الفصل السابع: الإبداع
إعداد: Giorgio Franceschelli (جامعة بولونيا)، Mirco Musolesi (كلية لندن الجامعية وجامعة بولونيا).
يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي ثورة في مجالات عدة، منها الفنون والصحافة والتسويق والبحث العلمي. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يستند هذا الفصل إلى إطار نظري لاقتراح مقياس من خمسة مستويات لتقييم الإبداع في أنظمة الذكاء الاصطناعي، هي: الإبداع الشبيه بإبداع نخبة المبدعين من البشر على المستوى العالمي، والإبداع الشبيه بالإبداع البشري المعتاد، والإبداع المتقدم جداً، والإبداع المتقدم، والإبداع الأساسي. واستناداً إلى تعريف للإبداع يشمل المنتج والعملية والبيئة والشخص، يتبع الفصل عرضَ الإطار بتحليل لأنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية وتلك المرتقبة في المستقبل القريب، مبيناً موقعها على المقياس. ويناقش القسم الأخير الأثر المجتمعي المحتمل للذكاء الاصطناعي المبدع، ممهداً الطريق لتقييم أشمل لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
مقدمة
يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي ثورة في مجالات عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر الفنون والصحافة والتسويق والبحث العلمي. ويستخدم عامة الأفراد والمحترفون على السواء أدوات ذكاء اصطناعي مثل ChatGPT و Stable Diffusion، مما يؤثر تأثيراً عميقاً، إيجاباً وسلباً، في إنتاجيتهم وفي تنوع المحتوى. ولا تكتفي أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في هذه المجالات بتكميل القدرات الإبداعية التي كانت حكراً على البشر، بل تحل محلها أحياناً حلولاً تاماً.
ويمكن القول إن الحماسة الأولية لجدة هذه المقاربات وجودتها تعمل الآن بمثابة دفعة قوية، كما حدث بالفعل مع اللوحات المولّدة بالذكاء الاصطناعي. غير أن تبنيها وجودة الاستجابات السياساتية المحتملة يتوقفان أولاً على وصف قدراتها الإبداعية. وفي هذا السياق، يمكن لوجود طريقة منهجية لتقييم إبداع أنظمة الذكاء الاصطناعي ومناقشته أن يسهم إسهاماً جوهرياً في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي والصناعات الإبداعية.
وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يستند هذا الفصل إلى إطار نظري لاقتراح مقياس من خمسة مستويات لتقييم الإبداع في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وبعد عرض الإطار مع سيناريوهات تقييمية محتملة، يحلل الفصل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية وتلك المرتقبة في المستقبل القريب في ضوء المقياس، مبيناً موقعها عليه. ويناقش الفصل أخيراً الأثر المجتمعي المحتمل للذكاء الاصطناعي المبدع، ممهداً الطريق لتقييم أشمل لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويتطلب تقييم إبداع أنظمة الذكاء الاصطناعي أولاً تعريفاً واضحاً للإبداع، غير أن تعريفه صعب من الناحية العملية. فقد اقتُرح ما يزيد على مئة تعريف للإبداع، وما يزال العدد في ازدياد. ومن بينها، يمكن القول إن رودس كان أول من قدم إطاراً فريداً يغطي معظم التعريفات المختلفة، إذ يرى أن الإبداع ينبغي النظر إليه من أربعة منظورات: المنتج، والعملية، والبيئة، والشخص.
وقد جرى النظر إلى الإبداع في أنظمة الذكاء الاصطناعي عادة من منظور المنتج، وقد يكون ذلك معقولاً تماماً، فالمنتج قد يبدو مبدعاً حتى لو لم تكن العملية التي أفضت إليه كذلك، وهو أيسر ما يمكن تقييمه لأنه التجسيد النهائي للفعل الإبداعي بأكمله. غير أنه لا يتطابق تماماً مع ما يُتوقع من الإبداع لدى البشر.
المنتج
حظي منظور المنتج بأكبر قدر من الاهتمام في أبحاث الإبداع الحاسوبي، فهو يتيح التركيز على المخرج النهائي وحده عند تقييم إبداع فاعل ما، متجاهلاً بذلك الجوانب الأخرى للإبداع لدى البشر. ووفقاً للتعريف الشهير الذي وضعته بودن، فإن الإبداع هو القدرة على التوصل إلى أفكار أو مصنوعات قيّمة وجديدة ومدهشة. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتسم المنتج المبدع بثلاث خصائص: القيمة، أي المنفعة والملاءمة والأداء والجاذبية، والقبول الاجتماعي بوجه عام؛ والجدة، أي الاختلاف بين العنصر المنتج والأمثلة الأخرى من فئته؛ والدهشة، أي مخالفة التوقعات.
وبحسب نوع الدهشة، تقترح بودن وجود ثلاثة أنواع من الإبداع: الإبداع التركيبي، أي إنشاء تراكيب غير مألوفة من أفكار مألوفة؛ والإبداع الاستكشافي، أي استكشاف الفضاء المفاهيمي الذي يحدده السياق الثقافي المعني؛ والإبداع التحويلي، أي تغيير ذلك الفضاء بطريقة تجعل أفكاراً جديدة لم يكن تصورها ممكناً من قبل ممكنة. وليس من النادر أن تنتج نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، كالنماذج اللغوية الكبيرة ونماذج الانتشار، بل والنماذج غير التوليدية مثل AlphaZero، مخرجات يميل الملاحظون إلى اعتبارها قيّمة وأصيلة، فيصفونها بأنها مبدعة.
العملية
لا يقتصر الإبداع لدى البشر على المنتج، فالقدرة على فعل شيء مبدع لا تعني بالضرورة القدرة على أن يكون المرء مبدعاً. ويركز منظور العملية على الكيفية التي نصل بها إلى نتيجة بعينها. ووفقاً لأمابيل، ينبغي أن يسترشد المرء بالدافعية ويوظف المهارات ذات الصلة بالإبداع حين يتبع عملية إبداعية، كما ينبغي أن تنطوي العملية على خطوات متعددة. ففي مرحلة التحقق من الاستجابة، مثلاً، يُختبر المخرج المولّد في ضوء معايير تقييم مندرجة ضمن المهارات المجالية التي يمتلكها المرء، ولا يُقدم إلا إذا عُدّ ذا جودة كافية.
البيئة
يشير منظور البيئة إلى العلاقة بين البشر وبيئاتهم. والواقع أنه لا يمكن دراسة الإبداع بعزل الأفراد وأعمالهم عن الوسط الاجتماعي والتاريخي الذي تجري فيه أفعالهم. بل إن ما يُعرّف بأنه مبدع هو نتاج ثلاث قوى تشكيلية رئيسية: الحقل، وهو مجموعة من الأشخاص كالنقاد والمؤرخين أو جماعات الأقران من المبدعين، الذين ينتقون من بين التنويعات التي ينتجها الأفراد ما يستحق الحفظ؛ والمجال، الذي يحفظ التنويعات المنتقاة وينقلها إلى الأجيال اللاحقة؛ والفرد أخيراً، الذي ينتج تنويعات يمكن للحقل أن يعدّها مبدعة. وفي المحصلة، لا يمكن للإبداع أن يوجد إلا بفضل تفاعل هذه المكونات الثلاثة، إذ يؤثر كل منها في الآخرين ويتأثر بهم.
الشخص
يغطي منظور الشخص المعلومات المتعلقة بالشخصية والفكر والمزاج والعادات والاتجاهات، فضلاً عن منظومات القيم وآليات الدفاع. وكما يقول غوت، فإن الإبداع هو القدرة على إنتاج عناصر أصيلة وقيّمة بموهبة لافتة، إذ ينبغي أن يُظهر المرء غاية ملائمة، وقدراً من الفهم، ودرجة من الحكم، وقدرة تقييمية موجهة إلى المهمة المطروحة. ووفقاً للتعريف المعياري المحدّث الذي وضعه رانكو، يتطلب الإبداع الأصالة، أي التصرف وفق رغبات المرء ودوافعه ومُثُله أو معتقداته الشخصية التي تعبر عن حقيقته، والقصدية، أي السعي إلى تلك النتيجة. غير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تفتقر إلى جميع هذه الخصائص تقريباً، لأنها تفتقر إلى الحرية، أي الاستقلال عن المبادئ المتحكمة، وإلى الفاعلية بوصفها القدرة على الأفعال المقصودة.
ويتضافر تحدي تعريف الإبداع مع عوامل أخرى عدة في إعاقة تطوير اختبارات معيارية لقياس الإبداع في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالاستحالة الظاهرة لتعريف قاطع شامل للإبداع من الأسباب الرئيسية وراء غياب اختبارات معيارية راسخة لقياسه في هذه الأنظمة، ومن الأسباب الأخرى ما يمكن وصفه بافتقار الأنظمة القائمة إلى الاستقلالية، والخصوصية الثقافية لكثير من الأحكام، والطبيعة المجالية للإبداع.
وقد اقتُرحت اختبارات نفسية قياسية متنوعة لتقييم القدرات الإبداعية لدى البشر. ففي اختبار تورانس، مثلاً، يُطلب من الشخص توليد أفكار مترابطة كثيرة، كعدد الطرق التي يمكن بها استخدام كرسي. وفي مهمة الترابط التباعدي، يُطلب من الشخص توليد مفاهيم لا رابط بينها إطلاقاً.
غير أن هذه الاختبارات المصممة لقياس الإبداع البشري لا تلائم أنظمة الذكاء الاصطناعي. فهي تعمل على مهام محددة، مفترضة أن الشخص المبدع قادر على نقل هذه القدرات عبر المهام، لأن الإبداع وثيق الصلة بالتفكير التباعدي. ومع أن هذا الافتراض قد يكون معقولاً بالنسبة إلى البشر، وربما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي العام المستقبلي، فإنه لا يلائم أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية، إذ لا تستطيع الأنظمة غير العامة نقل قدراتها من مجالها إلى مجال الاختبارات. فمن غير المعقول، على سبيل المثال، قياس إبداع مولّد صور من خلال مهمة ترابط تباعدي.
ويمكن تقسيم المقاربات التقييمية الرئيسية إلى تقييم كمي خاص بالمجال وتقييم نوعي قائم على البشر.
التقييم الكمي الخاص بالمجال
تقوم هذه الاستراتيجية على تقييم قيمة المخرجات المولّدة بالذكاء الاصطناعي أو فاعليتها بمعايير الأداء، كالدقة، وتقييم جدتها أو أصالتها بمعايير قائمة على التنوع. وتستعين بعض المقاربات الحديثة أيضاً بنماذج تعلم عميق مدربة لأغراض التقييم، منها أداة LAION للتنبؤ بالجماليات، أو النماذج اللغوية الكبيرة باستخدام تقنيات "النموذج اللغوي بوصفه حكماً". ورغم الطبيعة الكمية والموضوعية لهذه الاستراتيجية، فإن لها عيوباً عدة: فهي تحتاج أولاً إلى معايير دقيقة لكل مجال أو مهمة لإجراء التحليل، وقد لا تتوفر دائماً، وقد تفتقر ثانياً إلى بيانات مرجعية تجعل التقييم ذا معنى على نطاق أوسع.
التقييم النوعي القائم على البشر
في هذه الاستراتيجية، يُطلب من البشر تقييم إبداع الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي، وربما من حيث فئات فرعية كالجودة والأصالة. ويمكن أن يقوم بذلك أفراد عاديون، كالمستخدمين المحتملين، أو خبراء في المجال. فمن خلال تقنية التقييم التوافقي مثلاً، ينظر فريق من الخبراء في المجال المعني في سلسلة من المنتجات ويقرر مستوى الإبداع في كل منها، مع الإشارة إلى أن كل خبير يقيّم بحكمه الخاص دون معايير معطاة. ومع أن هذه المقاربة نوعية بحتة ويصعب التحقق منها وتكرارها مرات عدة، فإنها أقرب إلى الطريقة التي تُقيّم بها المصنوعات الإبداعية في العالم الحقيقي.
مقياس الإبداع ذو المستويات الخمسة
يقترح هذا الفصل تقسيم القدرات الإبداعية المحتملة لأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى خمسة مستويات ذات متطلبات مختلفة ومتزايدة. وتمثل هذه المستويات تدرجاً معقولاً يعكس الطريقة التي يُرجح أن يتقدم بها الذكاء الاصطناعي نحو مزيد من الإنتاجية الإبداعية. وتعرض الأقسام التالية كل مستوى، واصفة متطلباته النظرية ومقدمة بعض استراتيجيات التقييم الممكنة. ووفقاً للتقييم، كما سيُناقش أدناه، تُظهر أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قدرات ناشئة يمكن ربطها بالمستوى الثالث.
المستوى الخامس: إبداع الذكاء الاصطناعي الشبيه بإبداع نخبة المبدعين من البشر عالمياً
في المستوى الخامس، يحقق الذكاء الاصطناعي القصدية والأصالة والفاعلية الكاملة، فيبتكر مخرجات تحويلية تضاهي ما ينتجه نخبة المبدعين من البشر على المستوى العالمي. وهو يقرر باستقلالية ماذا ينتج ومتى، مدفوعاً بأهدافه الذاتية، ويمتلك القدرة على النقد وإعادة التصور وتحديد موقعه ضمن سياق ثقافي ما. وتتجاوز مخرجاته التراكيب القائمة، فتُدخل جماليات أو نماذج فكرية جديدة كلياً، يقدّرها البشر أو حتى أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى.
ومن أمثلة المهام في هذا المستوى ابتكار أسلوب فني جديد ذي أثر عالمي، أو تصميم طراز جديد في الأزياء يهيمن على سوق الأزياء الدولية، أو كتابة سيرة ذاتية تحقق أعلى المبيعات عالمياً ويحتفي بها النقاد، أو ابتكار إطار جديد تماماً في الرياضيات البحتة يربط بين التخصصات بطرق غير متوقعة، أو تصميم تقنية مبتكرة تُحدث تحولاً جذرياً في الأسواق القائمة وتضع معايير صناعية جديدة.
المستوى الرابع: إبداع الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإبداع البشري المعتاد
في المستوى الرابع، يدمج الذكاء الاصطناعي الإبداع الموجه نحو العملية، فيكيّف مخرجاته مع المجالات المتطورة. ومن خلال البحث الاستكشافي التكراري والأعمى، ينقح نتائجه لضمان جودتها وملاءمتها للسياق. وبإظهاره مهارات مجالية ومهارات ذات صلة بالإبداع، يحاكي إبداع عموم الناس، موازناً بين الابتكار والملاءمة للسياق.
ومن أمثلة المهام في هذا المستوى كتابة كلمة لمناسبة خاصة كحفل زفاف، وهو ما ينطوي على انتقاء الأحداث الرئيسية في حياة العروسين والربط بينها بأسلوب فكاهي وشخصي وملائم في آن، أو تحرير رسالة لصحيفة تتأمل في مزاج أمة بعد حدث سعيد أو حزين، أو كتابة يوميات تروي أحداث اليوم بعمق وتأمل.
المستوى الثالث: إبداع الذكاء الاصطناعي المتقدم جداً
في المستوى الثالث، يولّد الذكاء الاصطناعي مخرجات قيّمة وجديدة ومدهشة، تحيد حياداً كبيراً عن بيانات التدريب وعن التوقعات. ويعمم مهاراته على مهام جديدة، ويدمج الأفكار عبر المجالات، وينتج حلولاً تتحدى الحدود التقليدية، مستوفياً بذلك استيفاءً تاماً الركائز الثلاث للإبداع: القيمة والجدة والدهشة.
ومن أمثلة المهام في هذا المستوى الفوز بألعاب الفيديو بابتكار استراتيجيات غير متوقعة، أو المشاركة في مناظرة سياسية والدفاع بنجاح عن وجهة نظر ما، أو تأليف عمل فني تركيبي متعدد الوسائط يدمج الفن البصري والموسيقى والعناصر التفاعلية لنقل سردية معقدة.
المستوى الثاني: إبداع الذكاء الاصطناعي المتقدم
في المستوى الثاني، يتجاوز الذكاء الاصطناعي المحاكاة إلى ابتكار حلول قيّمة وجديدة، تختلف عن تلك المستمدة مباشرة من التدريب أو البرمجة. ويستكشف النظام الإمكانات ضمن قيود المهمة، مستوفياً المعايير التأسيسية للإبداع، أي القيمة والجدة، وهو ما يتوافق مع الاختراعات المفيدة وغير البديهية.
ومن أمثلة المهام في هذا المستوى رسم صورة لرئيس دولة معاصر بأسلوب الأساتذة الهولنديين، أو كتابة قصة قصيرة تمزج بين الأنواع الأدبية كالخيال العلمي والرواية التاريخية، أو تطوير ألعاب فيديو جذابة بمراحل يستكشف فيها اللاعبون مدناً مولّدة آلياً تتبع قواعد جمالية وطوبولوجية معطاة، بما يضمن أن تكون كل مرحلة جديدة دائماً.
المستوى الأول: إبداع الذكاء الاصطناعي الأساسي
في المستوى الأول، يحاكي الذكاء الاصطناعي المخرجات أو الأفعال البشرية لحل مهام غير بديهية بفاعلية. ونتائجه قيّمة، أي نموذجية وملائمة، تشبه العمل البشري لكنها تخلو من الخصائص الإبداعية الحقيقية. وتعكس هذه المرحلة التأسيسية المحاكاةَ بوصفها خطوة نحو الإبداع، على غرار الفرق الموسيقية التي تعيد أداء أغاني غيرها أو النسّاخ.
ومن أمثلة المهام في هذا المستوى توليد صيغة مختلفة من وصفة طهي باستبدال أحد المكونات استبدالاً معقولاً بالاستعانة بكتاب طبخ، أو رسم شيء ما مع تعديلات طفيفة على مجموعة من الأمثلة المعطاة، أو تأليف مقطوعة موسيقية بسيطة تتبع أسلوباً محدداً من حيث الوزن والقافية.
تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي المبدعة
لتقديم فهم أكثر عملية للمقياس ذي المستويات الخمسة، يحلل المؤلفان أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ويحددان موقعها على هذا المقياس. ومع أن التحليل يركز أساساً على النماذج التوليدية العميقة، فإنه قابل للتوسيع ليشمل أي نظام ذكاء اصطناعي، ماضياً أو حاضراً أو مستقبلياً، قادر على أداء مهمة يمكن نظرياً اعتبارها إبداعية، كالتصميم أو حل المشكلات.
المستوى الأول: إبداع الذكاء الاصطناعي الأساسي
في المستوى الأول، أي الإبداع الأساسي، يقتصر المتطلب الوحيد على المحاكاة، فجميع الأنظمة القادرة على محاكاة السلوك التوليدي البشري محاكاة صحيحة تندرج في هذا المستوى. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك الأنظمة القائمة على القواعد، حيث يُنتج المخرج وفق مجموعة من القواعد والإجراءات المحددة سلفاً والمرمّزة بأيدٍ بشرية، ولا يستطيع النظام في هذه الحالة تجاوز ما بُرمج عليه.
ومع أن تجاوز البرمجة قد يفضي إلى توليد مخرجات مختلفة عن مجموعة مرجعية محتملة، فإن جميع هذه النتائج كان يمكن استنتاجها بسهولة من النظام نفسه. فبرنامج "الهايكو المحوسب" الذي وضعته مارغريت ماسترمان، على سبيل المثال، يُدرج كلمات مختارة عشوائياً في قالب هايكو محدد سلفاً، ومع أن ذلك قد يفضي إلى تأليف جديد على نحو ما، فإنه بديهي من تعريف النظام نفسه.
وفي سياق مثال الهايكو، ثمة استراتيجية بسيطة للتمييز بين المستوى الأول والمستويات التالية، وهي الاستراتيجية ذاتها المستخدمة في شرط "وجود خطوة ابتكارية" في منح براءات الاختراع الأوروبية. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يتطلب المستوى الأعلى أكثر من مجرد الجمع بين خصائص معروفة يفضي إلى نتيجة متوقعة، فيجب ألا تكون النتيجة أمراً محسوماً سلفاً لدى من يمتلك المهارة في ذلك المجال التقني.
وعلى نحو مماثل، تندرج في المستوى الأول جميع الأنظمة التي تكتفي بإعادة إنتاج بيانات التدريب دون السعي إلى التعميم نحو نتائج جديدة محتملة. ومن ذلك المرمّزات الذاتية المعيارية، التي تربط متجهاً كامناً بكل مدخل تدريبي دون استحداث فضاء توزيعي محدد، خلافاً للمرمّزات الذاتية التباينية، فهي لا تنتج مخرجات ذات معنى إلا من نقاط كامنة قريبة جداً من نقاط البيانات الحقيقية.
المستوى الثاني: إبداع الذكاء الاصطناعي المتقدم
يتطلب المستوى الثاني، أي الإبداع المتقدم، الاستكشافَ أيضاً، إذ ينبغي أن يكون نظام الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج نتائج جديدة تختلف عن بيانات التدريب أو عن مجموعة مرجعية محتملة. ويمكن أن تكون الشبكة التوليدية التنافسية مثالاً على ذلك، فقد أنتجت اللوحة الشهيرة "بورتريه إدموند دي بيلامي" التي بيعت بما يقارب نصف مليون دولار. وكان المخرج قيّماً وجديداً بما يكفي مقارنة بمجموعة التدريب ليُعدّ جديراً بالبيع في مزاد. غير أن الشبكة كانت مدربة على إنتاج بورتريهات بذلك الأسلوب، ومن ثمّ لم تكن النتيجة مدهشة وإن لم تكن بديهية في حد ذاتها، إذ كان متوقعاً من النموذج أن يولّد شيئاً قريباً من ذلك المخرج النهائي، حتى لو كان التنبؤ به مستحيلاً.
وتندرج في هذا المستوى أيضاً نماذج توليدية أخرى كثيرة قائمة على التعلم العميق، تستطيع إنتاج مخرجات تتجاوز بيانات التدريب مع بقائها ضمن توقعات من يعرف مجموعة التدريب وإجراءاته.
وأخيراً، قد تندرج في هذا المستوى أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى كالخوارزميات التطورية، ولا سيما حين تسترشد بالجدة. وتولّد هذه المقاربات المخرجات عبر الطفرة أو الجمع بين الحلول المرشحة الحالية، مستكشفة فضاء الحلول حتى تبلغ الحل الأمثل. غير أنها تظل مقيدة بتعريف المبرمج لدالة الصلاحية، أي تحديد المرشحين الجيدين بما يكفي للإبقاء عليهم، ولإجراءات الطفرة والدمج.
المستوى الثالث: إبداع الذكاء الاصطناعي المتقدم جداً
يتطلب المستوى الثالث، أي الإبداع المتقدم جداً، الحياد عن التوقعات البشرية أيضاً، إذ ينبغي أن يكون نظام الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج مخرجات غير بديهية ولا يمكن التنبؤ بها. وبمعنى ما، يتطلب ذلك أن تمتلك الأنظمة هدفاً تعلمياً ثالثاً، فإلى جانب الدقة والتعميم، تحتاج إلى إمكانية عدم الالتزام بقيود المجال.
ويمكن أن يتحقق تجاوز قيود المجال بطرق شتى. فقد يُستحث بدالة خسارة إضافية تدفع عملية التوليد بعيداً عن بيانات التدريب، كما في الشبكة التنافسية الإبداعية، أو بتعظيم عنصر المفاجأة في الخوارزميات التطورية. ومن الحلول الممكنة الأخرى التلاقح بين المجالات.
فكما يمكن لتعدد التخصصات أن يعزز الإبداع البشري، يمكن لنموذج توليدي مدرب على توزيع بيانات أوسع بكثير من توزيع مجال بعينه أن يتعلم إنتاج مخرجات غير متوقعة بالنظر إلى بيانات ذلك المجال. وقد يحدث ذلك لأن النموذج مدرب على بيانات أشمل، كما في النماذج اللغوية الكبيرة، أو لأنه يدمج وسائط متعددة، كما في أحدث النماذج متعددة الوسائط. ولهذا السبب، أظهر أحدث ما بلغه الذكاء الاصطناعي قدرات ناشئة في هذا المستوى.
وقد تنبع القدرة على توليد مخرجات دون مراعاة قيود المجال من نظام تدريب لا يعتمد على بيانات التدريب أصلاً. ومن الأمثلة البارزة على ذلك AlphaGo، ولا سيما نسخته AlphaZero، فبمجرد اللعب ضد نفسه، ودون أي إشراف خارجي أو تحيزات مستمدة من البيانات البشرية، تعلم النظام استراتيجيات لعب تختلف اختلافاً كبيراً عن تلك التي يستخدمها البشر.
المستوى الرابع: إبداع الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإبداع البشري المعتاد
في المستوى الرابع، أي الإبداع الشبيه بالإبداع البشري المعتاد، ينبغي أن يكون النظام قادراً على تقييم مخرجاته وتصحيحها أو إعادة توليدها حتى تُعدّ ذات جودة كافية. فضلاً عن ذلك، ينبغي أن يكون قادراً على التكيف مع الظروف البيئية الجديدة في أثناء الاستدلال، كالتوجهات السائدة أو المستجدات الأسلوبية. وعلى حد علم المؤلفين، لا تراعي أي من حلول الذكاء الاصطناعي الحالية هذه الجوانب، رغم الدور البارز لها في الإبداع. غير أن تحسينات قد تظهر في السنوات القليلة المقبلة بفضل الأبحاث في التعلم المستمر والتركيز المتزايد على وكلاء الذكاء الاصطناعي القائمة على النماذج التأسيسية.
المستوى الخامس: إبداع الذكاء الاصطناعي الشبيه بإبداع نخبة المبدعين من البشر عالمياً
في المستوى الخامس، ينبغي أن يحيد النظام عن التوقعات عن قصد، وأن يدمج الجوانب الشخصية في إنتاجاته الإبداعية، وأن يحدث تحولاً ذا معنى في المجال المعني، كما يفعل عادة نخبة المبدعين من البشر عالمياً. والأنظمة الحالية تفتقر إلى الأصالة والقصدية الظاهرتين في الإبداع البشري. ويرى المؤلفان فضلاً عن ذلك أن بلوغ هذا المستوى من الإبداع سيتطلب قدرات في الذكاء الاصطناعي تتجاوز المتناول في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور.
وإجمالاً، يرى المؤلفان أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية لا يستطيع استيفاء متطلبات المستويين الرابع والخامس.
الخاتمة
يقترح هذا الفصل مقياساً من خمسة مستويات لتقييم إبداع أنظمة الذكاء الاصطناعي. واستناداً إلى بعض أهم نظريات الإبداع البشري، يهدف المقياس إلى التمييز بين الأنظمة بحسب القدرات التي تُظهرها من خلال مخرجاتها المولّدة أو أفعالها المنفذة.
وتتناول المستويات الثلاثة الأولى خصائص مختلفة يحققها المخرج المولّد بالذكاء الاصطناعي: القيمة، حيث لا يستطيع النظام إلا محاكاة السلوك البشري؛ ثم القيمة والجدة، حيث يستطيع النظام بلوغ حلول غير بديهية؛ ثم القيمة والجدة والدهشة، حيث تحيد النتائج عن تلك المتوقعة. ويوسع المستوى الرابع النطاق ليشمل منظورات أخرى كالعملية، إذ يتعين على النظام أن يقيّم منتجه ذاتياً ولا يقدمه إلا إذا كان ذا جودة كافية، والبيئة، إذ يتعين على النظام أن يتكيف مع التغيرات البيئية.
وأخيراً، يقترب المستوى الخامس من الإبداع الشبيه بالإبداع البشري، حيث يُشترط في النظام أيضاً أن يمتلك الفاعلية والقصدية.
وبوجه عام، يثير بلوغ الذكاء الاصطناعي أعلى مستويات القدرات الشبيهة بالقدرات البشرية آثاراً أخلاقية واجتماعية مهمة. فبصرف النظر عن المستوى المحقق، تبين أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يقلل تنوع المحتوى ويميل إلى التقارب نحو أنماط بعينها. ومع ذلك، تستطيع هذه الأنظمة مساعدة المستخدمين غير الخبراء على تعزيز إبداعهم، فتحقق نتائج أكثر فاعلية وأسرع، لكنها قد تُستخدم أيضاً للتلاعب بآراء البشر. بل إن أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر استقلالية في الفعل، كتلك الواقعة في أعلى المستويات، قد تخدع البشر لتحقيق أغراضها الخاصة.
ومع أن المستويات الأربعة الأولى ما تزال تتطلب حضوراً بشرياً كبيراً، فإن بلوغ المستوى الخامس قد يهمّش البشر. فأنظمة الذكاء الاصطناعي ذات الفاعلية والقصدية الكاملتين قد تنتج مخرجات تحيد حياداً كبيراً عن السيطرة البشرية المباشرة، وهو ما قد يفضي إلى إحلالها محل البشر في بعض الوظائف والأنشطة الإبداعية.
يضاف إلى ذلك أن تطوير هذه التقنيات يقتصر على عدد قليل من المختبرات البحثية التي تمتلك الموارد الحاسوبية والاقتصادية اللازمة، مما يركّز السيطرة على هذه التطورات. فضلاً عن أن هذه الأنظمة ستمتلك ملكية تأليفية حقيقية لمخرجاتها، بما يترتب على ذلك من تداعيات كبيرة على قضايا حقوق المؤلف.
وللمقياس بعض الحدود الملازمة له. فأولاً، يصعب تحديد اختبارات معيارية لتقييم الإبداع، إذ يتوقف التقييم على المهمة المطروحة والمجال المعني، سواء من حيث الجمهور أو السياق التاريخي. وحتى وقت كتابة هذا الفصل، كانت الاختبارات المعيارية القليلة القائمة في مرحلة مبكرة من التطوير. فاختبار تورانس للكتابة الإبداعية يقيّم السرد القصصي من خلال سلسلة من الاختبارات الثنائية للطلاقة والمرونة والأصالة، إلى جانب تقييم خبراء المجال. ويقيّم اختبار CS4 كتابة القصص بإضافة قيود على نحو تكراري وتقييم التماسك واتباع التعليمات والتنوع. وعلى نحو مماثل، يقيّم لو وزملاؤه القدرات التقاربية والتباعدية في البرمجة بتقييد عملية التوليد لتجنب العناصر المستخدمة سابقاً. وأخيراً، يقيّم اختبار LiveIdeaBench أصالة الأفكار العلمية المولّدة انطلاقاً من كلمة مفتاحية واحدة وجدواها وطلاقتها ومرونتها.
وتركز جميع هذه الاختبارات المعيارية أساساً على فاعلية الحلول المولّدة وجدتها، مما يجعلها قابلة للتطبيق على المستويين الأولين فقط وضمن مجالات محددة. ولهذا السبب، تفتقر المستويات إلى معايير تقييم ملائمة، وهو ما قد يعيق التقييم العادل والمتسق عبر المجالات المختلفة.
فضلاً عن ذلك، فإن المقياس المقترح "متمحور حول الإنسان" عن قصد، إذ يتناول المتطلبات الإبداعية ذاتها المفترضة لدى البشر مع تقسيمها إلى مستويات مختلفة بحسب الجدوى التقنية. غير أن إبداع الآلة قد ينشأ بطريقة مختلفة تماماً عن الإبداع البشري، وإن كانت نتائجه وآثاره قابلة للمقارنة.
ورغم حدود المقياس، يرى المؤلفان أن الوقت قد حان للتمييز بين أنظمة الذكاء الاصطناعي على أساس الإبداع، ولا سيما بالنظر إلى الأثر المحتمل والتغيرات التي قد تُحدثها أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستويات العليا في المجتمع. ويمكن للمقاربة المتمحورة حول الإنسان أن تساعد الناس على فهم القدرات الحالية فهماً أفضل، وأن تعزز البحث نحو نماذج إبداعية أكثر انسجاماً مع سياقنا الثقافي.
وبوجه عام، يأمل المؤلفان أن يساعد هذا العمل الباحثين والممارسين في تصميم أساليب وأدوات كمية لتقييم القدرات الإبداعية لتقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة مستقبلاً وتطويرها وتطبيقها. ومن خلال تقديم مقاربة منظمة لتقييم إبداع الذكاء الاصطناعي، يهدف الفصل إلى دعم تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على الإسهام إيجاباً في خدمة البشرية، بما يشمل تعزيز الابتكار، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة، وتعزيز الإبداع البشري، وضمان تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي مع فهم واضح لقدراتها وآثارها المحتملة.
