القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: التقرير الفني (14/10)

مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: التقرير الفني (14/10)
ملخص الدراسة

يلخص هذا الفصل وضع الرؤية الحاسوبية، وهي مجال فرعي من الذكاء الاصطناعي يُعنى بمعالجة وتحليل مختلف أنواع البيانات البصرية (صور ثابتة، فيديو، صور طبية، إلخ). يقدم الفصل مقياسًا خماسي المستويات لـ"درجة التطور" لتقييم قدرات هذه الأنظمة، من التطبيقات شديدة التقييد إلى المستوى البشري وما يتجاوزه. بالرغم من انتشار الرؤية الحاسوبية الواسع ونجاحاتها في مهام محددة (مثل اكتشاف الوجوه وتتبع المسارات)، يخلص الفصل إلى أن معظم أنظمتها الحالية لا تزال متخصصة وتفتقر للقدرة البشرية على التعميم والتعامل مع التنوع الهائل في العالم الحقيقي. يستند التقييم إلى تحليل 120 تطبيقًا و32 قدرة بصرية أساسية، ويبرز تحديات جوهرية مثل تنوع البيانات، وصعوبة تفسير نماذج التعلم العميق (الصندوق الأسود)، والتكاليف الباهظة، والتحيزات المتأصلة في البيانات. كما يناقش الفصل باستفاضة القضايا الأخلاقية المرتبطة بتطوير ونشر هذه الأنظمة، مثل خصوصية البيانات، وعواقب الأخطاء، والتحيز، والمساءلة، والسلامة، والأثر الاقتصادي. ويقترح الفصل أن المستقبل يكمن في تطوير الأنظمة شبه المستقلة التي تجمع بين قدرات البشر والآلات، والعمل على النماذج التأسيسية، والاستثمار الموجه في تطبيقات محددة (كتحسين سلامة القيادة والزراعة)، مع التأكيد على ضرورة معالجة تحديات التفسير والاعتبارات الأخلاقية لتعزيز انتشارها.

الفصل العاشر: الرؤية

إعداد: Robert B. Fisher (جامعة إدنبرة)، Anthony G. Cohn (جامعة ليدز)، Christopher Lochhead (جامعة إدنبرة).

الرؤية الحاسوبية، التي تُعرف أيضاً بالرؤية الآلية أو معالجة الصور أو تحليل الصور، مجال فرعي من مجالات الذكاء الاصطناعي. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقيّم هذا الفصل الوضع الراهن لهذا المجال الفرعي الذي يشمل الطيف الكامل لبيانات الصور: الصور الثابتة، ومقاطع الفيديو، والصور متعددة الأطياف، وصور المجاهر، والموجات فوق الصوتية، وأجهزة المسح الطبي. وإلى جانب مقياس من خمسة مستويات مماثل لمقاييس الفصول الأخرى، يقترح الفصل مقياساً خماسياً لـ"درجة التطور" يغطي نطاق القدرات من التطبيقات شديدة التقييد إلى المستوى البشري وما يتجاوزه. ويقدم ثلاثة تحليلات للقدرات باستخدام مقياس درجة التطور ثم يقارن بين هذه المقاربات. ويلي ذلك نقاش للقضايا الأخلاقية الناشئة عن استخدام المقياس، مع التركيز على قضايا التطوير والنشر. ويتأمل القسم الأخير في ثلاثة حدود رئيسية للدراسة تتعلق بالسرعة والخصوم والقابلية للتفسير.

مقدمة

الرؤية الحاسوبية، التي تُعرف أيضاً بالرؤية الآلية أو معالجة الصور أو تحليل الصور، مجال فرعي من مجالات الذكاء الاصطناعي. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقيّم هذا الفصل الوضع الراهن لهذا المجال الفرعي الذي يشمل الطيف الكامل لبيانات الصور: الصور الثابتة، ومقاطع الفيديو، والصور متعددة الأطياف، وصور المجاهر، والموجات فوق الصوتية، وأجهزة المسح الطبي. ومع أن الفصل يصف حدود كثير من التطبيقات، أي استخدامات الرؤية الحاسوبية لا حزماً برمجية بعينها، فإنه يسلط الضوء أيضاً على عدد من قصص النجاح.

والرؤية الحاسوبية تخصص علمي حديث نسبياً، أتاحته القدرة على تحويل الصور إلى تمثيل رقمي قابل للاستخدام حاسوبياً ومعالجة هذه التمثيلات بالحاسوب. فمن ستينيات القرن العشرين حتى مطلع الألفية الثالثة تقريباً، ركزت الرؤية الحاسوبية على اختزال الكم الكبير من المعلومات في الصورة إلى مجموعة من الأوصاف الأبسط التي يمكن استخدامها للتعرف على الأشياء، وتصنيف المشاهد، وتقدير المواضع والخصائص، كحالات المرض مثلاً، ولم يكن هناك قدر كبير من التعميم والتنوع في الأشياء. وفي حدود عام 2000، أفضى استخدام النماذج البارامترية والاحتمالية إلى مزيد من التعميم والتنوع، وإن كان بناء هذه النماذج صعباً ومستهلكاً للوقت في الغالب. وابتداءً من عام 2010 تقريباً، تحولت أبحاث الرؤية إلى استخدام الشبكات العصبية العميقة تقنيةً أساسية، مما أتاح تعلم العمليات البصرية المستهدفة من أعداد كبيرة من الأمثلة.

ورغم حداثة نشأتها، باتت الرؤية الحاسوبية حاضرة في كل مكان. فعلى سبيل المثال، تستخدمها المصانع للتحكم في العمليات وفحص المنتجات، وتستخدمها الهواتف الذكية لتحسين الصور واكتشاف الوجوه والتعرف عليها، وتستخدمها أنظمة البريد لفرز البريد المادي وتوجيهه بالرموز البريدية والعناوين، وتستخدمها كاميرات المراقبة بالفيديو لاكتشاف الأشخاص وتتبعهم والتعرف عليهم، وتستخدمها السيارات لتتبع المسارات واكتشاف العوائق. وهذه تطبيقات ناجحة على نحو خاص، لكن ثمة مئات غيرها.

والرؤية، لدى البشر على الأقل، ليست تحويلاً آلياً مباشراً لبيانات الصورة إلى معلومات عن موضع الأشياء أو هويتها أو سلوكها أو أدائها أو غير ذلك. فمع أننا لا نفهم إلا مبادئ أنظمة الرؤية لدى الرئيسيات، ومنها البشر، يبدو أن ثمة أكثر من مئة عملية منفصلة مستقلة أو متتابعة تسهم في قدرة الإنسان على فهم العالم. وتشمل هذه العمليات وظائف في العين والدماغ تستخلص أوصاف الشكل واللون والحركة والموضع والملمس في بعدين وفي ثلاثة أبعاد، كما تشمل مسارين رئيسيين للمعالجة يخبراننا بما قد نراه وبمكان الأشياء التي نراها. وتساعدنا آليات طويلة الأمد على تذكر الأشياء والأنشطة والأماكن، في حين تساعدنا آليات قصيرة الأمد على الحفاظ على نموذج ذهني مستقر لمحيطنا رغم الحركة الدائمة لرؤوسنا وأعيننا وأجسامنا.

والرؤية ليست سوى شكل واحد من أشكال الإدراك الحسي، ومن أشكاله الأخرى الإدراك اللمسي والسمعي وإدراك وضع الجسم. وربما تكون البيانات البصرية أهم البيانات الحسية اللازمة لأداء معظم الأنشطة في العالم الحقيقي. ولا يتناول هذا الفصل إلا تحليل بيانات الصور أو الفيديو أو البيانات رباعية الأبعاد، ولا ينظر عموماً في أشكال الإدراك الأخرى، إلا حين ينتج جهاز الاستشعار بيانات شبيهة بالصور، كأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وأجهزة الموجات فوق الصوتية وأجهزة استشعار العمق.

ويركز العصر الحالي للشبكات العصبية العميقة على المعالجة المتكاملة "من الطرف إلى الطرف"، أي من مدخلات الصور أو الفيديو إلى مخرجات الإجابة. وليس من الواضح تماماً كيف يتحقق ذلك، لكن من الاستعارات الممكنة استعارة الاسترجاع من قاعدة بيانات، إذ تحول الشبكة الصورة إلى مفتاح في قاعدة بيانات تُسترجع منه الإجابة. وتُرمّز عملية تدريب الشبكة العصبية الحلول الممكنة، بافتراض استخدام عدد كافٍ من الأمثلة في التدريب. ويحدث قدر من التعميم لأنه قد لا يوجد لمفتاح معين إلا تطابق "قريب" منه.

ومن الاتجاهات الأخرى أبحاث تجمع بين اللغة الطبيعية والرؤية، سواء بوصفها مدخلات لعملية بصرية أو مخرجات منها، وأبحاث الانتباه الانتقائي. وثمة أيضاً أبحاث كثيرة في توليد الصور ومقاطع الفيديو استناداً إلى المحتوى الذي تعلمته الشبكات العميقة وبتوجيه من كلمات مفتاحية، وإن كان المرء لن يعدّ ذلك على الأرجح من قبيل "الرؤية". ولا تكاد أبحاث الرؤية الحاسوبية السائدة ترتبط بالقضايا المعرفية السائدة الأخرى، كالاستدلال، وتطور أنظمة الرؤية، والدور المحتمل للوعي في الرؤية. وتشترك وجهتا النظر القائمتان على المعالجة متعددة المراحل والمعالجة المتكاملة في جوهر واحد من تمثيل البيانات، وقاعدة بيانات لنماذج الأشياء والأنشطة متعلمة في معظمها، وقدر من القدرة على التعميم. ومع ذلك، قد توجد بعض التمثيلات المبرمجة بيولوجياً، كالوجوه والثعابين والمفترسات الكبرى.

ولم تُدرس كثير من تطبيقات الرؤية الحاسوبية إلا قليلاً، لكن هذا الفصل يتناول بعض النجاحات البارزة، كاكتشاف الوجوه والتعرف عليها، واكتشاف النصوص والتعرف عليها. ومع أن الأداء ارتفع ارتفاعاً كبيراً بفضل توفر مجموعات بيانات ضخمة وأساليب تعلم آلي جديدة، فإن تطبيقات كثيرة لا تعمل بمستوى الخبراء، أو حتى بمستوى يفوق القدرة البشرية، إلا على تلك المجموعات من البيانات. فضلاً عن ذلك، يتراجع أداؤها تراجعاً كبيراً حين تُطبق على بيانات لم ترها من قبل. وتعود الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع إلى التنوع الكبير في بيانات الصور وفي الأشياء في العالم الحقيقي، والتنوع الهائل في الطرق التي تُؤدى بها الأنشطة ومن ثمّ تُدرك. ورغم هذه الحدود، ثمة أمثلة ناجحة كثيرة للرؤية الحاسوبية يستكشفها هذا الفصل.

المنهجية

شُكلت مجموعة عمل صغيرة معنية بموضوع الرؤية الحاسوبية لتحقيق أربعة أهداف: تحديد مقاربة لتقييم التطبيقات المختلفة، وتحديد مجموعة من التطبيقات القابلة للاستخدام أو شبه القابلة له، وتقييم تلك التطبيقات، وتحليل النتائج لاستخلاص بعض الاستنتاجات حول مقياس قابل للاستخدام لتقييم حالة الرؤية الحاسوبية. فضلاً عن ذلك، حددت المجموعة اثنتين وثلاثين قدرة بصرية تقوم عليها تطبيقات الرؤية المقيّمة، وعشرين مكوناً أو وظيفة بصرية موثوقة تتيح أداءً أفضل في التطبيقات.

وانطلاقاً من أكثر من ستمئة تطبيق للرؤية الحاسوبية خضعت للبحث، جزئياً أو بصورة شاملة، حددت المجموعة مجموعة فرعية من مئة وعشرين تطبيقاً يُرجح أنها قريبة من أن تكون قابلة للاستخدام. وقُيّمت هذه التطبيقات بمزيد من التفصيل، مع مراعاة أنواع بياناتها، وغرضها، وتعقيد المشاهد التي طُبقت عليها وواقعيتها، والعدد المرجح لمستخدميها في العالم، ودرجة استكشافها، والتنوع في نوع التطبيق وفي محتوياته، والكفاءة والمتانة، والمعايير الإجمالية للقابلية للاستخدام ومستوى الخبرة، وأخيراً معيار لدرجة التطور. كما جمعت المجموعة إحالات إلى موارد مفيدة للمطورين، كالمراجع الرئيسية ومجموعات البيانات الرئيسية وجداول الترتيب والشيفرات المفتوحة المصدر.

وكخطوة أولى، حددت المجموعة سبعة مؤشرات رئيسية، يقدم كل منها منظوراً مختلفاً لوصف حالة أساليب الرؤية الحاسوبية والتطبيقات التي تستطيع أداءها جيداً:

أولاً، القابلية للاستخدام: ما مدى اتساع النطاق القابل للاستخدام من تطبيقات قدرة ما؟

ثانياً، الخبرة: ما مدى جودة أداء التطبيق، بما يدمج نطاق المهارات والمتانة إزاء التنوعات وصحة النتائج؟

ثالثاً، اتساع المجال: ما مدى اتساع مجال التطبيق؟

رابعاً، تنوع المجال: ما مقدار التنوع في الأشياء ضمن مجال المهمة الذي يمكن تحمله؟

خامساً، المتانة: ما مدى متانة التطبيق إزاء التنوعات في البيانات، كالإضاءة ومسافة المشهد وتنوع الألوان ودقة الصورة ومعدلات الإطارات في الفيديو؟

سادساً، الكفاءة: ما مدى جودة أداء التطبيق؟

سابعاً، درجة الاستكشاف: ما مقدار البحث والتطوير الذي أُجري على التطبيق المعني؟

ووُصف كل مؤشر بخمسة مستويات للأداء، حيث يدل المستوى الأول مثلاً على أداء خوارزمي في سياق شديد التقييد، ويدل المستوى الخامس على المستوى البشري. وعُرّف مقياس إضافي لتلخيص نطاق القدرات من التطبيقات شديدة التقييد إلى المستوى البشري وما يتجاوزه، وأُطلق عليه اسم مقياس درجة التطور. وليس من البديهي كيف يمكن دمج المنظورات السبعة في مقياس واحد.

ومن قبيل القاعدة الإرشادية، يرتبط مقياس درجة التطور بالأداء البشري العام آخذاً في الحسبان، على نحو تقريبي، المنظورات السبعة جميعها. فالمستوى الأول يؤدي مهمة محددة في موقف مقيد، في حين يكون المستوى الخامس عام الغرض بمرونة تمكّنه من التعامل مع التنوعات في المشهد والأهداف وبيانات الاستشعار وغيرها. ويمكن اقتراح ربط أكثر خوارزمية، ربما يستند إلى تعقيد البيانات ونطاق القدرة والقدرة على تحسين الأداء.

واستُخدم مقياس درجة التطور لتقدير مئة وعشرين تطبيقاً شائعاً من تطبيقات الرؤية الحاسوبية. ويتناول الفصل علاقته بالمقاييس الخماسية الخاصة بالوسائط الأخرى، ثم يقدم القدرات الاثنتين والثلاثين العامة الغرض الكامنة التي تتيح تطبيقات الرؤية الحاسوبية العامة والتي ساعدت على تركيز تطوير المقياس.

وقُيّمت القدرات أيضاً على مقياس درجة التطور. وحددت المجموعة وقارنت ثلاث مقاربات لتقييم مستوى درجة التطور للقدرات الاثنتين والثلاثين: آراء الخبراء، وآراء المجتمع العلمي، ونموذج ChatGPT 4o. وتُتناول القضايا الأخلاقية الناشئة عن استخدام مقياس درجة التطور والمقاييس الأخرى، ويُختتم الفصل بمناقشة كيفية تيسير نشر الرؤية الحاسوبية على نطاق أوسع.

درجة التطور: مقياس الرؤية المقترح ذو المستويات الخمسة

حاولت المجموعة دمج التفاصيل والنقاش السابقين في مقياس واحد. ومن النقاش، يتضح أن الأداء الذي يفوق القدرة البشرية أو يبلغ مستواها ممكن، لكن في تطبيقات محددة تحديداً ضيقاً فحسب. فلا يوجد نظام رؤية حاسوبية قائم يدمج جميع القدرات البصرية الاثنتين والثلاثين الأساسية المذكورة. بل إن معظم المشاريع البحثية لا تهدف إلا إلى تطوير قدرة واحدة، ولا يكاد أي تطبيق للرؤية يدمج أكثر من بضع قدرات.

ومن التعقيدات الأخرى مسألة الإنجاز عند النظر في مستويات المقياس. فهل يُعدّ النجاح لمرة واحدة إنجازاً؟ وماذا لو نجح النظام في معظم الأحيان أو في بعضها؟ وربما يكون كفئاً في بعض القدرات البصرية وضعيفاً في غيرها. وإذا كانت دقته منخفضة، أو أي معيار آخر قد يكون أنسب للمهمة المعنية كالضبط أو الحساسية أو نسبة الأرجحية الإيجابية، فقد يكون نظام رؤية عالي المستوى لكنه عديم الفائدة تماماً.

ويحاول مقياس درجة التطور البصري المقترح ذو المستويات الخمسة، القائم على مفهوم درجة التطور، أن "يربّع الدائرة"، أي أن يدمج المقاييس السبعة الأخرى المستقلة بعضها عن بعض إلى حد ما في مقياس واحد.

وتراعي تعريفات المقياس القدرات البصرية المفردة والتطبيقات الكاملة التي قد تدمج مكونات متعددة تنفذ قدرات مختلفة. وفي حالة التطبيقات، قد تكون مستويات أداء بعض المكونات مختلفة، وفي هذه الحالة يعتمد المقياس مستوى المكوّن الأعلى أداءً مستوىً للنظام التطبيقي. ويُلاحظ أيضاً أن القدرة أو التطبيق في مستوى معين يستطيع كذلك الأداء الجيد في جميع المستويات التي تدنوه.

المستوى الأول: درجة تطور بدائية

في المستوى الأول، لا تنطبق القدرات والتطبيقات إلا على مهمة واحدة، وقد تنجزها على نحو شبه تام، لكن في موقف شديد التقييد فحسب. ومعظم التطبيقات الصناعية ذات البيئات المصممة هندسياً بعناية تقع في المستوى الأول، ومن أمثلتها أنظمة فحص المنتجات في التصنيع، والتحكم في اللحام، وعدّ خلايا الدم، والتعرف على الرموز البريدية. وعلى نحو مماثل، قد تؤدي القدرة البصرية أداءً شبه تام، لكن في بيئة مضبوطة بعناية فحسب، ومع مجال ثابت من المشاهد والأشياء.

المستوى الثاني: درجة تطور متخصصة

في المستوى الثاني، لا تنطبق القدرات والتطبيقات البصرية إلا على مهمة واحدة، وقد تنجزها على نحو شبه تام، لكنها تستطيع التعامل مع بعض التنوعات، كالتنوع في الإضاءة، أو في موضع جهاز الاستشعار بالنسبة إلى المشهد، أو في المجال المرصود. وتستطيع التعامل مع وجود أشياء أخرى في المشهد، ومع التنوعات في سرعة الأفعال والتفاعلات وتوقيتها، وما إلى ذلك. ومن أمثلة التطبيقات في هذا المستوى تتبع المسارات في القيادة واكتشاف العوائق، واكتشاف الوجوه والتعرف عليها.

المستوى الثالث: درجة تطور عامة

يمكن تطبيق قدرات المستوى الثالث على عدة أنواع من البيانات ومحتوياتها، وإن لم يكن على جميعها، كصور المجاهر والصور الملونة العادية، وعلى البشر والقطع الميكانيكية والمشاهد الطبيعية وغير ذلك. وتستطيع التعامل مع قدر من التنوع في الإضاءة وفي شكل فئات الأشياء المستهدفة ومظهرها. ومن أمثلة قدرات المستوى الثالث اكتشاف الأشياء وعدّها وتتبعها في الصور الملونة العادية، وفي الصور الملونة المصحوبة بمعلومات العمق، وفي بيانات العمق، وفي البيانات المجهرية، ضمن مشاهد متناثرة العناصر على نحو معقول.

وتستطيع تطبيقات المستوى الثالث أداء أكثر من مهمة فرعية والتعامل مع التنوعات المعروفة في البيانات والمواقف. وثمة خياران لدرجة التطور في هذا المستوى. ففي الأول، تستطيع التطبيقات استخدام معظم القدرات في نطاق واسع من التطبيقات لكن بأداء دون أداء البشر، فهي أعم من المستوى الثاني لكنها بعيدة كل البعد عن أن تكون قابلة للاستخدام على نطاق واسع، وليس من الواضح ما إذا كانت لها أمثلة فعلية. وفي الثاني، تمتلك التطبيقات بضع قدرات مدمجة دمجاً وثيقاً بأداء مماثل للأداء البشري. ومن الأمثلة على ذلك نظام الرؤية في مركبة ذاتية القيادة متطورة، يستطيع دمج معلومات المسار والطريق والطقس وحركة المركبات الأخرى مع اكتشاف المركبات والعوائق والمشاة وتحديد مواضعهم وتتبعهم. وقد تستطيع هذه الأنظمة الركن الذاتي بالتحكم البصري، وتحليل هوية ركاب المركبة وسلوكهم وتلخيصه، وتمتلك قدراً كبيراً من قدرات الاكتشاف وتحديد المواضع وتحليل الحركة. وقد تحتاج إلى فهم الكثير عن سلوك السائقين الخاص بكل ثقافة، وهو ما يُرجح أن يتطلب درجة تطور من المستوى الرابع. وقد لا تتضمن عنصراً للتعلم، ولا تستطيع فعل الكثير خارج مجال المركبات ذاتية القيادة.

المستوى الرابع: درجة تطور متقدمة

يمكن تطبيق قدرات المستوى الرابع على نطاق واسع من أنواع البيانات ومحتوياتها، وإن لم يكن على جميعها، أي على صور المجاهر والصور الملونة العادية، وعلى البشر والقطع الميكانيكية والمشاهد الطبيعية. وتستطيع التعامل مع تنوعات واسعة في الإضاءة وفي شكل فئات الأشياء المستهدفة ومظهرها، والقيام بتمييزات أدق بين فئات الأشياء أو المواد المتشابهة، وتحسين أدائها بناءً على تغذية راجعة، ذاتية أو خارجية، بشأن نتائج أدائها. ومن الأمثلة على ذلك اكتشاف الأشياء وتتبعها في بيئة غير مقيدة جزئياً باستخدام بيانات من كاميرات مراقبة خارجية متعددة، حتى لو تغير مظهر الشيء المتتبع في أثناء حركته.

وتستطيع تطبيقات المستوى الرابع أداء مهام أو تطبيقات كثيرة ومختلفة، وإن لم تكن كل ما يستطيع الإنسان فعله، والتعامل مع نطاق واسع من التنوعات في البيانات والمواقف. ويقترب أداؤها من المستوى البشري في المهام التي تستطيع أداءها، ويمكن دمج المهام بحيث تصبح مخرجات إحداها بعضاً من مدخلات أخرى. وتستطيع القيام بتمييزات دقيقة بين الفئات المتشابهة، وتحسين أدائها بناءً على تغذية راجعة، ذاتية أو خارجية، بشأن نتائج أدائها الحالي.

ويمكن بلوغ المستوى الرابع ببساطة بتجميع تطبيقات مستقلة كثيرة ذات قدرات كثيرة معاً، وإن لم يكن ذلك مثيراً للاهتمام كثيراً. وسيكون الأمر أكثر إثارة للاهتمام لو كانت التطبيقات مركزة على مهمة بعينها، كروبوت مساعد في المطبخ. فمثل هذا الروبوت سيحتاج إلى التعرف على الأشكال، وتحديد مواضع الأشياء ونقاط المناولة، وتتبع الحركات، وتقييم جودة النتائج، والتحكم في الحركات، ضمن مهام أخرى ستستخدم قدرات أساسية كثيرة.

المستوى الخامس: درجة تطور بشرية

تؤدي قدرات المستوى الخامس وأنظمته مهامها بمستوى الأداء ذاته الذي يؤديه الإنسان، بما في ذلك التعامل مع جميع التنوعات التي قد يصادفها الإنسان، سواء صادفها من قبل أم لا: تغيرات الإضاءة، والمنظور، والتنوعات في الشكل أو المظهر أو الموضع، والتنوعات في المشهد، وما إلى ذلك. وتستطيع تحسين أدائها بناءً على تغذية راجعة ذاتية. وقد يتطلب المستوى الخامس من درجة التطور أيضاً دمج معلومات من كفاءات غير بصرية، كالاستشعار اللمسي أو الاستدلال القائم على النماذج.

وتستطيع تطبيقات الرؤية في المستوى الخامس فعل كل ما يستطيع نظام الرؤية البشري فعله بمستوى الأداء ذاته. ويشمل ذلك العثور على الأشياء، وتحديد حدودها، والتعرف عليها على المستويين العام والخاص، وتقدير مواضعها بدقة كافية لمناولتها، وتتبع الأشياء في أثناء حركتها، وفهم كيفية تفاعلها مع أشياء أخرى، وتعلم خصائص وأشياء وسلوكيات جديدة، والتعامل مع التنوعات المتوقعة والمستجدة في المجال والبيئة. ومن التطبيقات المحتملة في المستوى الخامس تحليل أداء لاعب كرة قدم في سيناريو مباراة فعلية، من حيث تمركزه في الملعب واستجاباته لمجريات اللعب.

ماذا عن الأداء؟

يظل الأداء مسألة غير محسومة في هذه المنهجية، فالبشر لا يؤدون دائماً بأقصى قدراتهم، وقد يؤدي بعض البشر أفضل من غيرهم. فلكي يُصنف تطبيق ما في المستوى الخامس، هل يجب أن يؤدي بمستوى أفضل شخص في العالم، وأن يحقق ذلك الأداء في كل مرة؟ أم أنه يؤدي بالمستوى المتوسط أو الأكثر شيوعاً لدى فئة معينة من البشر؟ ومن ثمّ فإن إطلاق وصف "المستوى الخامس" على قدرة أو تطبيق ما تقييم ذاتي وغير دقيق. وقد سعى المقياس إلى مستويات مختلفة نوعياً، مع أداء صحيح في معظم الأحيان.

ماذا عن درجة التطور الخارقة للقدرة البشرية؟

ثمة أكثر من ستمئة تطبيق تدفع تطوير قدرات الرؤية الحاسوبية، لكثير منها إمكانات تجارية كبيرة. وبفضل أجهزة استشعار أعلى دقة، وأجهزة استشعار متعددة من زوايا رؤية مختلفة، ونطاقات طيفية أوسع، وأساليب استشعار غير بشرية كالرادار والموجات فوق الصوتية، وقواعد بيانات أكبر، وخوارزميات أفضل، وغير ذلك، تستطيع بعض التطبيقات فعل أشياء لا يستطيع البشر فعلها، أو فعلها على نحو أفضل من البشر.

تقييم أدق لدرجة التطور؟

لعقود كثيرة قادمة، لن تبلغ تطبيقات الرؤية أداء المستوى الرابع أو الخامس في جميع القدرات الاثنتين والثلاثين التي يقوم عليها أداء أنظمة الرؤية. ولذلك، ولتقييم تقدم الرؤية الحاسوبية "داخلياً" بمزيد من التفصيل، قد يكون من المفيد اعتماد معيار للأداء يتيح تقييماً كسرياً للمستوى. ويشير التقييم الواقعي لتقدم تطبيق للرؤية الحاسوبية إلى أنه يُرجح وجود عدد من القدرات قريب من المستوى البشري، وعدد آخر في المستوى البشري، مما يفضي إلى تقييم أدق للمستوى يساوي تقريباً ثلاثة مضافاً إليها عدد القدرات القريبة من المستوى البشري مقسوماً على اثنين وثلاثين، وعدد القدرات البالغة المستوى البشري مقسوماً على اثنين وثلاثين.

لماذا تُعدّ الرؤية الحاسوبية صعبة؟

يصعب تطوير أدوات مفيدة للرؤية الحاسوبية، لكنها تعمل فعلاً في بعض المواقف.

قضايا الأداء الجوهرية

يعود السبب الجوهري في قصور أداء الرؤية الحاسوبية عن الكمال إلى التنوع في جمع البيانات وفي المشهد الطبيعي معاً. فالبيانات المدخلة إلى الحاسوب ترتبط عموماً بالمشهد المرصود، لكن ثمة عوامل متداخلة كثيرة. والحدس البشري غير موثوق في هذا الشأن، لأن العين والدماغ البشريين يجريان معالجة كبيرة لجعل البيانات البصرية مفيدة لنا بوصفنا بشراً. وعادة ما تلتقط الصور في العالم الحقيقي قدراً من التعقيد والتنوع يفوق ما في مجموعات البيانات المستخدمة في تطوير الخوارزميات، ومن ثمّ فإن الأداء الجيد على مجموعة بيانات معينة قد لا يترجم إلى أداء جيد بوجه عام.

قضايا البرمجيات والأنظمة

إلى جانب التحديات الكبيرة المتعلقة بالتنوع، تؤثر أيضاً قضايا البرمجيات والأنظمة المتعلقة بالقابلية للتفسير والتحسين وبموارد التطوير في انتشار استخدام تطبيقات الرؤية الحاسوبية. فلأن أساليب التعلم العميق تبقى إلى حد كبير "صندوقاً أسود"، يصعب تفسير قراراتها. وإلى جانب تأثيره في الجدارة بالثقة، يجعل غياب التفسيرات تحسين الأنظمة أمراً صعباً. وفي الوقت ذاته، تتطلب أنظمة الرؤية عالية الأداء مجموعات بيانات ضخمة من الأمثلة، يحتاج كثير منها إلى تدخل بشري لتصنيفه. فضلاً عن ذلك، فإن الأساليب الحالية القائمة على الذكاء الاصطناعي مكلفة، ففي حالة ChatGPT 4 بلغت تكلفة وقت الحوسبة اللازم لتطويره مئة مليون دولار أمريكي.

المواضع التي تنجح فيها الرؤية الحاسوبية

رغم التحديات السابقة، طُوّرت تطبيقات ناجحة كثيرة. ففي بعض الحالات، كالتعرف على الرموز البريدية المكتوبة بخط اليد واكتشاف الوجوه والتعرف على بصمات الأصابع، يجب أن تحقق هذه التطبيقات أداءً شبه تام كي تكون مجدية. وفي حالات أخرى، كالفحص الطبي الأولي والفحص الصناعي واكتشاف التغيرات، لا يكون الأداء شبه التام ضرورياً.

تقييم أهم مئة وعشرين تطبيقاً للرؤية باستخدام مقياس درجة التطور

كما ذُكر سابقاً، قُلصت القائمة الأولية التي تضم أكثر من ستمئة تطبيق للرؤية الحاسوبية إلى مئة وعشرين تطبيقاً قريبة من القابلية للاستخدام. وقُسمت هذه التطبيقات إلى تسع مجموعات في جدول البيانات: الزراعة، ومعالجة الوثائق، والبشر، ومعالجة الصور، والصناعة، والطب، والاستشعار عن بعد، والطرق والنقل، ومتفرقات.

ولكل تطبيق من التطبيقات المئة والعشرين، رُمّزت عشرون خانة وصفية: هدف التطبيق، ونوع المهمة كالتصنيف أو التعرف، والغرض كتقليل العمالة، ومصادر البيانات كالصور الملونة العادية، والأبعاد كأن تكون ديناميكية أو ثابتة، ومدى واقعية أحدث ما بلغه المجال كاستخدام بيانات اصطناعية، وتعقيد البيئة كوجود أشياء معزولة، وفئة التقنية كأن تكون تقليدية أو قائمة على التعلم العميق، ونطاق الأثر أي عدد المستخدمين، والمقاييس الخماسية السبعة لدرجة الاستكشاف واتساع المجال وتنوع المجال والمتانة والكفاءة والقابلية للاستخدام والخبرة، وروابط جداول الترتيب، وروابط مجموعات البيانات، والمراجع الرئيسية، وروابط الشيفرات المصدرية.

وباستخدام مقياس درجة التطور، صُنفت التطبيقات المئة والعشرون المختارة يدوياً، فتبين أن معظمها يقع في المستوى الثاني، إذ تستطيع التعامل مع بعض التنوعات البيئية والمجالية لكنها تقوم في الغالب على قدرة أساسية واحدة. وتنطوي بعض تطبيقات المستوى الثالث على قدرات متعددة. وثمة ثلاثة تطبيقات في المستوى الرابع تتطلب عدة قدرات مكافئة من المستوى الرابع، هي الإجابة البصرية عن الأسئلة المتعلقة بمقاطع الفيديو، والتلخيص الآلي لمقاطع الفيديو الرياضية، والوصف الآلي لمقاطع الفيديو.

ويمكن للمرء أن ينظر في كيفية التقييم الإجمالي لمستوى درجة التطور عبر جميع القدرات والتطبيقات. فمتوسط تقدير التطبيقات القائم على آراء الخبراء يبلغ 2.2. أما المستوى الإجمالي المقدّر لدرجة تطور القدرات بناءً على آراء الخبراء، والاستطلاع الجماعي، ChatGPT، فيبلغ 2.1 و3.3 و3.2 على التوالي. ومع أن الخبراء كانوا بوضوح أكثر انتقاداً لأحدث ما بلغه المجال، فمن الواضح أيضاً أن الرؤية لم تكن قريبة من المستوى الخامس لدرجة التطور، إذ لا يمكن تطبيق معظم القدرات والتطبيقات إلا في المواقف المقيدة التي دُربت عليها أو طُورت من أجلها.

علاقة مقياس درجة التطور البصري بمقاييس المنظمة الخماسية الأخرى

قد يفترض المرء وجود علاقة بين مقياس درجة التطور البصري ومقاييس الذكاء الاصطناعي الأخرى المقترحة، فمهارة الرؤية قد تتطلب بعض الوظائف من مهارة أخرى، ولا سيما في المستويين الرابع والخامس. فالتعرف على الأشياء أو الأفعال، مثلاً، يحتاج بوضوح إلى تمثيل متعلَّم للأشياء المراد التعرف عليها، أي إلى ما يتناوله مقياس المعرفة والتعلم والذاكرة. فضلاً عن ذلك، قد يحتاج التعرف أيضاً إلى مكوّن من حل المشكلات للتمييز بين أشياء مختلفة اختلافاً دقيقاً.

غير أن جميع أساليب درجة التطور البصري تقريباً تستخدم شكلاً من أشكال التعلم العميق، يُجرى فيه كل الاستدلال بطريقة عددية دون أي تمثيلات أو استدلالات صريحة. وثمة أبحاث كثيرة في آليات الانتباه الانتقائي، التي تُستخدم في سياق الشبكات العميقة لترجيح القيم العددية للنتائج الوسيطة، أي تعزيز المعلومات المفيدة وكبح غير المفيد منها.

فضلاً عن ذلك، يجمع أحد محاور أبحاث الرؤية النشطة بين المعالجة البصرية واللغوية، كما في وصف الصور ومقاطع الفيديو. غير أنه، مرة أخرى، لا تكاد توجد معالجة لغوية صريحة، بل يكون التمثيل والاستدلال ضمنيين في حسابات الشبكات العميقة المدربة تدريباً مكثفاً. وبعبارة أخرى، ينشأ السلوك المتكامل من طبيعة بيانات التدريب والقيود المفروضة على مخرجات الشبكات العميقة.

ومن ثمّ فإن تقييم العلاقة بين مقاييس الذكاء الاصطناعي المختلفة يجري على المستوى "الماورائي". فهل تتمتع قدرة بصرية في المستوى الثالث بأداء مماثل في حدود المستوى الثالث في المقاييس الأخرى؟ يشير التحليل أدناه إلى أن الأمر كذلك.

اثنتان وثلاثون قدرة بصرية تتيح تطبيقات الرؤية الحاسوبية

يؤدي كل تطبيق من تطبيقات الرؤية الحاسوبية المختلفة، البالغ عددها أكثر من ستمئة، وظيفة محددة. فما القدرات الكامنة التي تتيح هذه التطبيقات؟ لقد حدد تحليل هذه التطبيقات نحو عشرين حزمة برمجية متينة على نحو معقول، أفضت إلى تحديد اثنتين وثلاثين قدرة بصرية رئيسية. ولذلك آثار على إمكانية تعريف مقياس من خمسة مستويات. فمعظم التطبيقات القابلة للاستخدام لا تقوم إلا على بضع قدرات، وأبحاث الرؤية الحاسوبية لا تحاول عادة إلا تطوير قدرة واحدة في أي مشروع بعينه. فضلاً عن ذلك، لا يمكن عادة تطبيق القدرات المنفذة إلا على فئة محدودة من البيانات، فقد تنطبق على فيديو المركبات ذاتية القيادة مثلاً، لكن لا على صور خطوط الإنتاج في المصانع أو شرائح علم الأمراض الطبية.

وفي المقابل، يمتلك نظام الرؤية البشري جميع هذه القدرات بمستوى ما من الأداء. فإذا أُعطي البشر بيانات ضمن النطاق الطيفي أو نطاق الإضاءة المرئي لهم، أو محولة بجهاز استشعار ما إلى بيانات بصرية ملائمة، فإنهم يستطيعون ما يلي:

أولاً، اكتشاف البنى ضمن نطاق مادي أو زمني ملائم، أي ألا تكون كبيرة جداً أو صغيرة جداً، وألا تتغير أو تتحرك بسرعة مفرطة أو ببطء مفرط، وأن يكون لها تباين كافٍ.

ثانياً، تحديد حدود الأشياء أو الأحداث مكانياً وزمانياً حتى حد معين من الدقة.

ثالثاً، تقدير الخصائص المادية تقديراً تقريبياً في العموم، والأعداد الصغيرة، والخصائص النسبية، والعلاقات المكانية بين عدد قليل من الأشياء.

رابعاً، تتبع الأشياء بصرياً ما لم تكن سريعة جداً أو بطيئة جداً، ومحاذاة الأشياء ما لم تكن كبيرة جداً أو صغيرة جداً، واكتشاف التغيرات ما لم تكن سريعة جداً أو بطيئة جداً.

خامساً، التقدير التقريبي للموضع المطلق للأشياء وحجمها بالنسبة إلى أنفسهم، ومحاذاة البنى بهامش خطأ يتوافق مع الدقة المكانية والزمانية البشرية، والاستنتاج التقريبي للشكل ثلاثي الأبعاد للأشياء المعروفة من بيانات ثنائية الأبعاد.

سادساً، التصنيف العام لبضع مئات من الفئات الفرعية لعدد قليل من الفئات، وتعميم فهم الأشياء والأفعال ذات المقياس البشري، والتعرف على الأنماط المكانية أو الزمانية المتكررة البسيطة، والتعرف على كثير من الرموز الخاصة بثقافات بعينها.

سابعاً، التعلم السهل للأشياء والأفعال الجديدة ذات المقياس البشري، والعلاقات المكانية أو الزمانية. ومع قدر كبير من الممارسة، يستطيع البشر تعلم أنماط بصرية مكانية وزمانية أكثر تعقيداً.

وبعبارة أخرى، يمتلك البشر معظم القدرات المدرجة أدناه، غير أن القدرات البشرية مقيدة عموماً بنطاق من الترددات البصرية، ونطاقات ودرجات دقة مكانية وزمانية، ودرجات من تعقيد المشاهد، مع تقدير الكميات العددية تقديراً تقريبياً. أما الأنظمة الآلية فقد تمتلك بعض هذه القدرات، لكن ربما على مقاييس أدق وأوسع معاً. ومن ناحية أخرى، يستطيع البشر عادة أداء القدرات الاثنتين والثلاثين جميعها بمستوى عالٍ ضمن نطاق محدود من القابلية للتطبيق، في حين لا تستطيع معظم أنظمة الرؤية الآلية عموماً إلا أداء بضع منها، وكثيراً ما يكون ذلك بمستوى أدنى.

فهل يعود اقتصار الذكاء الاصطناعي على حالات الاستخدام الضيقة التي تزيد على ستمئة، بدلاً من أدائه بوصفه نظام رؤية عام الغرض، إلى حدود في قدرات الإدراك أم إلى حدود في قدرات الاستدلال والمعرفة؟ يرى المؤلفون أن لهذا السؤال ثلاثة جوانب: أولها أن نظام رؤية عام الغرض من المستوى الخامس سيحتاج إلى أن تؤدي معظم القدرات الاثنتين والثلاثين، إن لم يكن جميعها، في المستوى الخامس، وهو ما لم يتحقق بعدُ. وثانيها أنه لم يُبذل بعدُ أي جهد جوهري لدمج هذه القدرات، ولو حتى إلى مستوى الخيار الأول من المستوى الثالث المذكور آنفاً. وثالثها أن كثيراً من التطبيقات تتطلب تدريباً متخصصاً لأدائها في المستوى الخامس، أي إن الإنسان المدرب يستطيع أداء تطبيق ما في المستوى الخامس، لكن لا يوجد إنسان يستطيع أداء جميع التطبيقات في المستوى الخامس.

وتُجمع القدرات الاثنتان والثلاثون في سبع مجموعات، على النحو المفصل أدناه.

ملخص القدرات الاثنتين والثلاثين

المجموعة الأولى، قدرات الاكتشاف: اكتشاف وجود الأشياء في الصور ومقاطع الفيديو، دون تحديد موضعها في الصورة أو توقيتها في الفيديو بدقة؛ واكتشاف حالة من شيء أو بنية ما وتحديد حدود موضعها في صورة أو فيديو؛ واكتشاف الارتباطات المكانية أو الزمانية، كأن يظهر شيئان معاً دائماً في صورة ما، أو متقاربين زمنياً في فيديو ما.

المجموعة الثانية، قدرات تحديد المواضع: التقطيع المكاني للأشياء أو المناطق، أي تحديد حدود موضع الشيء؛ والتقطيع الزمني للفيديو، أي تحديد أوقات بدء نشاط ما وانتهائه.

المجموعة الثالثة، قدرات الوصف وتقدير الخصائص: تقدير خصائص الأشياء أو المناطق أو أجهزة الاستشعار أو الصور، سواء أكانت خصائص ذاتية كاللون والحجم والمساحة أو الحجم الفراغي والشكل والمسارات والتفاعلات والاهتزاز ودرجة التركيز البؤري، أم خصائص تقديرية قائمة على المعرفة أو الأنماط كحالة المرض ودرجة النضج والجماليات والعمر والتشابه والسمات الحيوية وإمكانات الاستخدام؛ وعدّ الأشياء أو المناطق أو حالات الأحداث؛ وتقدير التوزيع الإحصائي المكاني أو الزماني للأشياء أو الأحداث؛ وتقدير خصائص الأفعال كالسرعة والدقة والجودة؛ وتلخيص الأنماط المكانية، كالمواضع النسبية للأشياء وفق نماذج هندسية؛ وتلخيص الأنماط والتوزيعات الزمانية، كالتوقيت النسبي للأحداث ومدتها.

المجموعة الرابعة، التحليل الزمني وتحليل الحركة: تتبع الأشياء في بعدين أو ثلاثة أبعاد؛ واكتشاف التغيرات، كتغير موضع الشيء أو ظهوره واختفائه أو تغير شكله أو خصائصه؛ والتحكم البصري والمحاذاة والتحكم بالتغذية الراجعة.

المجموعة الخامسة، تحليل المواضع والتحليل الهندسي: تقدير الموضع الهندسي للأشياء أو العوائق في الفضاء ثلاثي الأبعاد أو في المشهد؛ وتقدير وضعية الأشياء في بعدين أو ثلاثة أبعاد؛ وتقدير وضعية الكاميرا أو الوضعية الذاتية؛ ومحاذاة الأشكال مع البيانات أو البيانات مع البيانات ومطابقتها؛ وإعادة بناء الأشكال ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد أو رباعية الأبعاد من بيانات جزئية.

المجموعة السادسة، التعرف على الأنماط والتصنيف: تصنيف الصور ومقاطع الفيديو، كصورة لشاطئ أو فيديو لمباراة كرة سلة؛ وتصنيف الأشياء بحسب فئتها العامة، كالقطط والكلاب والسيارات والناس والأشجار والنجوم؛ والتصنيف الدقيق للأشياء، كالتعرف على الأشخاص بأعيانهم أو على سلالات الكلاب؛ والتعرف على الأنماط الزمانية قصيرة الأمد، كالإيماءات والتعابير؛ والتعرف على الأنماط الزمانية طويلة الأمد، كالخطط التكتيكية في الرياضة، والأنشطة على مدرج المطار، وأحداث السطو؛ وفهم الأنماط الخاصة بمهام معينة، كالنوتات الموسيقية والمخططات الهندسية؛ ومقارنة الأشكال أو الخصائص لأغراض الفحص أو التحقق أو التوثيق؛ وفهم الأنماط البصرية الرمزية، كحروف الكتابة والمعادلات والنوتات الموسيقية والرموز الشريطية ورموز الاستجابة السريعة ورموز الخرائط؛ والتعرف على العلاقات الهرمية بين الأجزاء والأجزاء الفرعية، مكانياً وزمانياً، أي أجزاء شيء مركب أو أجزاء حدث معقد.

المجموعة السابعة، التعلم البصري تحديداً: تعلم نماذج الأشياء أو الأحداث وخوارزميات استخلاصها أو التعرف عليها، أي بناء تمثيل ضمني أو صريح أو وظيفي أو قائم على المظهر انطلاقاً من أمثلة معطاة؛ وتعلم خصائص الصور ومقاطع الفيديو والأشياء والأحداث وخوارزميات استخلاصها، كالشكل والمظهر والسلوك؛ وتعلم نموذج للتنوع المسموح به وخوارزميات تقدير معاملاته، سواء أكان بارامترياً أم إحصائياً أم متعلقاً بزاوية الرؤية أو الإضاءة؛ وتعلم تعميمات الفئات وخوارزميات استنتاجها، كتعلم أن نماذج الكراسي المفردة تنتمي جميعها إلى فئة "الكرسي".

تحليلات عدة للقدرات باستخدام مقياس درجة التطور

رأي الخبراء في مستويات درجة التطور لثلاثين قدرة

مُنحت كل قدرة من القدرات الثلاثين مستوى تقديرياً حالياً لدرجة التطور، وأُضيفت قدرتان أخريان بعد التحليل. وتبين أن معظم القدرات تقع في المستويات الدنيا من درجة التطور.

رأي المجتمع العلمي في مستويات درجة التطور للقدرات الثلاثين الأصلية

طلب استطلاع من المشاركين تقدير المستوى الحالي لدرجة التطور للقدرة التي يمتلكون فيها أكبر قدر من الخبرة. وعُمم الاستطلاع على نحو اثنين وخمسين ألف شخص ممن نشروا في أدبيات الرؤية الحاسوبية وتحليل الصور، فلم يرد منهم إلا سبعة وخمسون شخصاً، وإن أبدى كثير منهم رأيه في أكثر من قدرة. ووردت أيضاً اقتراحات بإضافة قدرات تأسيسية أخرى، كان أفضلها اكتشاف الحالات الشاذة، وإن تداخل مع مقارنة الأشكال أو الخصائص لأغراض الفحص أو التحقق أو التوثيق. وخلاصة القول إن مجتمع الرؤية الحاسوبية رأى أن أحدث ما بلغه المجال أقرب إلى المستوى البشري مما يراه الخبراء.

رأي ChatGPT في مستويات درجة التطور للقدرات الثلاثين

طُلب من طالب دكتوراه سابق لدى أحد المؤلفين أن يجيب عن الاستطلاع، كما طلب الطالب من ChatGPT 4o أن يجيب عنه. ووُجه إلى ChatGPT النص الآتي ثم أُعطي الاستطلاع: "أنت خبير في الرؤية الحاسوبية، ويُطلب منك الآن تقييم التقنيات الآتية من حيث المرحلة التي بلغتها القدرات الكامنة فيها. لكل قدرة مقياس لأحدث ما بلغه المجال من واحد إلى خمسة، مع وصف مصاحب لكل قيمة يتوافق إجمالاً مع ما يلي: واحد يعني أداءً خوارزمياً أساسياً، وخمسة يعني خبرة بالمستوى البشري. وإن لم تكن تعرف الإجابة فتخطّ السؤال".

وقد قدّر ChatGPT مستوى أداء أفضل في معظمه من الأداء الخوارزمي "التقليدي"، أي أعلى من المستوى الثاني، لكنه لم يقترب كثيراً بعدُ من المستويات البشرية. ويُرجح أن يكون هذا التقييم قائماً جزئياً على نتائج استطلاعات تقليدية ذات توزيع غاوسي مركزي لا على فهم أعمق لأحدث ما بلغته الرؤية الحاسوبية.

مقارنة بين مقاربات التقييم الثلاث

تقدم المقاربات الثلاث ملخصات مختلفة لأحدث ما بلغته القدرات الثلاثون، وتشير جميعها إلى حد كبير إلى الحاجة إلى مزيد من التطوير لبلوغ الأداء بالمستوى البشري. وتقييم "الخبراء" هو الأبعد عن المستوى البشري، وتقييم المجتمع العلمي هو الأقرب إليه. وبوصفهم "خبراء"، يحدس المؤلفون أن المجتمع العلمي كان ينظر في الأداء على مجموعات بيانات اختبارية محدودة متاحة، لا في الحالة الأكثر تطلباً وعمومية في "البيئة الطبيعية".

وتبين المقارنة بين التقييمات الثلاثة وجود ارتباطات ضعيفة بينها، وربما يكون ChatGPT والمجتمع العلمي مرتبطين ارتباطاً طفيفاً. وقد لا يكون ذلك مفاجئاً، لأن ChatGPT استقى على الأرجح نموذجه من الأوراق البحثية التي ينشرها المجتمع العلمي.

ولقياس التحسن في التطورات المستقبلية قياساً كمياً، قد تكون الحاجة قائمة إلى معيار كمي أفضل، وإلى مجموعة أكبر من الخبراء الذين يكرسون الوقت لتطوير المقياس والتحليلات بصرامة أكبر.

القضايا الأخلاقية الناشئة عن استخدام المقياس

كما أُشير في الأدبيات العلمية وفي وسائل الإعلام عموماً، قد تنشأ قضايا أخلاقية كثيرة عن تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره. ومعظم القضايا المبرزة أدناه ليست خاصة بالرؤية الحاسوبية، لكن المخاوف الخاصة بها محددة فيما يلي.

قضايا التطوير

أولاً، مصدر البيانات: تُبنى أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، ومنها أنظمة الرؤية الحاسوبية عموماً، باستغلال كميات كبيرة من البيانات. وتنشأ المشكلات الأخلاقية من مصادر مجموعات البيانات هذه، إذ بات من الشائع "كشط" الإنترنت لجمعها. وفي حالة الرؤية الحاسوبية، تتألف هذه البيانات من الصور ومقاطع الفيديو وبياناتها الوصفية والتعليقات والنصوص المحيطة بها، التي تُستخدم وسوماً لتصنيف بيانات الصور. وكثيراً ما تمنع شروط استخدام هذه البيانات وأحكامه استخدامها في تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي تجارية، لكن يبدو أن ذلك لم يوقف هذه الممارسة. غير أن قضايا بدأت تُرفع أمام المحاكم، كتلك التي يرفعها فنانون يدّعون أن أعمالهم المحمية بحقوق المؤلف تُستخدم في تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي متعددة الوسائط. ويمكن وضع ملفات توجيه برامج الزحف أو علامات أخرى في صفحات الويب لوقف هذه الممارسة، لكن ذلك لا يجدي إلا إذا احترمت أداة الكشط هذه الإشارات.

ثانياً، تحيز البيانات: يصعب ضمان أن تعكس مدونة التدريب بدقة التنوع الكامل لمجال التطبيق الممكن، وبدون هذا التنوع قد يكون النظام متحيزاً أو ضعيف الأداء. ففي مجال الرؤية الحاسوبية، مثلاً، تضمّن نظام لطلبات جوازات السفر الإلكترونية اشتراط تعبير محايد للوجه، لكنه في حالة نالت تغطية واسعة رفض صورة شخص من أصل أفريقي لأنه "رأى" شخصاً مبتسماً.

ثالثاً، استغلال البشر: كثيراً ما يُستعان بالبشر في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية مثلاً قد يشارك البشر في وسم الصور ومقاطع الفيديو. وأحياناً يُستقطب أشخاص مؤهلون ومدربون تدريباً ملائماً ويُمنحون أجوراً ملائمة، لكن كثيراً ما يُدفع لـ"العاملين الجماعيين" أجور تقل كثيراً عن الأجور السائدة في البلد الذي يُطور فيه الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمكن عدّه استغلالاً. وقد يفضي ذلك أيضاً إلى وسم رديء الجودة، لأن دافع العاملين ينحصر في أداء المهمة بأسرع ما يمكن لا بأدق ما يمكن. فضلاً عن ذلك، قد لا يراعي استقطاب العاملين التنوع الملائم والضروري، مما يفضي إلى وسم متحيز.

قضايا النشر

أولاً، الخصوصية: من مجالات التطبيق التي كثيراً ما تُذكر للرؤية الحاسوبية المراقبة، فالقدرة على التعرف على الوجوه مفيدة بوضوح لسلطات من أنواع مختلفة. ومن التطبيقات الحميدة البوابات الآلية لجوازات السفر في المطارات، حيث يعبر المسافر الحدود الدولية طوعاً، فما دامت البرمجيات لا تحتفظ بالصورة، يبدو أنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق كثيراً. غير أن سلطات إنفاذ القانون ستجد من المفيد انتقاء الأشخاص المثيرين للاهتمام في مكان عام، والقضية الأخلاقية هنا هي ما إذا كانت خصوصيتهم تُنتهك، ولا سيما حين تُتتبع المواقع المختلفة التي تعرّف فيها عليهم وتُخزن. وتضع بعض الأماكن لافتات صريحة تفيد بأن مثل هذه الأنظمة قيد التشغيل، مما يتيح للشخص أن يختار دخول المنطقة أو عدمه، ولا سيما إذا كانت مكاناً خاصاً كالملعب. غير أن كثيرين يرون في التتبع في الأماكن العامة عشوائياً انتهاكاً لحقوقهم المدنية. وبوجه عام، تكتسب الموافقة المستنيرة أهمية في نشر أي نظام للذكاء الاصطناعي.

ثانياً، عواقب أخطاء النموذج: كما أُشير سابقاً، قد يكون النظام متحيزاً لأن بيانات تدريبه لا تعكس إحصاءات مجال النشر على النحو الصحيح. لكن حتى لو عكستها، يظل احتمال التصنيف الخاطئ قائماً، فانخفاض الضبط أو الاستدعاء قد يولّد أخطاء في النظام. فقد يصنف النظام شخصاً بريئاً خطأً على أنه مطلوب، أو قد يغفل في أثناء تنظير القولون عن الاكتشاف البصري لزائدة لحمية، مما قد يفضي إلى عواقب مميتة إذا اعتمد عليه الطبيب المعالج.

ثالثاً، الإنصاف: يجب أن يكون نشر أي نظام للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أنظمة الرؤية الحاسوبية، منصفاً، واستخدام بيانات متحيزة في تدريب النظام قد يفضي إلى نظام غير منصف. لكن حتى لو طُور النظام باستخدام بيانات "غير متحيزة"، فقد لا يعكس التوزيع الإحصائي للحالات في مجال النشر، سواء إجمالاً أو بمرور الوقت مع تغير العالم، وهو ما يُعرف بـ"الانجراف الزمني".

رابعاً، المساءلة والشفافية: في تطبيقات كثيرة، يجب أن يكون الأساس المنطقي للقرار شفافاً وقابلاً للتفسير عند الحاجة. بل قد يكون ذلك متطلباً قانونياً في بعض الولايات القضائية، إما لاعتبارات أخلاقية أو لمخاوف تتعلق بالسلامة أو غيرها. وتواجه أنظمة الرؤية الحاسوبية الحديثة المبنية على تقنية الشبكات العميقة صعوبة في الارتقاء إلى هذا المثال.

خامساً، سوء الاستخدام: قد يُستخدم نظام طُور لتطبيق أو مجال معين في مجال ذي صلة لم يُحصل فيه على موافقة أخلاقية، أو في مجال لم تُجز فيه بيانات التدريب أو لا يكون فيه استخدام النظام آمناً. وينطبق ذلك بوضوح على التعرف على الوجوه. ومن الأمثلة الأخرى سيارة ذاتية القيادة دُربت على بيانات حركة المرور في بلد ما لكنها تُستخدم في بلد آخر بمواقف مرورية وسلوكيات مختلفة وأشياء متوقعة مختلفة يتعين اكتشافها. ففي بلدان كثيرة، على سبيل المثال، قد يُتوقع وجود حيوانات بأشكال وأحجام مختلفة، ويقل كثيراً التقيد بتوقع أن تبقى المركبات داخل علامات الطريق.

سادساً، السلامة: مع تزايد انتشار أنظمة الرؤية الحاسوبية في الأنظمة الآنية، ثمة خطر من تفويض سلطة اتخاذ القرار إلى هذه الأنظمة، والقيادة الآلية مثال واضح على ذلك. ويعرّض هذا النشر سلامة مستخدمي النظام، كالركاب، وسلامة أطراف ثالثة، كالمشاة، للخطر. ويرى كثيرون أيضاً وجوب حظر الأسلحة الموجهة آلياً، فمنذ عام 2018 أعلنت الأمم المتحدة أن أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل غير مقبولة سياسياً وبغيضة أخلاقياً، ودعت إلى حظرها بموجب القانون الدولي.

سابعاً، الأثر الاقتصادي: لإمكانية إحلال الذكاء الاصطناعي، جزئياً، محل الوظائف اعتبارات أخلاقية، لأنها قد تفضي إلى البطالة أو تقليص العمالة. والواقع أن التقنية كان لها هذا الأثر دائماً، وإن كانت وظائف جديدة تُستحدث في الغالب. وينبغي أن يراعي نشر أي نظام للرؤية الحاسوبية الأثر الاقتصادي بعناية، وقد تكون هناك بطبيعة الحال مكاسب اقتصادية أو صحية أو مجتمعية موازنة، ولا سيما إذا وُضعت تدابير تخفيف لدعم المتأثرين.

ثامناً، الاعتبارات الثقافية: تتفاوت أعراف اجتماعية وتوقعات مجتمعية كثيرة بين البلدان، وينبغي احترامها عند نشر الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أنظمة الرؤية الحاسوبية. ويشمل ذلك قضايا التعرف على الوجوه، وكذلك تفسير الأشياء والأحداث، فإيماءة الرأس قد تعني عموماً "القبول" في بلد ما، بينما قد تعني العكس في بلدان أخرى.

وترتبط هذه القضايا الأخلاقية المحتملة بالمقياس ذي المستويات الخمسة بطرق مختلفة. فقضايا التطوير المذكورة مستقلة نسبياً عن المقياس بوجه عام، لأن المقياس يتعلق بالتطبيقات المنشورة أو القابلة للنشر، وإن كانت قد تؤثر في القدرة على بلوغ المستويات العليا منه. فالقيود المتعلقة بمصدر البيانات قد تحد من المستوى القابل للبلوغ على المقياس، أو على الأقل من سرعة بلوغه. والقضايا المتعلقة بتحيز البيانات قد تؤثر فيما إذا كان النظام المنشور سيتوصل إلى القرار ذاته الذي يتوصل إليه الإنسان، بالنظر إلى التحيزات الموروثة من بيانات التدريب، علماً بأن البشر أيضاً يتخذون قرارات متحيزة، ولا سيما ما يتعلق بالتحيز اللاواعي. أما القضايا المتعلقة باستغلال البشر فقد تؤثر في القدرة على بلوغ المستويات العليا إذا كانت بيانات التدريب موسومة على نحو خاطئ أو غير ملائم.

أما قضايا النشر المحددة فترتبط بوجه عام بخطر نشر نظام ما، حتى لو كان في مستوى القدرة البشرية أو قريباً منه. فقضايا الخصوصية تشير إلى أن نظاماً حتى في المستوى الخامس قد لا يكون قابلاً للنشر، أو قد تُقيد المجالات أو المناطق الممكنة لنشره. وتتشابه القضايا المتعلقة بعواقب أخطاء النموذج والإنصاف والسلامة في أنها تتعلق بالأخطاء المحتملة للنظام: فإذا وقع خطأ، فما عواقبه، ومن أو ما الذي يتحمل المسؤولية؟

فالبشر يخطئون أيضاً، ومن ثمّ قد يكون النظام في المستوى البشري، لكن المساءلة تكون أقل وضوحاً. بل إن القضايا المتعلقة بالمساءلة والشفافية تذهب أبعد من ذلك بالمطالبة بالقابلية للتفسير. فمن حيث المبدأ، يستطيع البشر دائماً تقديم مسوغات منطقية لقراراتهم، وإن كانت ثمة أدلة نفسية على أن الأسباب المعلنة للقرار قد تختلف عن عملية اتخاذ القرار الفعلية، وأن فعل التفسير قد يدفع الإنسان، أو حتى الآلة، إلى إعادة النظر في رأيه الأصلي. ولا ترتبط قضية سوء الاستخدام بالمقياس مباشرة، لكن كلما ارتقى النظام على المقياس، ازداد إغراء إساءة استخدام النظام أو القدرة. وعلى نحو مماثل، لا تؤثر قضايا الأثر الاقتصادي والاعتبارات الثقافية في المقياس، بل تتأثر بالمستوى الذي يبلغه التطبيق على المقياس، إذ يتعاظم القلق أو الخطر الأخلاقي مع تزايد القدرة.

الاستنتاجات

يتأمل هذا القسم الأخير في حدود الدراسة ويستشرف التطبيقات المستقبلية.

استناداً إلى النقاش السابق، فإن كثيراً من تطبيقات الرؤية الحاسوبية ملائم بالفعل للاستخدام عالي الأداء. فربما يمكن تطبيق ما بين خمسين وثمانين منها بصورة عامة، وما بين خمسين وثمانين أخرى في مواقف مضبوطة بعناية. ومن ناحية أخرى، يعني ذلك أن ما بين أربعمئة وخمسمئة تطبيق ليست جاهزة بعدُ للاستخدام العام والموثوق. فالنماذج اللغوية الكبيرة تضم قدراً كبيراً من المعرفة البشرية، فضلاً عن الكفاءة في معالجة اللغة، ولذلك فهي قابلة للاستخدام على نحو أعم. وفي المقابل، فإن جميع تطبيقات الرؤية الحاسوبية ذات المستويات العالية من القابلية للاستخدام والخبرة متخصصة في مجال أو مهمة بعينها.

الحدود

لم يتناول التحليل ثلاث قضايا على الأقل:

أولاً، السرعة: عند النظر في القابلية للاستخدام، ركز المؤلفون على الكفاءة والدقة، وتجاهلوا ما إذا كان تطبيق الرؤية الحاسوبية قادراً على التنفيذ بسرعة كافية ليكون عملياً. وقد لا تكون هذه سوى قضية ثانوية، لأن معظم البرمجيات البحثية مبنية بلغة البرمجة Python، وأي تطبيق فعلي قابل للاستثمار سيُعاد ترميزه وتحسينه، فيكون في هذه الحالة أرجح أن يعمل بسرعة كافية. وفي المقابل، يمكن النظر في عتاد خاص الغرض أو معالجة قائمة على الحوسبة السحابية.

ثانياً، الخصوم: افترض المؤلفون أن التطبيق سيُستخدم على النحو المقصود وسيُطبق على بيانات عادية. غير أن تقنية التعلم العميق في معظم التطبيقات يمكن خداعها ببيانات عُدّلت بطريقة ما لا يدركها البشر في الغالب. ويصعب تقييم مدى قابلية مجموعة التطبيقات المراجعة للاختراق دون تجارب مستفيضة.

ثالثاً، القابلية للتفسير: حسّن كثير من التطبيقات عالية الأداء المراجعة ضمن المجموعة المؤلفة من مئة وعشرين تطبيقاً، وإن لم يكن جميعها، دقتَها باستخدام أساليب الشبكات العميقة. ومكاسب الأداء مهمة، لكنها جاءت على حساب القابلية للتفسير. فالشبكات العميقة تنتج عموماً نتائج لا يمكن تفسيرها بمفاهيم يفهمها حتى الخبراء، في حين تميل الأساليب الخوارزمية التقليدية إلى أن تكون أيسر كثيراً في الوصف والفهم.

ما الذي سيساعدنا على نشر الرؤية الحاسوبية على نطاق أوسع؟

نُشرت أكثر من ثلاثمئة ألف ورقة بحثية في موضوعات تحليل الصور والرؤية الحاسوبية، غير أن تطبيقات الرؤية الحاسوبية المستقلة المجدية بوجه عام قليلة. وفي هذا القسم الفرعي، يستشرف المؤلفون سبل زيادة قابلية أساليب الرؤية الحاسوبية للاستخدام.

الدعم شبه المستقل

تفترض تطبيقات كثيرة في تحليل الصور والرؤية الحاسوبية نوعاً من المعالجة المستقلة. ولو تعاون البشر والحواسيب بطريقة ما، فقد تصبح تطبيقات أكثر ممكنة. فلو حدد النظام مثلاً الآفات السرطانية المحتملة كي يراجعها الطبيب، فقد يقلل ذلك من الآفات التي تفوت ملاحظتها، ويستطيع الطبيب المتعاون المساعدة في تأكيد فرضيات الآفات أو رفضها. وقد بدأ ذلك يحدث بالفعل في فحص سرطان الثدي أو الكشف عن الزوائد اللحمية في القولون.

ومن الفوائد الإضافية المحتملة أن التطبيقات شبه المستقلة تُبقي البشر في حلقة العمل، فتحقق مكاسب في الأداء بالجمع بين الخبرة البشرية والآلية دون أن تحل بالضرورة محل الوظائف. ولننظر في موقفين: في الأول يجعل الذكاء الاصطناعي الإنسانَ أفضل أداءً، كألا تفوته الآفات، دون أن يجعله بالضرورة أسرع؛ وفي الثاني يجعل الذكاء الاصطناعي الإنسانَ أسرع، كأن يعالج الذكاء الاصطناعي معظم الصور باستقلالية حين تكون ثقته عالية جداً ولا يستدعي الإنسان إلا عند الشك. والموقف الأول لن يقلل التوظيف على الأرجح، أما الثاني فقد يقلله.

ويكتسب إشراك البشر في العملية أهمية خاصة في المجالات التي تنطوي على مخاطر على البشر، كالتطبيقات الطبية والعسكرية.

النماذج التأسيسية

أُجري قدر كبير من البحث في النماذج التأسيسية لتطبيقات اللغة الطبيعية. وتجمع هذه النماذج بطريقة ما بين فهم اللغة، من كلمات وقواعد، والبنى الأكبر كالجمل والفقرات، كما تمثل قدراً كبيراً من المعرفة بالعالم الحقيقي التي سبق وصفها لغوياً، كما في ويكيبيديا.

ويجري عمل مماثل في تحليل الصور، يُنتج عموماً وصفاً عاماً للصورة أو الفيديو المدخل. والفكرة العامة هي ترميز كثير من الصور ومقاطع الفيديو في شبكة عميقة عالية الأبعاد، تستخلص بطريقة ما جوانب البيانات التي تحتاجها التطبيقات المختلفة وتمثلها، كالأشياء والأشكال والملامس والألوان والعلاقات والحركات والإضاءة وزوايا الرؤية والخصائص.

وتثير كمية البيانات اللازمة لتدريب تطبيقات الرؤية الحاسوبية القائمة على الشبكات العميقة القلق. فالمزيد من البيانات يعني عموماً مزيداً من التنوع في بيانات التدريب، وهو ما يرفع الأداء بدوره، لكن ذلك يأتي بتكلفة بشرية هائلة عموماً لجمع البيانات ووسمها، وقد أفضى ذلك إلى ظهور أنشطة تجارية جديدة. وقد تتيح النماذج التأسيسية يوماً ما تطوير التطبيقات بتكلفة أقل وسرعة أكبر باستخدام عدد قليل فقط من العينات الموسومة، بالبناء على الخبرة المرمّزة سلفاً في النموذج.

والنماذج التأسيسية موضوع أبحاث أولية كثيرة، ولا يزال غير واضح مدى جودة أدائها بوجه عام، ومدى فائدتها بوصفها معالجة مسبقة عامة الغرض لتطبيقات محددة.

مزيد من الاستثمار، ولكن في ماذا؟

يستغرق جعل تطبيق محدد من تطبيقات الرؤية الحاسوبية موثوقاً بما يكفي ومجدياً اقتصادياً عدة مئات من سنوات العمل البشري في التطوير، ولذلك فإن قرار اختيار التطبيقات التي ستُطور قرار اقتصادي.

ويرى المؤلفون أن المركبات ذاتية القيادة بالكامل لن تنتشر على الأرجح قريباً في مواقف عامة ومتنوعة، لكن يمكن توقع تحسينات إضافية في السلامة تدعم السائقين، بفضل الاستثمارات الكبيرة لمصنعي المركبات في المركبات ذاتية القيادة. فالسيارات الأحدث والأغلى ثمناً تقدم بالفعل تحذيرات، أي اقتراحات، بشأن الأشياء في النقطة العمياء للسيارة، والانحراف عن المسار، والاقتراب من عائق أمامي بسرعة مفرطة، وما إلى ذلك. ويبدو من المرجح أن تفضي أبحاث السيارات ذاتية القيادة إلى تحذيرات بشأن المشاة الموجودين في مسار المركبة أو المقتربين منه، والمشاة في النقاط العمياء، والمركبات الأخرى التي تتحرك نحو الحيز ذاته، وتراجع ظروف القيادة، وتشتت انتباه السائق، وغير ذلك. وكما في أنظمة التحذير الأخرى، كاكتشاف المتسللين إلى المناطق المحظورة، ثمة حاجة إلى معدل منخفض من الإنذارات الكاذبة، وإلا فإن المشغلين سيعطلون هذه الميزة.

ومن المجالات الأخرى التي يبدو أنها تتطور بسرعة، وقد تصبح قابلة للاستخدام على نطاق واسع خلال خمس سنوات إلى عشر، اكتشاف الأعشاب الضارة في الحقول الزراعية الواسعة، وحصاد الفواكه، والرصد البيئي. وثمة تطبيقات كثيرة ممكنة ضمن ما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي من أجل الخير"، ولا سيما في مجالي الرعاية الصحية والسلامة، غير أن تكاليف التطوير والنشر عوامل مقيدة.

وتميل نماذج التعلم العميق إلى تحقيق دفعة في الأداء مقارنة بأساليب الرؤية الحاسوبية التقليدية. وفي ضوء ذلك، ومع القلق إزاء انعدام القابلية للتفسير، سيكون من المهم تطوير أساليب لتفسير الأسباب الكامنة وراء نتائج هذه الأنظمة، أو على الأقل لجعلها أكثر شفافية.

دراسة ذات صلة