وإن تغير بعضها تدريجياً بمرور الوقت.

والقيم الشخصية بنى تحفيزية يشكلها السياق والخبرة، وتعكس أهداف الحياة وتوجه الأحكام، كتقديم الأسرة على المسيرة المهنية. وخلافاً للسمات، تتسم القيم بديناميكية أكبر، إذ يمكن أن تتبدل بفعل أحداث الحياة، لكنها تميل إلى العودة إلى خط أساس شخصي.

وتشير سردية الحياة إلى القصة الداخلية المتطورة التي يبنيها الشخص ليضفي على حياته تماسكاً وغاية. وتتضمن ذكريات السيرة الذاتية وتفسيرات الأحداث الرئيسية، مما يسهم في تكوين هوية الذات. وتتغير هذه السرديات بمرور الوقت، وتعكس النمو الشخصي والوعي الذاتي. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، بدأت النقاشات حول الوعي الذاتي والسردية تبرز بوصفها أساسية لبناء وكلاء ذات كفاءة اجتماعية.

ولتقييم الهوية لدى الوكلاء، يأخذ النموذج في الحسبان التفرد، أي التعقيد عبر هذه الأبعاد الثلاثة، والقدرة على التكيف، أي كيفية تطور الهوية مع الخبرة.

ففي المستوى الأول، تُظهر الوكلاء حداً أدنى من التفرد ولا قدرة لها على التكيف، وتكون سماتها بسيطة وثابتة، كالانبساط الأساسي. ويمثل روبوت Anki Vector مثالاً على ذلك، إذ كان ينقل شخصية مرحة من خلال الإيماءات لكنه افتقر إلى التعلم أو تطور الهوية.

وفي المستوى الثاني، تُظهر الوكلاء تعلماً وقدرة أساسية على التكيف، فالكلب الآلي AIBO مثلاً يكيّف سلوكه بناءً على تفاعل المستخدم، مكوّناً شخصية فريدة بمرور الوقت.

ويُدخل المستوى الثالث سمات معقدة كيقظة الضمير وأشكالاً أولية من سردية الحياة، فتُظهر الوكلاء سلوكاً موجهاً نحو الأهداف منسجماً مع قيم شخصية، وإن لم تكن واعية بذاتها بعدُ.

وتُظهر وكلاء المستوى الرابع تفرداً عالياً وقدرة كبيرة على التكيف، فتتعامل مع سمات أدق كالانفتاح أو العصابية، وتحافظ على هوية جوهرية مع تكييف سلوكها بناءً على التغذية الراجعة الاجتماعية، وتبدأ في بناء سردياتها المتطورة الخاصة.

وفي المستوى الخامس، تُظهر الوكلاء قدرة كاملة على التكيف، فتتبنى السمات والسرديات أو تعدلها آنياً وفق أهداف التفاعل أو الغايات الطويلة الأمد. وقد تتقمص شخصيات متعددة، فتحسّن التفاعلات لكنها قد تتحدى المفاهيم التقليدية للذات المستقرة.

وتُظهر التطورات الأخيرة تقدماً نحو مستويات أعلى من الهوية لدى الوكلاء ذات الذكاء الاجتماعي. فقد استخدمت الأنظمة المبكرة مثل SARA أساليب قائمة على القواعد لمحاكاة الشخصية ضمن معايير ثابتة، بما يتوافق مع المستوى الأول من الهوية. وفي الآونة الأخيرة، تستخدم وكلاء مثل Replika التعلم المعزز لتكييف استجاباتها وفق تفاعلات المستخدمين، محققة قدرات من المستوى الثاني. كما تعزز النماذج اللغوية الكبيرة، مثل GPT و BERT، التعبير عن الشخصية من خلال توليد اللغة السياقي.

وظهرت أيضاً جهود للحفاظ على هوية متسقة بمرور الوقت، فوكلاء مثل Maya في الرعاية الصحية تحافظ على شخصية مستقرة عبر الجلسات، مُظهرة إمكانات من المستوى الرابع. غير أن معظم الأنظمة تعتمد على التفاعل اللفظي وتواجه صعوبة في دمج الإشارات متعددة الوسائط كتعابير الوجه والإيماءات. ويبقى تحقيق التوازن بين ثبات الشخصية والقدرة على التكيف تحدياً أيضاً. ومن ثمّ، ومع أن الوكلاء الحديثة ذات الذكاء الاجتماعي تُظهر سمات هوية متزايدة التعقيد، فإنها تعمل بوجه عام في حدود المستوى الثالث، وما يزال يلزمها مزيد من العمل لبلوغ مستويات أعلى من الهوية الواعية بذاتها والمتكيفة.

التواصل الاجتماعي

يُعدّ التواصل الاجتماعي ضرورياً للتفاعل الفعال بين الإنسان والوكيل. وينبغي أن تبدو هذه التفاعلات بديهية وألا تتطلب إلا حداً أدنى من التدريب، محاكية التواصل البشري الطبيعي. واستناداً إلى باك وفان لير، يُعرّف التواصل بأنه سلوك يصدر عن "مرسل" ويؤثر في "مستقبل"، ويشمل الإشارات اللفظية، كاستخدام اللغة والتغذية الراجعة وطرح الأسئلة، والإشارات غير اللفظية، كالنبرة والإيماءات والتواصل البصري والمسافات بين المتحاورين.

وقد اعتُمدت ثلاثة أبعاد مستمدة من نانغل وإيردلي وشوارتز ميتي: استخدام اللغة، ومهارات المحادثة، وتعديل اللغة. فاستخدام اللغة يغطي التبادلات الأساسية كالتحية أو الطلبات. ومهارات المحادثة تنطوي على تبادل الأدوار، وإدارة الموضوعات، ودمج الإشارات اللفظية وغير اللفظية. أما تعديل اللغة فيشير إلى تكييف النبرة ودرجة التعقيد وفق خصائص المتلقي، كالعمر ودرجة الألفة والمقام.

ويعكس التدرج في المستويات تزايد التطور في التواصل. ففي المستوى الأول، تؤدي الوكلاء مهام أساسية كالتحية بردود عامة مكتوبة سلفاً. وتجمع وكلاء المستوى الثاني مدخلات المستخدم وتستجيب لها، فتبسّط اللغة للأطفال مثلاً، لكنها تظل تفاعلية فحسب. وفي المستوى الثالث، تعدّل الوكلاء لغتها وفق تفضيلات المستخدم أو السياق أو حالته العاطفية، وتدير انسياب المحادثة. وتبادر وكلاء المستوى الرابع بالحوار، وتتعامل مع الغموض، وتدمج الإشارات اللفظية وغير اللفظية. وفي المستوى الخامس، تدير الوكلاء باستقلالية تواصلاً دقيقاً ومتكيفاً عبر المستخدمين والسياقات، وتحافظ على تفاعلات معقدة متعددة الأدوار.

ومن المفيد وصف المشهد الحالي. فقد عملت الأنظمة المبكرة مثل Siri و Alexa في المستوى الأول بردود قائمة على القواعد. ثم حسّن صعود نماذج المحوّلات، مثل BERT، الفهمَ، في حين أتاحت الوكلاء القائمة على GPT استجابات أكثر طلاقة ووعياً بالسياق. وتخصص الوكلاء الافتراضية مثل Erica و BlueBot استخدامَ اللغة وتدير الحوار، بما يتوافق مع المستويين الثاني والثالث. وتتيح آليات التعلم المعزز من التغذية الراجعة البشرية لوكلاء مثل Meena تحسين استجاباتها وفق تفضيلات المستخدمين وإشاراتهم العاطفية، بما يدعم سلوكاً من المستوى الثالث. أما الوكلاء المبادِرة، كالشخصيات الرقمية التي طورتها Soul Machines، فتجمع بين اللغة وسلوكيات غير لفظية كالتواصل البصري والتعابير، دافعةً نحو المستوى الرابع. وتستخدم روبوتات مثل Sophia نماذج متعددة الوسائط لتفاعلات أكثر جاذبية.

ومع أن أحدث الوكلاء تقترب من المستوى الرابع، يظل التواصل المستقل المتكيف تكيفاً كاملاً، أي المستوى الخامس، طموحاً. وتسعى النماذج متعددة الوسائط مثل GPT 4 ونموذج Neurons من Meta إلى سد هذه الفجوة بدمج البيانات السياقية والعاطفية والحسية الآنية.

المهارات الوجدانية

تحتل المشاعر موقعاً محورياً في التفاعل الاجتماعي البشري، والوكلاء المزودة بمهارات وجدانية، كالتعرف على المشاعر وتفسيرها وتنظيمها واستخدامها، أقدر على تعزيز الثقة والتعاون والانخراط في التفاعلات بين الإنسان والوكيل. واستناداً إلى نظرية الذكاء العاطفي، تعتمد هذه المهارات على الإشارات اللفظية وغير اللفظية معاً. ومع وجود جدل حول عالمية التعبير العاطفي، ثمة اتفاق عام على أن التعبير عن المشاعر والاستجابة لها يؤديان وظيفة اجتماعية أساسية.

وتبدأ المهارات الوجدانية بالتعرف، أي القدرة على تحديد مشاعر الآخرين من خلال تعابير الوجه ونبرة الصوت ولغة الجسد. وقد مكّن التقدم في الرؤية الحاسوبية ومعالجة الصوت، ولا سيما باستخدام الشبكات العصبية الالتفافية والشبكات العصبية المتكررة، الوكلاءَ من التعرف على المشاعر الأساسية كالسعادة والغضب والحزن بدقة متزايدة. وتطبق أنظمة متعددة الوسائط، مثل Affectiva وروبوت Mabu من شركة Catalia Health، هذه التقنيات في بيئات العالم الحقيقي، مقدمة تغذية راجعة متعاطفة في أثناء التفاعلات الاجتماعية أو الصحية. وبناءً على ذلك، يتيح التفسير للوكلاء فهم السياق المحيط بالمشاعر، فنماذج المحوّلات مثل BERT و GPT باتت قادرة على استنتاج النبرة العاطفية من سجل المحادثة، مما يمكّن تطبيقات مثل Einstein AI من Salesforce من تفسير مشاعر العملاء والاستجابة لها تبعاً لذلك.

وإلى جانب التعرف على المشاعر وتفسيرها، بدأت الوكلاء تُظهر قدرة على التنظيم، أي التأثير في مشاعر المستخدم من خلال التفاعل. فوكلاء الصحة النفسية الافتراضية مثل SimSensei تستجيب للإشارات العاطفية في الصوت وتعابير الوجه، مقدمة دعماً حوارياً يساعد المستخدمين على التأمل أو الهدوء. وعلى نحو مماثل، تنشئ منصات الواقع الافتراضي مثل Psious و Limbix بيئات غامرة لدعم التنظيم العاطفي في حالات القلق والتوتر.

أما المكون الوجداني الأكثر تعقيداً، أي الاستخدام، فينطوي على دمج المعلومات العاطفية في اتخاذ القرار. فأنظمة مثل محرك التوصيات في Netflix أو Watson Assistant من IBM تستخدم تحليل المشاعر الآني لتعديل تقديم المحتوى أو تصعيد الدعم في أثناء التفاعلات السلبية مع العملاء.

وتعمل معظم الوكلاء حالياً في المستوى الثاني أو الثالث من القدرة الوجدانية، فهي تستطيع التعرف على الإشارات العاطفية الأساسية وتفسيرها، ويستطيع بعضها تنظيم مشاعر المستخدم أو تخصيص الاستجابات باستخدام البيانات الوجدانية. غير أن قلة منها تستطيع فهم الحالات العاطفية المعقدة فهماً كاملاً أو التكيف ديناميكياً عبر سياقات متنوعة. وسيتطلب بلوغ المستوى الرابع أو الخامس من الذكاء الوجداني تقدماً في الوعي بالسياق، والذاكرة، والتعلم التكيفي، والاستدلال العاطفي المتكامل عبر الوسائط.

مهارات الإدراك الاجتماعي

يشير الإدراك الاجتماعي إلى قدرة الوكيل على التعرف على الإشارات بين الأشخاص وتفسيرها، كالإيماءات ولغة الجسد وتعابير الوجه والمسافات بين الأشخاص، لفهم نوايا الآخرين والتكيف تبعاً لذلك. وتنطوي هذه المهارات على التعرف على الوكلاء الآخرين، وتفسير معتقداتهم ونواياهم، أي ما يُعرف بنظرية العقل، والاستدلال انطلاقاً من السياق الاجتماعي. وتشكل هذه القدرات مجتمعةً الأساس للسلوك الذكي اجتماعياً.

ومن الجوانب التأسيسية للإدراك الاجتماعي الحساسية للفاعلية، أي إدراك الآخرين بوصفهم كائنات ذات مقاصد. فيتعين على الوكلاء تحديد وجود وكلاء آخرين باستخدام إشارات صريحة كالكلام وإشارات ضمنية كلغة الجسد، فالروبوت الذي يكتشف اقتراب شخص ما ويعدّل اتجاهه يُظهر هذا الوعي الأساسي. وإلى جانب اكتشاف الحضور، يتعين على الوكلاء أيضاً تطوير نظرية العقل التي تمكّنها من تفسير النوايا الكامنة وراء الأفعال والسلوكيات، وهو أمر حاسم في التعامل مع الغموض الاجتماعي، حيث قد تخفي الإشارات الصريحة الحالات العاطفية أو الدافعية الحقيقية. وأخيراً، يتطلب الإدراك الاجتماعي الفعال القدرة على الاستدلال على معتقدات الآخرين أو احتياجاتهم انطلاقاً من السياق، فقد يكتشف روبوت تردداً ما، فيفسره بأنه حيرة، ويقرر عرض المساعدة، رابطاً بين التعرف والتفسير والاستدلال في استجابة متماسكة.

وتتدرج الوكلاء عبر خمسة مستويات من الإدراك الاجتماعي. ففي المستوى الأول، تكتشف المستخدمين من خلال المدخلات المباشرة كالصوت أو النص. وتتعرف وكلاء المستوى الثاني على الإشارات الاجتماعية الأساسية باستخدام مدخلات حسية كالكاميرات أو الميكروفونات، لكن مع فهم سياقي محدود. وتبدأ وكلاء المستوى الثالث في تفسير المقاصد الكامنة وراء الأفعال والتعرف على ديناميكيات الجماعات الاجتماعية. وينطوي المستوى الرابع على بناء نظرية للعقل لاستنتاج معتقدات الآخرين ودوافعهم. وفي المستوى الخامس، تفهم الوكلاء البنى الاجتماعية المعقدة كالأخلاق والعدالة والأعراف الثقافية وتتعامل معها.

وتعمل معظم الأنظمة الحالية في المستوى الثاني أو الثالث. فالمساعدات الافتراضية مثل Alexa و Siri تكتشف مدخلات المستخدم لكنها تفتقر إلى الإدراك السياقي. وتتعرف روبوتات مثل Pepper على القرب واتجاه النظر، في حين تستطيع أنظمة مثل Replika استنتاج المشاعر الأساسية للمستخدم من النص. وتُظهر تطبيقات ناشئة في الرعاية الصحية، مثل Moxi وروبوت الدعم البشري من Toyota، سلوكيات أولية من المستوى الرابع بتكيفها مع احتياجات المستخدمين بناءً على الإشارات البيئية. غير أن هذه الأنظمة ما تزال تفتقر إلى استدلال أعمق بشأن المعتقدات أو النوايا المتغيرة. ويظل التحقيق الكامل للمستوى الخامس، الذي تدرك فيه الوكلاء الأعراف الاجتماعية المجردة وتتصرف وفقها، تحدياً مفتوحاً في أبحاث الذكاء الاصطناعي.

حل المشكلات الاجتماعية

تمكّن مهارات حل المشكلات الاجتماعية الوكيلَ من تقدير المواقف الاجتماعية اليومية وتوليد استجابات متكيفة توازن بين أهدافه واحتياجات الآخرين وتوقعاتهم. وتقوم هذه المهارات على قدرة الوكيل على إدراك الموقف الاجتماعي، وتحديد المشكلات ذات الصلة، والتصرف بطرق فعالة وملائمة اجتماعياً في آن.

وتتألف هذه المهارات من أربعة مكونات رئيسية. أولها تحديد المشكلة وصياغتها، إذ يجمع الوكيل المعلومات من بيئته أو من تفاعلاته السابقة لفهم المسألة المطروحة، فقد يستخلص روبوت محادثة لخدمة العملاء التفاصيل الرئيسية من شكوى ما، بما فيها نبرتها العاطفية، لتحديد هدف الحل. وثانيها توليد الحلول البديلة، الذي ينطوي على تحديد استجابات محتملة متعددة، فقد يقيّم روبوت منزلي استراتيجيات تنظيف مختلفة بحسب تصميم الغرفة وتفضيلات المستخدم. وثالثها اتخاذ القرار، حيث يختار الوكيل الفعل الأنسب من بين الخيارات المتاحة، فقد يوازن مساعد جدولة المواعيد بين أوقات فراغ المشاركين والتزاماتهم السابقة وتفضيلات المستخدم لاقتراح أنسب موعد للاجتماع. ورابعها تنفيذ الحل والتحقق منه، مما يتيح للوكيل رصد النتائج وتعديل سلوكه، فقد يتابع روبوت محادثة علاجي المستخدمَ بعد اقتراح أسلوب للحد من التوتر، ويتكيف بناءً على تغذيته الراجعة.

وتتطور مهارات حل المشكلات الاجتماعية عبر المستويات الخمسة. ففي المستوى الأول، تستجيب الوكلاء للأوامر البسيطة باستخدام أنظمة جامدة قائمة على القواعد، فقد يشغّل روبوت الموسيقى عند الطلب لكنه يتجاهل الحالة المزاجية للمحيط. ويُدخل المستوى الثاني حساسية أساسية للسياق، كتحليل المشاعر، وإن ظلت القرارات تفتقر إلى الدقة. وفي المستوى الثالث، تبدأ الوكلاء في توليد حلول متعددة ومقارنتها بناءً على أهداف المستخدم وتفضيلاته. ويتيح المستوى الرابع سلوكاً استباقياً تتنبأ فيه الوكلاء باحتياجات المستخدمين مستندة إلى التفاعلات السابقة وفهم السياق. وفي المستوى الخامس، تستشرف الوكلاء الديناميكيات الاجتماعية المعقدة، متكيفة آنياً لمنع النزاعات أو تعزيز الانسجام داخل الجماعة.

وتعمل الأنظمة الحالية في الأساس بين المستويين الثاني والثالث. فالمساعدات مثل Siri و Alexa تُظهر وعياً أساسياً بالسياق، في حين تولّد روبوتات الخدمة، كمساعد المطبخ من شركة Moley أو Moxi في الرعاية الصحية، استجابات متكيفة خاصة بالمهام. ويُظهر عدد قليل من هذه الأنظمة، كروبوتات رعاية كبار السن، بوادر استدلال من المستوى الرابع لكنها تظل تفاعلية. وسيتطلب بلوغ المستوى الخامس وعياً سياقياً أعمق، ودمجاً للذاكرة، وقدرة على الاستدلال بشأن الديناميكيات الاجتماعية والأخلاقية، وهو محور تركيز مستمر في أبحاث التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.

التطبيق العملي للنموذج

يوضح هذا القسم التطبيق العملي للنموذج بتصنيف المهارات الاجتماعية لوكيلين معروفين من الوكلاء ذات الذكاء الاجتماعي، هما نموذج لغوي كبير، أي ChatGPT من OpenAI، وروبوت اجتماعي، أي AIBO من Sony. وتهدف هذه الأمثلة إلى تزويد المستخدمين برؤى عملية لتقييم القدرات الاجتماعية لوكلائهم.

ChatGPT من OpenAI

حتى مطلع عام 2025، كان ChatGPT يقف، على ما يبدو، في طليعة تقنيات التفاعل بين الإنسان والوكيل. وهو نموذج لغوي كبير يستخدم معالجة اللغة الطبيعية للتحاور مع المستخدمين نصياً، ويفترض المؤلفون في هذا التمرين التطبيقَ الأساسي لنموذج ChatGPT 4o.

ففي التجسد، يعمل ChatGPT ضمن قيود واجهات الحاسوب أو الهاتف الذكي، ويعتمد في الغالب على التفاعل النصي والصوتي. ولأن هذه الواجهات تحد من إمكاناته في التواصل المتجسد، فإنه يقع في المستوى الأول. وتتجلى ذاكرته الاجتماعية في نظام ذاكرة قائم على الجلسات يتيح له تذكّر المعلومات ذات الصلة بالتفاعلات الجارية، ويُحتفظ ببعض المعلومات للجلسات المقبلة، مما يتيح تفاعلات مخصصة بمرور الوقت، لكنه يفتقر إلى المعرفة ما وراء المعرفية، ويبلغ بذلك المستوى الثالث في مهارات الذاكرة الاجتماعية. أما الهوية، فلدى ChatGPT شخصية ثابتة محددة سلفاً في العادة ومقتصرة على التواصل النصي، مما يعني أنه لا يتجاوز المستوى الأول.

ويُظهر ChatGPT مهارات في التواصل الاجتماعي بفضل قدراته المتقدمة في معالجة اللغة الطبيعية، التي تمكّنه من الانخراط في محادثات سلسة والتواصل حول مفاهيم معقدة. غير أن تجسده المحدود يقيد قدرته على إيصال الإشارات غير اللفظية. فضلاً عن ذلك، فإن عجزه عن التعامل مع التفاعلات الجماعية أو المبادرة بالمحادثات يحصر مهاراته التواصلية في المستوى الثاني. وفي المهارات الوجدانية، يستطيع ChatGPT التعرف على المشاعر الأساسية للمستخدم من خلال المدخلات النصية، مما يتيح له الاستجابة بطرق قد تلامس حالة المستخدم العاطفية، فهو في المستوى الثاني. وتتقيد مهارات الإدراك الاجتماعي لديه بتجسده لتقع في المستوى الأول، فهو خامل افتراضياً، ولا يمتلك إلا حداً أدنى من فهم حضور المستخدم ونيته وأفعاله ما لم يُوجَّه إليه أمر. وأخيراً، يُظهر ChatGPT بعض مهارات حل المشكلات الاجتماعية باستخدام قاعدة معلوماته الواسعة في تحليل المشكلات وتقديم حلول منطقية والمساعدة في عمليات اتخاذ القرار، غير أن تنفيذ الحلول في العالم المادي محدود، لأن إدراكه وتجسده يقيدان قدرته على التصرف المستقل، فهو في المستوى الثاني.

AIBO من Sony

AIBO كلب آلي مدعوم بالذكاء الاصطناعي صممته Sony، ويحاكي باستقلالية سلوكيات حيوان أليف حي، ويستخدم هذا التمرين الإصدار السادس منه. ففي التجسد، زُوّد AIBO بأجهزة استشعار متنوعة، منها كاميرات للتعرف البصري، وأجهزة استشعار لمسية للاستجابة للمداعبة، وجيروسكوبات للحفاظ على التوازن وفهم موضعه. كما يستطيع AIBO التنقل في البيئة وتفادي العوائق. وتمنحه هذه القدرات نطاقاً معقداً من لغة الجسد يخلق وهم الحياة لكلب حقيقي، فهو بذلك في المستوى الثالث. ويستخدم AIBO ذاكرته الاجتماعية لتخزين المعلومات عن بيئته، والتعرف على وجه مالكه، وتذكّر التفاعلات، وتعديل سلوكه بناءً على التجارب. غير أن هذه الذاكرة محدودة وخاصة بالسياق، كتذكّر المستخدمين وعدد مرات تفاعلهم معه وطريقته، فهو بذلك في المستوى الثاني. وقد تتطور هوية AIBO بحسب محيطه وأفعال مالكه، لكن هذه الشخصية قد لا تبقى مستقرة عبر السياقات المختلفة، فهو بذلك في المستوى الثاني.

وبوصفه كلباً آلياً، يقتصر تواصل AIBO اللفظي على النباح، لكنه يستطيع إيصال المعلومات من خلال إشارات غير لفظية بالاستجابة لتفاعلات مالكه. ورغم هذه القدرات، تظل مهاراته في التواصل الاجتماعي إجمالاً في المستوى الأول. وفي المهارات الوجدانية، يمتلك AIBO قدرات على التعرف على الوجوه، ومع أنه يستطيع التعرف على مشاعر بسيطة وإظهارها، فإنه لا يستطيع التعرف على الإشارات السياقية والضمنية، فلا يبلغ إلا المستوى الأول. وتقع مهارات الإدراك الاجتماعي لديه في المستوى الثاني، إذ يستطيع التعرف على المستخدمين بالتعرف على الوجه والصوت، لكنه لا يستطيع تمييز النوايا أو فهم سلوك المستخدم. وقد صُمم AIBO خصيصاً ليؤدي دور حيوان أليف آلي، وليس حل المشكلات الاجتماعية المتقدم من مهاراته الرئيسية، فهو لا يستطيع التعامل إلا مع مواقف اجتماعية محددة سلفاً، ولذلك يُصنف في المستوى الأول.

الاعتبارات الأخلاقية

مع أن جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي تثير قضايا تتعلق بالثقة والخصوصية والشفافية، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات الكفاءة الاجتماعية تثير قضايا اجتماعية وأخلاقية فريدة. ولعل أبرز مخاطرها أن هذه الأنظمة مصممة لتوظيف الإشارات الاجتماعية البشرية وتوليد استجابات اجتماعية، والنتيجة الطبيعية لهذه التصاميم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على ممارسة تأثير اجتماعي، أي التأثير مباشرة في أفكار الآخرين ومعتقداتهم وأفعالهم. فبمجرد نظرة أو إيماءة، تستطيع الروبوتات ووكلاء الذكاء الاصطناعي أن تدفع الناس إلى الاستمرار في علاج شاق، أو إلى تقديم العون لشخص يتعرض للتنمر، أو إلى تنمية ثقة أكبر في زملائهم. لكنها قادرة أيضاً على دفع الناس إلى تأييد إجابات يعلمون أنها خاطئة، أو إظهار تحيز ضد جنس بعينه، بل حتى إثارة العدوانية الاجتماعية.

وليس واضحاً ما إذا كانت هذه التأثيرات الاجتماعية أثراً مؤقتاً للتقنية الجديدة، شأنها شأن غيرها من التأثيرات المرتبطة بالجدة، أم أنها مصدر قلق أكثر ديمومة. فضلاً عن ذلك، لم يُفهم بعدُ حجم هذه التأثيرات، فقد تكون وكلاء الذكاء الاصطناعي الاجتماعية دفعة طفيفة للإعلان، وقد تمثل وسيلة لإحداث تغييرات شاملة في آراء شعوب بأكملها. ويمكن أن يُلمس أثر التأثير الاجتماعي حتى مع أنظمة ذكاء اصطناعي اجتماعية لا تبلغ إلا المستوى الأول من الكفاءة، ولذلك فإن معالجة هذه المخاطر أمر حاسم منذ الآن.

وإلى جانب المخاوف المتعلقة بالتأثير الاجتماعي، قد تصبح جوانب أخرى من السلوك الاجتماعي مصدر قلق عملي حين تولّدها أنظمة ذكاء اصطناعي اجتماعية. فهل ستؤثر العلاقات مع التقنية في العلاقات بين البشر، بل ربما تُضعف العلاقات الاجتماعية الحقيقية أو تحل محلها؟ وهل ثمة مخاطر في تكوين علاقات سطحية مع ذكاء اصطناعي اجتماعي لا يستطيع دعم علاقة عميقة وذات معنى؟ وهل سيؤدي نشر هذه الوكلاء الاجتماعية إلى تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة، فيقتصر النفع الاجتماعي للذكاء الاصطناعي على الفئات المحظوظة، أم أنه سيُظهر استجابة تفضيلية تجاه جماعات بعينها؟ وقد لا تكون كثير من هذه المخاوف ذات صلة بالوكلاء الاجتماعية التي لا تبلغ إلا المستويات الأولى من الكفاءة، غير أن العواقب المحتملة بالغة الأهمية بما يستدعي دراستها مبكراً والنظر فيها بعناية.

دراسة ذات صلة