القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: التقرير الفني (14/6)

مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: التقرير الفني (14/6)
ملخص الدراسة

يتناول هذا الفصل مفهوم حل المشكلات كمزج للمعلومات النوعية والكمية والمنطقية عبر استدلال متعدد الخطوات، ويسلط الضوء على صعوبة المقارنة بين قدرات البشر والذكاء الاصطناعي في هذا المجال، نظراً لدور المعرفة الضمنية وتفسير السياقات اليومية غير المنظمة في الخبرة البشرية. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقترح الفصل مقياساً من خمسة مستويات لتتبع تقدم الذكاء الاصطناعي في حل المشكلات، مستنداً إلى أربعة أبعاد رئيسية هي: خاصية الحل، والبدائل المدروسة، وتعقيد المعرفة المهنية، وتعقيد صياغة النموذج وتفسيره. وتتدرج هذه المستويات من القدرات الراسخة للذكاء الاصطناعي في المجالات الرسمية المحددة جيداً، إلى القدرات المتقدمة وأحدث ما بلغه، وما يُرجح أن يبلغه قريباً، وصولاً إلى ما ليس ممكناً له بعدُ، خاصة في التعامل مع المشكلات ذات السياقات المفتوحة والمعرفة الضمنية والمهارات الاجتماعية والأخلاقية، حيث لا يزال الذكاء الاصطناعي يواجه تحديات كبيرة.

الفصل السادس: حل المشكلات

إعداد: Kenneth D. Forbus (جامعة نورث وسترن)، Patrick C. Kyllonen (هيئة الاختبارات التربوية).

ينطوي حل المشكلات على دمج المعلومات النوعية والكمية والمنطقية من خلال استدلال متعدد الخطوات، يشمل التحليل والتنبؤ والتفسير والتفكير في البدائل المخالفة للواقع. وتصعب المقارنة بين حل المشكلات لدى الذكاء الاصطناعي ولدى البشر، لأن المعرفة الضمنية وتفسير السياقات اليومية غير المنظمة يؤديان دوراً حاسماً في الخبرة البشرية. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يستكشف هذا الفصل حل المشكلات بوصفه مؤشراً لتتبع تقدم الذكاء الاصطناعي. وإلى جانب أربعة أبعاد لتتبع هذا التقدم، يقترح الفصل مقياساً من خمسة مستويات يقيس: القدرة الراسخة للذكاء الاصطناعي، والقدرة المتقدمة، وأحدث ما بلغه الذكاء الاصطناعي، وما يُرجح أن يبلغه قريباً، وما ليس ممكناً له بعدُ. وتُعرض أنظمة الذكاء الاصطناعي والمقاييس والتقييمات البشرية المناظرة في كل مستوى إلى جانب واصفات المستوى متى توفرت. وتلي الاعتباراتِ الخاصة بمجال حل المشكلات لمحةٌ موجزة عن المقياس بأكمله.

مقدمة

ينطوي حل المشكلات على دمج المعلومات النوعية والكمية والمنطقية من خلال استدلال متعدد الخطوات، يشمل التحليل والتنبؤ والتفسير والتفكير في البدائل المخالفة للواقع. وتصعب المقارنة بين حل المشكلات لدى الذكاء الاصطناعي ولدى البشر، لأن المعرفة الضمنية وتفسير السياقات اليومية غير المنظمة يؤديان دوراً حاسماً في الخبرة البشرية، غير أن هذه التحديات كثيراً ما تُغفل في اختبارات حل المشكلات الموجهة للبشر وللذكاء الاصطناعي على السواء. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقترح هذا الفصل أربعة أبعاد لوصف حل المشكلات: خاصية الحل، والبدائل المدروسة، وتعقيد المعرفة المهنية، وتعقيد صياغة النموذج وتفسيره. واستناداً إلى هذه الأبعاد، يعرض الفصل مقياساً من خمسة مستويات لقياس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على حل المشكلات.

وكثيراً ما تنطوي الوظائف على حل أنواع عديدة من المشكلات. فبعض المشكلات يتعلق بتحديد المتطلبات التي يقتضيها موقف ما، كتحديد وزن محرك في صاروخ، أو عدد الضيوف الذين ينبغي استيعابهم في حفل استقبال. وبعضها الآخر ينطوي على تحديد عواقب افتراضات معينة، كحساب ما إذا كانت المادة المختارة لمكوّن في تصميم ما قادرة على تحمل الحمل المقصود، أو حساب تكلفة الضيافة في حفل استقبال بناءً على خيارات الطعام والشراب. ويمتد نطاق المشكلات التي تنشأ في الوظائف من الاستدلال اليومي إلى التحليلات المهنية.

وينطوي حل المشكلات على استخدام تمثيلات للمعلومات النوعية والكمية والمنطقية، والجمع بين هذه المعلومات عبر استدلال متعدد الخطوات لتوليد الإجابات. ومن فئات مهام الاستدلال: الاستدلال التحليلي لتحديد النتائج المحتملة لموقف ما واحتمالاتها، والاستدلال الاستنباطي التفسيري لتفسير الكيفية التي ربما نشأت بها المواقف، والنظر في البدائل المخالفة للواقع لتقرير كيفية تحسين موقف ما أو إصلاحه. وقد طُورت في الذكاء الاصطناعي أساليب استدلال متنوعة، منها البحث، والاستدلال بالقياس أو بالحالات، والاستدلال القائم على النماذج، وأشكال مختلفة من المحاكاة الذهنية. وعلى الرغم من التقدم الكبير، تظل القدرة على الاستدلال بالمرونة التي يتمتع بها البشر، وعبر طيف أنواع المعرفة الذي يتعاملون معه، أبعد مما بلغه أحدث ما في هذا المجال.

ومع أن كثيراً من النماذج اللغوية الكبيرة يُسوّق بوصفه يمتلك قدرات استدلالية، فإن أدلة وافرة تشير إلى أنها تعمل بشكل من أشكال الحفظ المشوش لا بالاستدلال. فحين تُعرض عليها مشكلات مأخوذة من بيانات تدريبها أو قريبة منها، تستطيع توليد نصوص تقابل أنواع التفسيرات الشائعة في مواد تدريبها، لكن حين تُعرض عليها أمثلة جديدة، أو حتى تنويعات طفيفة، يتراجع أداؤها أو يخفق تماماً.

وقد ثبتت حدود النماذج اللغوية الكبيرة في مجالات منها التخطيط ونظرية العقل والقياس. وهذه الهشاشة تجعل استخدامها في مهام العمل محفوفاً بالمخاطر، ما لم يتمكن شركاء من البشر من الإشراف المستمر لاكتشاف أي مشكلات وتصحيحها. ومن المرجح أن تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر أتمتة إلى أنظمة ذاكرة أقرب إلى تلك الموجودة في البنى المعرفية، كالقدرة على تمثيل حالات متعددة ومقارنتها، والقدرة على مراكمة الخبرة في أثناء العمل.

ويوضح تقييم القدرات الاستدلالية للنماذج اللغوية الكبيرة صعوبة تصميم اختبارات معيارية جيدة. فقد أثبت ميرزاده وزملاؤه أن مجرد إضافة مشتتات صغيرة قد يُضعف الأداء إضعافاً كبيراً في مشكلات كانت الأنظمة تؤديها جيداً في صيغتها الأصلية الواردة في مجموعة التدريب. فهل تتشبع الاختبارات المعيارية بسرعة أكبر بسبب التقدم في بناء النماذج أم بسبب تزايد تلوث البيانات؟ وقد بيّن فالميكام وستيكلي وكامبهامباتي أن مشكلات التخطيط المولّدة حديثاً تتسق مع نتائج ميرزاده وزملائه، إذ لا يوجد أي فرق لدى أدوات التخطيط الرمزية بين الأداء في مشكلات الاختبارات المعيارية المعروفة والجديدة.

وتبين نتائج هاتين الدراستين لماذا ينبغي تقييم الادعاءات القائمة على الأداء في الاختبارات المعيارية بعناية. وهذه القضايا سابقة بطبيعة الحال لظهور النماذج اللغوية الكبيرة، فقد أثبت كاوشيك وليبتون أن جودة إجابات النماذج في كثير من الاختبارات المعيارية الشائعة لفهم المقروء تبقى ذاتها سواء قرأت النماذج الفقرة أم لم تقرأها. والاختبارات المعيارية المذكورة هنا، مع شيوع كثير منها، لم تخضع جميعها لمستوى التمحيص اللازم للثقة الكاملة بها مؤشراً.

ومن المفيد النظر في الخطوط العريضة لما يجري في حل المشكلات. فأولاً، تصل المعلومات المقدمة لمن يحل المشكلات من البشر عادة عبر وسائط طبيعية كاللغة والرسم التخطيطي والرؤية. وفي جميع المشكلات، ما عدا أبسطها، ينبغي إعادة صياغة هذه المدخلات بمصطلحات مفيدة للاستدلال، وهي عملية تُعرف بصياغة النموذج. وبعد الاستدلال باستخدام النموذج، تُترجم النتائج مرة أخرى إلى مصطلحات يومية من خلال تفسير النموذج، بما يتيح فهم دلالاتها في ضوء المهمة الأوسع. فإذا أفضى ضبط مظلة لتنفتح على ارتفاع ثلاثين متراً إلى بلوغ سرعة صفرية على عمق عدة أمتار تحت سطح الأرض، فهذا يعني أن المظلة تنفتح متأخرة جداً عن أداء وظيفتها المقصودة في ضمان هبوط آمن. ويمكن النظر إلى جانبي صياغة النموذج وتفسيره في حل المشكلات بوصفهما مشكلتين فرعيتين يمكن معالجتهما بطرق متعددة أيضاً.

وقد أفضت عقود من أبحاث الذكاء الاصطناعي إلى خوارزميات استدلال كثيرة تفوق القدرة البشرية في المهام المحددة تحديداً جيداً، سواء من حيث حجم المشكلات التي تستطيع التعامل معها أو سرعتها في توليد الحلول، كتخطيط الخدمات اللوجستية والتحقق من النماذج لأغراض التحقق من الأنظمة. وقد أحدث هذا التقدم آثاراً ثورية عبر التطبيقات، لكن لا بد في جميع الحالات من عملية ترجمة إلى التمثيلات الداخلية التي تستخدمها عملية الاستدلال ومنها.

وكثيراً ما تعتمد صياغة النماذج وتفسيرها على تمثيلات نوعية تربط بين المعرفة اليومية والمعرفة المهنية. والتمثيلات النوعية تمثيلات رمزية للخصائص المتصلة كالكمية والزمن والمكان، تقسّم هذه الخصائص المتصلة إلى كيانات متجانسة من جانب مهم ما. فالمسار الصاعد لصاروخ يطلق قمراً صناعياً، على سبيل المثال، يمكن النظر إليه بوصفه فترة في سلوك ذلك الصاروخ، وإذا كان الصاروخ متعدد المراحل، فإن انفصال كل مرحلة وتولي المرحلة التالية يصبح حداً فاصلاً في ذلك السلوك بين حالتين نوعيتين متمايزتين. وثمة أدلة على أن التمثيلات النوعية تؤدي دوراً في دلالة اللغة الطبيعية وفي المعالجة البصرية البشرية للأشكال والحركة.

أربعة أبعاد لحل المشكلات

خاصية الحل

يقيّم بعد خاصية الحل قدرة الذكاء الاصطناعي على حل المشكلات عبر ثلاث درجات تصاعدية من التعقيد: الأولى تحديد عنصر ناقص ضمن حالة نوعية واحدة، والثانية التنبؤ بنتائج التغيرات داخل تلك الحالة، والثالثة الاستدلال عبر حالات نوعية متعددة.

ففي مستوى الصعوبة المنخفض، يحل الذكاء الاصطناعي مسائل العناصر الناقصة في حالة نوعية ثابتة، كتحديد ضغط غاز مثالي بمعلومية درجة حرارته وحجم وعائه، أو حساب عدد أدوات المائدة اللازمة بناءً على الكراسي المتوفرة حول الطاولات. وتحظى هذه المهام بدعم جيد من أدوات مثل جداول البيانات، التي تُعدّ مثالية لحل المتغيرات المعلومة ضمن أنظمة ثابتة.

وينطوي مستوى الصعوبة المتوسط على التنبؤ بنتائج التغيرات داخل حالة واحدة، كحساب الشغل الذي تؤديه توربينة بمعلومية درجات الحرارة والضغوط عند المدخل والمخرج، أو تقدير عدد الأطباق المستخدمة في مأدبة مع تغير عدد الضيوف. ومع أن جداول البيانات والأدوات القائمة على المعادلات تتعامل مع هذه الحالات، فإنها تتطلب من البشر نمذجة الاعتماديات والقيود صراحة.

أما مستوى الصعوبة المرتفع فيتطلب الاستدلال عبر حالات نوعية متعددة، كتحديد متطلبات الوقود لصاروخ متعدد المراحل تعمل كل مرحلة منه في ظروف مختلفة، أو تحديد الاحتياجات من الموظفين لإعداد مأدبة وتقديمها وتنظيف المكان بعدها. وكثيراً ما تتطلب هذه المشكلات أنظمة متخصصة، كخوارزميات التخطيط والجدولة، أو أنظمة الاستدلال في التصميم، أو أدوات تحليل أنماط الإخفاق وآثاره، لأن الحلول العامة الغرض تتعثر أمام التحولات الديناميكية بين الحالات والتفاعلات الناشئة.

وتعالج أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية مشكلات الدرجتين المنخفضة والمتوسطة معالجة متينة، لكنها تواجه قيوداً في الاستدلال متعدد الحالات عالي التعقيد في غياب أطر خاصة بالمجال.

البدائل المدروسة

يقيّم بعد البدائل المدروسة قدرة الذكاء الاصطناعي على تقييم السيناريوهات المحتملة ومقارنتها وتوليدها، متدرجاً عبر ثلاث درجات: تحليل الحالة الراهنة، ثم مقارنة البدائل أو ترتيبها، ثم تصور حالات أو تحولات جديدة. ويتفاوت توفر الأدوات وتعقيدها تفاوتاً كبيراً عبر هذه الدرجات.

ففي مستوى الصعوبة المنخفض، يقيّم الذكاء الاصطناعي موقفاً راهناً واحداً دون استكشاف البدائل، كأن يستخدم حسابات "ماذا لو" في جداول البيانات لإسقاط النتائج المالية في ظل افتراضات ثابتة، أو يقيّم الكفاءة الآنية لعملية تصنيع دون النظر في أي تغييرات. وتعتمد هذه المهام على نماذج ثابتة، وتدعمها الأدوات التحليلية الأساسية على نطاق واسع.

وينطوي مستوى الصعوبة المتوسط على التحليل المقارن، كمقارنة مادتين لفوهة صاروخ لتحديد أيهما تحقق وزناً أقل ودرجات حرارة عادم أعلى، أو على الترتيب، كترتيب خيارات أطباق المأدبة بحسب التكلفة أو الملاءمة الغذائية أو وقت التحضير. وتتطلب هذه المهام تقييماً ديناميكياً للموازنات، لكنها تظل محصورة في بدائل محددة سلفاً. وتتعامل أدوات مثل المحاكاة البارامترية وأدوات التحسين القائمة على القيود مع هذه الحالات، وإن كانت تعتمد على معايير مدخلات صريحة.

أما مستوى الصعوبة المرتفع فيستلزم التصور أو التخطيط أو كليهما، حيث يولّد الذكاء الاصطناعي سيناريوهات جديدة أو تحولات بين الحالات، كتركيب مسارات طيران لطائرات مسيّرة تتكيف مع تقلبات الطقس الآنية، أو تصميم مخطط مصنع يتطور مع متطلبات الإنتاج. وتتطلب هذه المشكلات استدلالاً نوعياً مجرداً لاستكشاف الديناميكيات الناشئة، ولا تدعمها إلا أنظمة متخصصة، مثل AutoSTEVE لتركيب التصاميم آلياً، وأداة التخطيط لمحركات الطباعة التي طورها مركز PARC للطباعة عالية الأداء، أو أطر التحقق من النماذج للتحقق من البرمجيات. وتتطلب برمجيات الخدمات اللوجستية للاستدلال في سلاسل الإمداد وإدارة العمليات بالمثل القدرةَ على التعامل مع قيود زمانية مكانية وقيود كمية معقدة. وتتعامل أنظمة التخطيط الحديثة مع مجالات متعددة يمكن التعبير عن قيودها بالصيغ الرسمية التي تدعمها.

وتعالج أدوات كثيرة مهام الدرجتين المنخفضة والمتوسطة معالجة متينة، ويستطيع بعضها أداء التصور والتخطيط، وإن كان ذلك في مجالات يمكن صياغتها صياغة رسمية دقيقة.

تعقيد المعرفة المهنية

يتناول بعد تعقيد المعرفة المهنية قدرة الذكاء الاصطناعي على الاستفادة من درجات متفاوتة من الخبرة المصاغة صياغة رسمية، في المجالات التي تتوفر فيها مثل هذه الخبرة. ويغطي هذا التدرج: الاستدلال النوعي، ثم النماذج الرياضية التحليلية، ثم الأنظمة القائمة على المحاكاة. ويتباين تطور الأدوات وقدرات الأتمتة تبايناً حاداً عبر هذه الدرجات، بما يعكس التفاعل بين المعرفة البشرية الضمنية والصياغة الحاسوبية الرسمية.

ففي مستوى الصعوبة المنخفض، يعمل الذكاء الاصطناعي بنماذج نوعية بحتة، كالاستدلال بأن "الماء المسخّن فوق درجة غليانه سيتبخر"، أو التعامل مع الديناميكيات الاجتماعية من خلال علاقات سببية مجردة. وتعتمد هذه المهام في العادة على الفهم البشري الضمني للعالم، إذ إن قلة من الأدوات تؤتمت الاستدلال النوعي. وكثيراً ما تفتقر مجالات كالسلوك الاجتماعي إلى نماذج رسمية تماماً، مفترضة أن المستخدمين يمتلكون حدساً فطرياً أو مكتسباً بالتدريب.

وينطوي مستوى الصعوبة المتوسط على نماذج رياضية تحليلية قابلة للحل بالجبر أو حساب التفاضل والتكامل، كحساب انحراف عارضة تحت الحمل باستخدام معادلات أويلر وبرنولي، أو تحسين مستويات المخزون بالبرمجة الخطية. وتبرع أدوات مثل MATLAB و Mathematica في هذا المستوى، إذ تدمج معادلات وخوارزميات محددة سلفاً لتيسير حل المشكلات. غير أن هذه النماذج خاصة بمجالات معينة، ولا تتوفر للظواهر التي تستعصي على الحلول المغلقة.

أما مستوى الصعوبة المرتفع فيتطلب نماذج قائمة على المحاكاة، يُلجأ إليها حين تخفق الأساليب التحليلية، كالتنبؤ بمسارات الأعاصير باستخدام محاكاة ديناميكيات الموائع، أو نمذجة طي البروتين عبر الديناميكيات الجزيئية. وتعتمد هذه الأنظمة على أساليب عددية أو تقريبات نوعية، كبرمجيات ديناميكيات الأنظمة، وكثيراً ما تتطلب موارد حاسوبية كبيرة وتكييفاً خاصاً بالمجال. ومع أن أدوات مثل ANSYS وأطر نمذجة المناخ تلبي هذه الاحتياجات، فإنها تتعثر في دمج المعرفة الضمنية التي يستخدمها البشر في تفسير النتائج أو تعديل الافتراضات.

وتبرع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية في النماذج التحليلية والنماذج القائمة على المحاكاة، لكنها تواجه عوائق في أتمتة الاستدلال النوعي، حيث يظل الحدس البشري عصياً على الاستبدال. ويبقى سد هذه الفجوة، أي بناء ذكاء اصطناعي يستوعب المعرفة الضمنية، تحدياً حاسماً، فحتى المحاكاة المتقدمة تعتمد على الخبرة البشرية في تأطير المشكلات والتحقق من النتائج.

ومن المهم الإشارة إلى أن مهناً كثيرة تمتلك معرفة معقدة، لكن في صور لم تُصغ صياغة رسمية بالدرجة ذاتها التي صيغت بها العلوم والهندسة، ومنها الطب والصحافة والقانون وغيرها كثير. ويمكن أن يستند تفكيك مماثل للتعقيد في هذه المهن إلى أنماط الخبرة البشرية، كأن يبدأ بالاستدلال انطلاقاً من التجارب، ثم ينتقل إلى تجريد القواعد من تلك التجارب، ثم إلى سد الثغرات في القواعد بمزيد من التجارب.

تعقيد صياغة النموذج وتفسيره

يقيّم بعد تعقيد صياغة النموذج وتفسيره القدرة على تأطير المشكلات وتفسيرها عبر ثلاث درجات: النماذج المعدّة سلفاً بصيغ المجال الرسمية، ثم الكيانات المحددة سلفاً، ثم المواقف المفتوحة. وتبرع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية في الدرجة الأولى، لكنها تتعثر في الدرجات الأعلى تعقيداً خارج البيئات البحثية.

ففي مستوى الصعوبة المنخفض، تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بنماذج معدّة سلفاً، أي بمشكلات مصاغة مسبقاً بمصطلحات خاصة بالمجال، كالمعادلات في الفيزياء. ويجد المتخصصون هذه المشكلات يسيرة، في حين قد يتعثر المبتدئون أمام الصيغ المجردة. فالطلاب مثلاً كثيراً ما يحلون المسائل الرياضية القائمة على المعادلات بفاعلية أقل من المسائل اللفظية القصصية التي تربط مفاهيم الصف بالحدس المستمد من الواقع. وعلى نحو مماثل، تُربك مهمة واسون المنطقية المجردة كثيرين، في حين يبدو مكافئها الواقعي، أي التحقق من بطاقات الهوية للتأكد من الالتزام بقيود بيع الكحول، بديهياً. وتعتمد هذه المهام على أدوات تفترض أن المستخدمين يفهمون الصيغ الرسمية للمجال.

وينطوي مستوى الصعوبة المتوسط على كيانات محددة سلفاً، حيث تُحدد المكونات ذات الصلة لكن يتعين صياغة العلاقات بينها صياغة رسمية. فالتحليل الحراري لهاتف ذكي، مثلاً، يتطلب اختيار نماذج حرارية لمكوناته، كالمعالج والبطارية، ودمجها. وهنا تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي في الجمع بين النماذج لكنها تعتمد على البشر للتحقق من الافتراضات، فعند تحليل الخصائص الحرارية لهاتف محمول جديد مثلاً، كيف ينبغي نمذجة البطارية؟ وتنشأ تحديات التفسير عند تنقيح الحدود، كتقرير الكيانات ذات الأهمية.

أما مستوى الصعوبة المرتفع فيستلزم مواقف مفتوحة، يتعين فيها على أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديد الكيانات والعلاقات ذات الصلة. فتشخيص أعطال نظام للموائع، مثلاً، قد يتطلب النظر الديناميكي في تسربات أو أخطاء في أجهزة الاستشعار لم تُحدد في البداية. وعلى نحو مماثل، يتطلب الانتقال من نماذج التدفق الصفائحي إلى نماذج التدفق المضطرب عند السرعات العالية إعادة تعريف الافتراضات في منتصف التحليل. وتتطلب هذه المهام مرونة تفسيرية، أي مراجعة حدود النظام أو العلاقات بين مكوناته كلما ظهرت عوامل جديدة. ونادراً ما تتعامل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية مع ذلك باستقلالية، وتبرز النماذج البحثية الأولية حدوداً في محاكاة الحدس البشري في تأطير "ما يهم".

ومع أن النماذج المعدّة سلفاً تهيمن على التطبيقات الصناعية، كأدوات حل المعادلات، فإن الصياغة المفتوحة تظل محصورة في البحث، كأدوات التصميم التكيفي. ويتطلب سد هذه الفجوة تقدماً في الاستدلال السياقي وفي التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لإدارة الغموض الذي يكتنف تأطير المشكلات في العالم الحقيقي. والجدير بالذكر أن كثيراً من الأمثلة المستخدمة هنا مستمدة من العلوم الفيزيائية والهندسة، حيث يستفيد الذكاء الاصطناعي من قرون من الصياغة الرسمية، في حين لا تستخدم مجالات كالقانون والصحافة صيغاً رسمية معيارية يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي أن تعمل عليها، ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الأطر الناجحة في العلوم الفيزيائية قابلة للتكيف مع هذه المجالات.

مقياس حل المشكلات

بُني مقياس حل المشكلات للذكاء الاصطناعي باستخدام الأبعاد التي نوقشت في الأقسام السابقة. وتُعرض أنظمة الذكاء الاصطناعي والمقاييس والتقييمات البشرية المناظرة في كل مستوى إلى جانب واصفات المستوى متى توفرت، وتليها لمحة موجزة عن المقياس بأكمله.

لقد أنتجت عقود من أبحاث الذكاء الاصطناعي أنظمة قادرة على الاستدلال بمستوى البشر أو أفضل منه حين تُعطى مشكلات مصاغة سلفاً في مجالات ذات صيغ رسمية قوية. وتوفر قرون من العمل في الرياضيات والعلوم والهندسة أساساً متيناً لكثير من المجالات وإن لم يكن لجميعها. وقد أثمرت أبحاث الذكاء الاصطناعي في التخطيط وممارسة الألعاب وحل مسائل الإشباع المنطقي والتحقق من النماذج رؤى وخوارزميات مفيدة كثيرة للاستدلال في فضاءات بحث بالغة الضخامة والتعقيد.

ومع استمرار البحث في المجالات السابقة، تحتاج الآفاق الأقل استكشافاً في حل المشكلات بالذكاء الاصطناعي، والتي قد تكون من ثمّ الأهم، إلى مزيد من الاهتمام. وتتمثل هذه الآفاق في صياغة النماذج وتفسيرها، وفي حل المشكلات في المجالات التي لم تُصغ فيها المعرفة المهنية حالياً صياغة رسمية بالدرجة ذاتها التي صيغت بها العلوم الفيزيائية، أو لم تُصغ أصلاً. وإلى جانب الطب والقانون والصحافة، تشمل هذه المجالات التسويق والمبيعات، وخدمة العملاء، والتعليم، والرعاية الصحية والخدمات الإنسانية، والخدمة العامة والسلامة، والإدارة.

غير أنه ينبغي أيضاً مراعاة المهارات "الناعمة". فشاغلو الوظائف في مهن كثيرة يعتمدون على معرفتهم بعلم النفس الفردي ومهاراتهم في التفاعل الاجتماعي للعمل بفاعلية مع الناس، ومن هذه المهارات التفاوض، والتعليم، والتنسيق، والإقناع، والتوجه نحو الخدمة، والفطنة الاجتماعية، وهي مهارات ومجالات توضيحية مستمدة من قاعدة O*NET، وهي تصنيف للمهن والمهارات ترعاه وزارة العمل الأمريكية. ومن المرجح أن تشكل هذه المعارف والمهارات أيضاً الأساس لطيف واسع من المجالات المتمحورة حول الإنسان، مما يمنحها أهمية خاصة.

وتنطوي صياغة النماذج وتفسيرها في المجالات الفيزيائية على الوسائط الطبيعية واستدلال الحس السليم، فضلاً عن اختبارات معيارية للحس السليم تتعلق بالمكان والزمان والأحداث والسببية اليومية. وتؤخذ جميع هذه العوامل في الحسبان في الاختبارات المعيارية لقدرات الذكاء الاصطناعي التي تُناقش أدناه، ومنها اختبارات مستمدة من أعمال ديفيس وأخرى من مجال الاستدلال الاجتماعي. وفيما يلي تُربط واصفات المستويات بنماذج من أنظمة الذكاء الاصطناعي واختباراته المعيارية، وبالتقييمات البشرية التي يُعتبر عادة أنها تقيس قدرات كل مستوى لدى البشر.

والعلاقة بين الأبعاد الأربعة والمستويات علاقة تخييرية لا تلازمية، لأن حل المشكلات واسع جداً، وفضاء الآليات التي يمكن أن تنفذه ما يزال غير مفهوم جيداً. فقد يُعدّ نظام ذكاء اصطناعي ما في المستوى الرابع بفضل براعته في حل المشكلات الاجتماعية، في حين يكون النظام ذاته عاجزاً تماماً عن التعامل مع التصورات المفتوحة للمواقف الفيزيائية التي تميز المستوى الثالث. ومع أن الاختبارات تستطيع تحديد موقع نظام ما على المستويات في بعد معين، فلا يوجد اختبار واحد قائم يستطيع تحديد موقع نظام في مستوى محدد عبر جميع الأبعاد، بل ليس من الواضح أن مثل هذا الاختبار ممكن أصلاً. ويبدو أن الحاجة تدعو إلى مقاربة تقوم على بنك أو مجموعة متكاملة من الاختبارات.

وفي اختبار البشر، يشيع هذا الوضع حين يكون الإبلاغ عن الدرجات على مقياس واحد مرغوباً لأغراض التواصل، رغم تعدد أبعاد القدرات التي يعكسها الاختبار أو الاختبار المعياري. ويمكن لنظرية الاستجابة للمفردة متعددة الأبعاد أن توضح تمييزاً مهماً في نمذجة سلوك درجات الاختبار. فالنموذج التعويضي، على سبيل المثال، يسمح للمهارات بأن يكمل بعضها بعضاً، بحيث يعوّض التفوق في مهارة ما الضعف في مهارة أخرى. وفي المقابل، لا يسمح النموذج غير التعويضي بهذا التكامل، فحل المشكلات يتطلب فيه مهارات عالية في كل شيء، أو على الأقل حداً أدنى من المهارات في كل جانب. ولتحقيق نمذجة دقيقة وتفسير دقيق لأداء الاختبار، من المهم تحديد ما إذا كانت أبعاد القدرة تعويضية أم غير تعويضية.

ونشير إلى أن تقييم الاختبارات المعيارية في أبحاث التعلم الآلي ما يزال يشهد تطوراً سريعاً، ولذلك نتوقع أن تستمر مجموعة الاختبارات المعيارية ذات الصلة في التغير.

المستوى الأول: الراسخ

تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي في هذا المستوى المشكلات في المجالات الفيزيائية باستخدام مصطلحات رسمية خاصة بالمجال. وتنطوي خاصية الحل على تحديد المتغيرات الناقصة في حالة نوعية واحدة أو مقارنة سيناريوهات ثابتة، وتقتصر البدائل المدروسة على خيارات محددة سلفاً. وتستخدم هذه الأنظمة نماذج رياضية، أي معرفة مهنية متوسطة، في مهام كالتصميم والتحليل، وتعتمد صياغة النماذج على أطر معدّة سلفاً لا تتطلب إلا حداً أدنى من إعادة التفسير.

وتحل أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستوى الأول المشكلات الرسمية الخاصة بمجال معين من خلال تحليل منظم وتوليد محدود للحالات. ومن أمثلتها التشخيص القائم على النماذج للدوائر التوافقية، وحل أنظمة المعادلات لحساب السلوكيات الثابتة أو المستقرة، كخصائص محطة طاقة بخارية في أثناء تشغيلها العادي. كما تمثل أدوات حل مسائل الإشباع المنطقي وأدوات التحقق من النماذج المطبقة على المواقف الثابتة أمثلة إضافية على هذا المستوى، إذ تحلل القيود المنطقية أو سلوكيات الأنظمة لحل مهام رسمية، كالتحقق من تصاميم العتاد والبرمجيات. ولا يُطلب من أنظمة المستوى الأول إلا صياغة النماذج وتفسيرها فيما يتعلق بحالات الأنظمة والاتساق المنطقي واستيفاء القيود في مجالات محددة تحديداً جيداً.

التقييمات البشرية

يفتقر المستوى الأول إلى تقييمات بشرية صريحة، بما يعكس تركيزه على مهام رسمية محدودة السياق بدلاً من الفهم السياقي للعالم الحقيقي. وخلافاً للمستويات الأعلى التي تستخدم اختبارات مقننة، كالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة، لتقييم الاستدلال التطبيقي، تتمحور قدرات المستوى الأول حول الكفاءة الفنية في الصيغ الرسمية الخاصة بالمجال. وعادة ما يجري التحقق من هذه المهارات من خلال الشهادات الأكاديمية أو المهنية في مجالات كالرياضيات أو الهندسة لا من خلال تقييمات بشرية عامة.

الاختبارات المعيارية للذكاء الاصطناعي

ثمة طائفة من الاختبارات المعيارية لأنظمة هذا المستوى. فمسابقات حل مسائل الإشباع المنطقي، على سبيل المثال، تقيس السرعة التي تستطيع بها خوارزميات من أنواع مختلفة حل مسائل إشباع الصيغ المنطقية. ومنها أيضاً مسابقة "آلاف المسائل لأدوات إثبات المبرهنات"، التي تتضمن مسائل في منطق الرتبة الأولى ومنطق الرتب العليا. وتوجد كذلك اختبارات معيارية ومسابقات للتشخيص القائم على النماذج في مجالات متنوعة.

المستوى الثاني: المتقدم

يتعامل الذكاء الاصطناعي في هذا المستوى مع مشكلات مصاغة بلغة يومية، فيترجمها إلى نماذج رسمية. وتدمج خاصية الحل الاستدلال النوعي والكمي، وتتسع البدائل المدروسة لتشمل التصور، أي توليد حالات متعددة والتحولات بينها، والتخطيط، أي بناء تسلسلات من الأفعال لتحقيق الأهداف. وتجمع المعرفة المهنية بين المحاكاة والنماذج التحليلية، وتنطوي صياغة النموذج على كيانات محددة سلفاً تتطلب ربطاً ديناميكياً للمتغيرات. ومن تطبيقاته الخدمات اللوجستية متعددة الحالات وتركيب التصاميم التكيفي.

وتتعامل أنظمة المستوى الثاني مع مشكلات المجالات الفيزيائية باستخدام استدلال مختلط نوعي وكمي، وتستطيع توليد سلوكيات تتطلب التقاط حالات ديناميكية متمايزة متعددة والاستدلال بشأنها. ومن أمثلتها أدوات التخطيط التي تستخدم أطراً كلاسيكية مثل مشغّلات STRIPS ولغة تعريف مجالات التخطيط PDDL. كما أن التصور في أنظمة الاستدلال النوعي، وأدوات التحقق من النماذج التي تستخدم المنطق الزمني، كالمنطق الزمني للأفعال، ينطويان على الاستدلال لتوليد حالات الأنظمة ومقارنتها وتحليلها.

ويجدر ذكر مثالين آخرين. أولهما StatsMonkey، الذي يولّد قصصاً إخبارية من بيانات الرياضة أو المال بترجمة الإحصاءات الخام إلى سرديات منظمة باللغة الإنجليزية. وثانيهما AutoSteve، الذي يجري تحليل أنماط الإخفاق وآثاره للأنظمة الكهربائية في السيارات بنمذجة الأعطال المحتملة والتحولات بين حالات النظام. ويجسد هذان النظامان تركيز المستوى الثاني على إنشاء نماذج بدرجة تفصيل ملائمة، تجمع بين الاستدلال المكاني والزمني والفيزيائي لحل المشكلات من خلال التصور متعدد الحالات. وتوفر موسوعة ويكيبيديا قائمة بأدوات التحقق من النماذج المتاحة وأمثلة على أدوات حل مسائل الإشباع المنطقي وتطبيقاتها.

التقييمات البشرية

تتوافق التقييمات البشرية في المستوى الثاني مع مسائل الكتب المدرسية التي تكون فيها صياغة النموذج منخفضة الصعوبة أو متوسطتها، أي معدّة سلفاً أو محددة الكيانات سلفاً.

الاختبارات المعيارية للذكاء الاصطناعي

تتضمن مسابقات التخطيط الدولية، التي تُعقد ضمن المؤتمر الدولي للتخطيط والجدولة الآليين، عدة مسارات تتغير من عام إلى آخر بحسب اهتمامات المجتمع العلمي، وقد شملت مجالات متخصصة كتخطيط عمليات النقل الجوي، ودمج التعلم والاحتمالات والمعلومات العددية. وفي المقابل، ما تزال النماذج اللغوية الكبيرة محصورة حتى الآن في مجالات ومشكلات أبسط تظهر في مجموعات تدريبها، بدلاً من تقديم قدرات تخطيط توليدية. فعلى سبيل المثال، يقدم بونيه وزملاؤه، وفالميكام وستيكلي وكامبهامباتي، توليداً آلياً لحالات جديدة لاختبار الحفظ.

وثمة أيضاً مسابقات لاختبار قدرات برمجيات التحقق من النماذج على التعامل مع فضاءات حالات واسعة النطاق والتحقق من الأنظمة المتزامنة، وهو أمر صعب على البشر دون مساعدة.

المستوى الثالث: أحدث ما بلغه الذكاء الاصطناعي

يُدخل الذكاء الاصطناعي في هذا المستوى الاستدلال الاجتماعي، فيعالج المشكلات بنظرية العقل. وتمتد خاصية الحل لتشمل المحاكاة الذهنية للوكلاء والبيئات، وتنطوي البدائل المدروسة على تصور مفتوح بسبب الغموض في صياغة النموذج. وتدمج المعرفة المهنية أطراً اجتماعية نفسية متخصصة، وتتعامل صياغة النموذج مع سيناريوهات شبه منظمة، وإن ظلت محصورة في مجالات ضيقة.

ففي المستوى الثالث، تجري أنظمة الذكاء الاصطناعي صياغة أكثر انفتاحاً للنماذج، فقد تتلقى مواصفات المشكلة بلغة طبيعية، أو بلغة طبيعية مصحوبة برسوم بيانية أو مخططات ينبغي معالجتها بصرياً، بدلاً من مواصفات رسمية مرمّزة سلفاً. وتقتصر هذه الأنظمة حالياً على خصائص حل بسيطة، كالمسائل اللفظية في الحساب والجبر، حيث تكون النماذج المصاغة لمواقف شبه ثابتة لا لسلوكيات ديناميكية. وتستطيع الوكلاء ذات التفاعل الاجتماعي الانخراط في مهام اجتماعية مع البشر، بما في ذلك بناء الألفة في سيناريوهات التفاوض، والتعامل مع المعضلات الأخلاقية المتعلقة بالقيم المصونة من خلال تفاعلات ديناميكية واعية بالسياق. وتتوافق هذه الأنظمة مع تركيز المستوى الثالث على دمج الجوانب الاجتماعية والمحاكاة الذهنية للوكلاء في عمليات الاستدلال. وفي هذا المستوى، تتطلب صياغة النماذج وتفسيرها من الأنظمة ترميز الديناميكيات الاجتماعية، واستنتاج الحالات الذهنية الكامنة، وتكييف الاستدلال مع سيناريوهات غنية بالسياق ومحمّلة بالقيم.

التقييمات البشرية

تتألف الاختبارات البشرية لهذا المستوى من اختبارات مقننة تقيّم حل المشكلات التطبيقي في سياقات العالم الحقيقي. فالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة وبرنامج التقييم الدولي لكفاءات البالغين، إلى جانب اختبارات التحصيل في الرياضيات للمرحلة الثانوية، تقيس مهارات تفسير المشكلات الكمية والمكانية اليومية وحلها. وتعكس هذه الاختبارات حاجة الذكاء الاصطناعي في المستوى الثالث إلى تحليل المشكلات المعبر عنها بلغة طبيعية والاستدلال عبر الخصائص الفيزيائية، بما يثبت قدرة الأنظمة على مضاهاة الكفاءة البشرية في المهام الأساسية المرتبطة بالسياق.

وتقيّم اختبارات بشرية مثل اختبار ماير وزملائه للذكاء العاطفي واختبار جنيف للكفاءة العاطفية التعرفَ على المشاعر وإدارتها، وهو ما تتطلبه أنظمة المستوى الثالث. ويقيّم اختبار "قراءة العقل في العينين" استدلال نظرية العقل، أي استنتاج انفعال ما من تعبير الوجه، وكذلك يفعل اختبار "مهمة القصة القصيرة" الذي يقيّم قدرة المرء على استنتاج الحالات الذهنية لشخصيات القصة. كما تقيس الاختبارات الموقفية لفهم المشاعر وإدارتها، التي وضعها ماكان وروبرتس، مهاراتٍ أساسية يحتاجها الذكاء الاصطناعي للتعامل مع التفاعلات الاجتماعية المعقدة المطلوبة في هذا المستوى أيضاً.

ويُعدّ اختبار الكتابة التحليلية ضمن اختبار GRE الذي تقدمه هيئة الاختبارات التربوية مثالاً على تقييم بشري من المستوى الثالث في مجال الاستدلال المعرفي، إذ ينطوي على التفكير الناقد، وتحديد الأفكار المحورية في نص ما، ونقد المنطق في الحجج.

الاختبارات المعيارية للذكاء الاصطناعي

بالنسبة إلى حل المشكلات الرياضية البسيطة شبه الثابتة، يختبر الاختباران المعياريان GSM Symbolic و SVAMP صياغة النماذج وتفسيرها. وقد اقترح معهد AI2 استخدام اختبارات العلوم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة اختباراتٍ معيارية. ومن الاختبارات المعيارية الممكنة الأخرى BIG bench و BIG Bench Hard و MMLU Pro، التي يُدّعى أنها تقيس الاستدلال المعقد.

وثمة عدة اختبارات معيارية اجتماعية ممكنة. فاختبار Social IQa يختبر استدلال الحس السليم بشأن التفاعلات الاجتماعية من خلال أسئلة نصية متعددة الخيارات. ويقدم بارد وزملاؤه اختباراً معيارياً لنظرية العقل، ويقدم شو وزملاؤه اختباراً معيارياً قائماً على رسوم متحركة ثلاثية الأبعاد لاستكشاف مفاهيم علم النفس الحدسي. ومن خلال مطالبة الأنظمة باستنتاج الدوافع والمشاعر والعواقب من السياقات الاجتماعية، تقيّم هذه الاختبارات المعيارية مباشرةً دمج السياق الاجتماعي والمحاكاة الذهنية الواردين في وصف المستوى الثالث. وقد توفر هذه الاختبارات أدلة على قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع مشكلات تنطوي على ديناميكيات اجتماعية صريحة واستدلال ضمني بنظرية العقل في آن.

المستوى الرابع: مرجح قريباً للذكاء الاصطناعي

يبدأ الذكاء الاصطناعي في هذا المستوى في إتقان نطاق أوسع من مشكلات الحس السليم والمشكلات المهنية. وتجمع خاصية الحل بين المعرفة الفيزيائية والاجتماعية والنفسية، وتشمل البدائل المدروسة التصور التكيفي. وتمزج المعرفة المهنية بين الخبرة القائمة على المحاكاة والخبرة الضمنية، وتتعامل صياغة النموذج مع سيناريوهات شبه مفتوحة، فتنقح الافتراضات تكرارياً. وتتعلم الأنظمة تدريجياً من المشكلات التي حلتها، فتحسّن أداءها المستقبلي.

وفي هذا المستوى، تُظهر أنظمة الذكاء الاصطناعي استدلالاً اجتماعياً ومهنياً متقدماً، تجسده ابتكارات مثل أنظمة الحوار ذات التأثير الاجتماعي. وتدمج هذه الأنظمة تقنيات بناء الألفة لإشراك المستخدمين ديناميكياً، بما يتوافق مع تركيز المستوى الرابع على الوعي العاطفي والسياقي. ومن خلال الاستفادة من المعرفة الاجتماعية والنفسية، كتفسير المشاعر من مدخلات الفيديو والصوت ومن التفاعلات السابقة، تعالج هذه الأنظمة تحديات مهنية معقدة في مجالات مثل الرعاية الصحية أو الإرشاد. وتعكس قدرتها على دمج المشكلات المحلولة تدريجياً في إطار عملها التعلمَ التكيفي المطلوب في هذا المستوى، بما يتيح تحسيناً مستمراً للاستراتيجيات من أجل تعاون دقيق بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. ويتعين على أنظمة المستوى الرابع أن تنمذج السياقات العاطفية ديناميكياً، وتدمج المدخلات الاجتماعية متعددة الوسائط، وتنقح أطرها التكيفية لسيناريوهات مهنية في العالم الحقيقي.

التقييمات البشرية

تركز التقييمات البشرية لقدرات هذا المستوى على قياس الفطنة الاجتماعية والخبرة المعرفية معاً. فتُقيّم الكفاءة الاجتماعية بأدوات مثل مؤشر التعرف على المشاعر، الذي يختبر القدرة على تفسير الإشارات العاطفية الحاسمة في التفاعلات القائمة على الألفة. أما الكفاءة المعرفية والمكانية فتُقاس باختبارات مثل اختبار بينيت للفهم الميكانيكي واختبار الفهم الميكانيكي ضمن بطارية القدرات المهنية للقوات المسلحة الأمريكية، اللذين يقيّمان استدلال الحس السليم الفيزيائي، كالمبادئ الميكانيكية، وسرعة البديهة في حل المشكلات.

الاختبارات المعيارية للذكاء الاصطناعي

تقيس اختبارات معيارية اجتماعية مثل SECEU و EQ Bench، ولا سيما EmoBench ونسخته متعددة الوسائط EmoBench M، الفهمَ العاطفي في سيناريوهات غنية بالسياق، وهو ما يتطلبه الأداء في المستوى الرابع. ويقع أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي حالياً في الاختبارين الأخيرين دون الأداء البشري بفارق كبير.

وتمتد الاختبارات المعيارية المعرفية في هذا المستوى عبر تحديات متنوعة: فاختبار ديفيس يقيّم الاستدلال النوعي في التجارب الكيميائية، واختبار ARB يختبر الاستدلال عبر المجالات بمستوى الدراسات العليا، ويُدّعى أن اختباري "الامتحان الأخير للبشرية" و BIG Bench Extra Hard يقيّمان قدرات الاستدلال العامة عبر مجالات ما يزال أداء النماذج اللغوية الكبيرة فيها دون 50%. ويقيّم اختبارا HellaSWAG و McTaco الحس السليم الزمني والموقفي، كالتنبؤ بالأحداث ومدتها، ويستكشف اختبار NumerSense الاحتفاظ بالحقائق العددية، ويختبر اختبار OpenBookQA المعرفة العملية بالظواهر اليومية.

المستوى الخامس: غير ممكن بعدُ للذكاء الاصطناعي

يتطلب الذكاء الاصطناعي في هذا المستوى إتقان الخبرة المهنية الشاملة. فخاصية الحل تتطلب استدلالاً متعدد الحالات عبر أنظمة ديناميكية، وتنطوي البدائل المدروسة على تصور توليدي لسيناريوهات جديدة. وتدمج المعرفة المهنية المجالات الضمنية والاجتماعية والتقنية، وتعمل صياغة النموذج في سياقات مفتوحة تماماً. ويتعين على الذكاء الاصطناعي أن يبني علاقات بشرية طويلة الأمد، ويُظهر كفاءة إقناعية وأخلاقية، ويوسع معرفته باستقلالية، وهي قدرات تتجاوز المتناول حالياً.

وتتصدى أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستوى الخامس لمهام مهنية معقدة تتطلب خبرة اجتماعية وأخلاقية ومجالية عميقة، وإن لم تُذكر هنا أنظمة محددة صراحة. ومن الأمثلة الافتراضية وكلاء متقدمة قادرة على الحفاظ على علاقات بشرية طويلة الأمد، تدمج ذكاءً اجتماعياً دقيقاً، كالتمييز بين أشكال التنمر والتوسط في النزاعات، مع إتقان مجالات مثل الطب أو القانون. ومثل هذه الأنظمة ستتوافق مع تركيز المستوى الخامس على الكفاءة الأخلاقية، والتواصل الإقناعي، والاستنتاج العاطفي الآني من المدخلات متعددة الوسائط كالفيديو والصوت، مع توسيع معرفتها المهنية باستقلالية من خلال حل المشكلات. وفي هذا المستوى، يتعين على أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تدمج أطر الاستدلال الأخلاقي والإشارات الاجتماعية متعددة الوسائط والخبرة المجالية في نماذجها للعالم، للتعامل مع عمليات اتخاذ قرار شديدة الارتباط بالسياق ومدفوعة بالقيم.

التقييمات البشرية

تركز التقييمات البشرية على الذكاء الاجتماعي والمهني المتقدم. فاختبار ماغدبورغ للذكاء الاجتماعي والتقييمات القائمة على الأشكال الهندسية تقيس نظرية العقل والاستنتاج الاجتماعي، بما يعكس حاجة الذكاء الاصطناعي إلى تفسير التفاعلات الديناميكية. كما تدعم تقديرات الملاحظين، كتقييمات المعلمين لأداء الطلاب، التحقق من قدرة الأنظمة على محاكاة الاحترافية الشبيهة بالاحترافية البشرية، واتخاذ القرار الأخلاقي، والقدرة على التكيف، وهي أمور حاسمة لدمج المستوى الخامس في أدوار مثل التعليم والرعاية الصحية والاستشارات القانونية.

الاختبارات المعيارية للذكاء الاصطناعي

توجد اختبارات معيارية لمكونات قدرات المستوى الخامس، لكن لا يوجد ما يجمع بين الاستدلال متعدد الحالات عبر الأنظمة الديناميكية، أو ينطوي على التصور والنماذج القائمة على المحاكاة والمواقف المفتوحة. وتمتد الاختبارات المعيارية لقدرات المكونات عبر الاستدلال الاجتماعي، كاختبار DeSIQ للأسئلة والأجوبة الاجتماعية القائمة على الفيديو والمنقّاة من التحيز، ونظرية العقل في تحدي Hanabi، واستدلال الحس السليم في اختبارات PIQA و PROST و ScienceWorld، والحس السليم المكاني، واختبار TG CSR، واختباري TIMEDIAL و Torque، والاستدلال الأخلاقي في اختبار MoralBench وغيره. وتختبر هذه الاختبارات الفهم الاجتماعي متعدد الوسائط، كاستنتاج المشاعر من الفيديو، والاستدلال التعاوني، والمنطق الزمني والمكاني، والمواءمة الأخلاقية. وهي مجتمعةً تقيّم قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة حل المشكلات بمستوى الخبراء، بدمج المعرفة المجالية مع الحس السليم النفسي والفيزيائي، على النحو الذي تتطلبه الاستقلالية المهنية في المستوى الخامس.

دراسة ذات صلة