الفصل التاسع: المعرفة والتعلم والذاكرة
إعداد: Christian Lebiere (جامعة كارنيغي ميلون).
تشمل المعرفة والتعلم والذاكرة عمليات حاسمة داخل الأنظمة المعرفية، تنطبق على الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي على السواء. وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقدم هذا الفصل مقياساً منظماً لتقييم قدرات المعرفة والتعلم والذاكرة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمن خلال تحديد خمسة مستويات متدرجة تمتد من استرجاع المعلومات إلى المعرفة المتكاملة، يوفر المقياس إطاراً مفاهيمياً لتتبع التقدم المعرفي للذكاء الاصطناعي وتقييمه، ويسلط الضوء على موازنات رئيسية بين الدقة والكفاءة والقدرة على التعميم. ويقدم الفصل فضلاً عن ذلك مجموعة من المقاييس لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي في كل مستوى من مستويات المقياس بصورة منهجية، تشمل التكلفة الحاسوبية، ودقة التنبؤ، ومتانة التعميم، وقدرات التعلم التدريجي. ويتطرق أخيراً إلى الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بالملكية الفكرية والخصوصية والتحيز والتلاعب، والتي ينبغي للنماذج الناشئة في الذكاء الاصطناعي أن تعالجها.
مقدمة
تشير المعرفة والتعلم والذاكرة إلى ثلاث عمليات مترابطة في استخدام المعلومات داخل الأنظمة المعرفية، بما فيها جميع أشكال الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. فالمعرفة تشير إلى تمثيل المعلومات في النظام، وتحديداً من منظور الدلالة، أي معنى تلك المعلومات. والتعلم ينطوي على اكتساب تلك المعلومات، وتحديداً "العملية التي تحدث بها تغيرات طويلة الأمد في الإمكانات السلوكية نتيجة للخبرة". أما الذاكرة فتُعرّف بتخزين المعلومات واسترجاعها، وتحديداً "سجل الخبرة الذي يقوم عليه التعلم".
وهذه الجوانب الثلاثة مترابطة: فالالتزامات المتعلقة بتمثيل المعرفة تفضي إلى متطلبات خاصة بعمليات التعلم وقيود على استرجاع الذاكرة. وفي المقابل، فإن الالتزام بخوارزميات تعلم محددة يحدد عادة التمثيل المستخدم ومتطلبات التخزين والاسترجاع. وأخيراً، تقتضي أشكال معينة من الذاكرة متطلبات تعلمية وقيوداً على تمثيل المعرفة.
ومن منظور نفسي، تُعدّ المعرفة والتعلم والذاكرة محورية في الإدراك البشري، بل في الهوية البشرية على نحو أكثر جوهرية. وقد طرح نيويل مفهوم البنى المعرفية، وهي تجسيدات حاسوبية للنظريات الموحدة للإدراك، وحدد مجموعة من المعايير الوظيفية التي ينبغي للبنى المعرفية أن تستوفيها كي تدّعي أنها تقدم تفسيراً شاملاً للإدراك البشري. وراجع أندرسون وليبيير هذه المعايير وبيّنا أنها قابلة للتطبيق على نظريات تمتد من البنى المعرفية الرمزية إلى المعالجة الموزعة المتوازية، أي النماذج الترابطية، التي باتت النماذج اللغوية الكبيرة اليوم أبرز أمثلتها.
وقد أُجريت التقييمات بالنسبة إلى مواطن القوة والضعف داخل كل إطار لا بالمقارنة بين الأطر. وفي تحليل أندرسون وليبيير، انطبقت عدة معايير مباشرة على المعرفة والتعلم والذاكرة، منها المعيار الرابع "استخدام كميات هائلة من المعرفة عن البيئة"، والمعيار السادس "دمج المعارف المتنوعة"، والمعيار التاسع "التعلم من البيئة". وارتبطت معايير أخرى بها على نحو غير مباشر، منها المعيار السابع "استخدام اللغة الطبيعية"، والمعيار الثامن "إظهار الوعي والإحساس بالذات"، والمعيار العاشر "اكتساب القدرات عبر النمو".
وفي إطار مشروع الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات، يقدم هذا الفصل مقياساً منظماً لتقييم قدرات المعرفة والتعلم والذاكرة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمن خلال تحديد خمسة مستويات متدرجة تمتد من استرجاع المعلومات إلى المعرفة المتكاملة، يوفر المقياس إطاراً مفاهيمياً لتتبع التقدم المعرفي للذكاء الاصطناعي وتقييمه. وفي سياق دراسة الإدراك البشري، تنعكس بعض القضايا والتمييزات الرئيسية المتعلقة بالمعرفة والتعلم والذاكرة في خصائص المقاييس والمعايير، ومنها القضايا الست الآتية.
التمييز بين المعرفة الإجرائية والمعرفة التقريرية
يميز العلم المعرفي بين المعرفة التقريرية الصريحة التي يمكن التعبير عنها وإيصالها لكنها تحتاج إلى تفسير، والمهارات الإجرائية الضمنية التي يمكن أن تفضي إلى أفعال مباشرة. ويقيم التعلم الآلي تمييزاً مماثلاً بين التعلم المعزز الخالي من النماذج والتعلم المعزز القائم على النماذج. وفي الفلسفة، يقابل هذا التمييز الفرق بين الإبستيمي، أي المعرفة النظرية، والتقني، أي المعرفة العملية أو التطبيقية. كما يقابل التمييز بين القواعد والحقائق في الأنطولوجيات ولغات البرمجة المنطقية مثل Prolog. وسيركز المؤلف هنا إلى حد كبير على المعرفة التقريرية، لأن المعرفة الإجرائية ترتبط على نحو أكثر مباشرة بمقاييس أخرى في مجال الاستدلال.
المعرفة الضمنية مقابل المعرفة الصريحة
يمكن تمثيل المعلومات في صورة صريحة منظمة، كالثلاثيات أو القضايا أو المحمولات أو الاحتمالات، أو في نماذج غير رسمية أو ضمنية أو موزعة، كمصفوفات الأوزان في الشبكات العصبية. ويستتبع هذا التمييز في التمثيل أنواعاً مختلفة من عمليات التعلم تعكس طبيعة المعلومات المكتسبة ومدى توفرها.
أساليب التعلم
يمكن اكتساب المعلومات من مصادر متنوعة، تمتد من المعرفة المجردة أو التعليمات إلى الخبرة المباشرة في العالم، سواء من خلال الفعل المتجسد أو المحاكاة، والتغذية الراجعة الصريحة. ويمكن أن يكون التعلم عملية متصلة آنية كلما توفرت المعلومات، أو أن يُجرى التدريب على دفعات من البيانات قبل تثبيت حالة النظام. وعلى نحو مماثل، يمكن أن يكون التعلم سلبياً، حيث يتلقى النظام المعلومات ويدمجها، أو نشطاً، حيث يبحث النظام عن المعلومات في العالم لتعزيز معرفته.
عمليات التعميم
يتعين في كل الأحوال تقريباً تكييف المعرفة مع الموقف، وتُسمى عملية تكييف المعلومات السابقة مع موقف مختلف تعميماً. ويمكن أن ينتج التعميم عن وسائل إحصائية، كالتضمينات الموزعة في أنظمة التعلم العميق، أو عن عمليات رمزية أو منطقية كتطبيق القواعد. وتقابل هاتان المقاربتان تقريباً ثنائية النظام الأول والنظام الثاني.
أنظمة الذاكرة المتكاملة
الذاكرة البشرية، شأنها شأن وحدات التخزين الحاسوبية، ليست وحدة واحدة، بل تتألف من تسلسل هرمي من الذاكرات يتميز بسعته وبالنطاق الزمني للتخزين والاسترجاع. فالذاكرة قصيرة الأمد، التي كثيراً ما تُساوى بالذاكرة العاملة وترتبط بالوعي، محدودة السعة ومخصصة للحفاظ على السياق ذي الصلة بالمهمة الحالية. والمشكلة المحورية المرتبطة بالذاكرة العاملة هي تقرير ما ينبغي الاحتفاظ به في هذا المخزن المحدود السعة وما ينبغي التخلص منه. أما الذاكرة طويلة الأمد فسعتها أكبر بكثير لكن زمن الوصول إليها أبطأ، والمشكلة المحورية فيها هي العثور على أكثر أجزاء المعرفة صلة بالموقف الحالي. وتخزن الذاكرة العرضية بسرعة خبرتنا المباشرة بالعالم في صورة تتلاشى مع الزمن والتداخل، في حين تراكم الذاكرة الدلالية تلك الخبرة ببطء في صورة أكثر تجريداً وقابلية للتعميم. وتعمل أنظمة الذاكرة هذه معاً بسلاسة ظاهرة، مستخدمة مجموعة متنوعة من آليات التعلم والاسترجاع لتوفير قاعدة معرفية متطورة باستمرار تقوم عليها جميع جوانب السلوك، من الإدراك الحسي إلى الفعل واتخاذ القرار.
التقوية والتلاشي والنسيان
إن توفر المعرفة ظاهرة متدرجة واحتمالية لا مسألة كل شيء أو لا شيء. فالتعلم لا ينشئ المعرفة فحسب بل يقويها أيضاً، في حين يتلاشى توفرها مع الزمن والتداخل. وتماشياً مع التحليل العقلاني للإدراك، تهدف عمليات التعلم والذاكرة إلى إتاحة المعرفة وفق الانتظامات الإحصائية في بيئتنا، بما فيها قوانين القوة المتعلقة بالحداثة والتكرار.
المستويات
مع أن كل مفهوم من المفاهيم الثلاثة، أي المعرفة والتعلم والذاكرة، ينطوي على مستويات متمايزة من القدرة والتطور، يمكن تحديد تسلسل زمني من التطور المتزايد يشملها جميعاً، بنماذج فكرية تمثيلية وخصائص وحدود لكل منها. ولا تدّعي التواريخ المرتبطة بكل نموذج أنها حدود حصرية لتطور حالات كل مقاربة، بل تمثل الفترة التي كان فيها ذلك النموذج هو السائد.
ويمثل كل نموذج مقاربة مختلفة جوهرياً للمشكلة المحورية المتمثلة في تمثيل المعرفة وعمليات التعلم واسترجاع الذاكرة، إذ يحاول معالجة القصور المحوري في المقاربة السابقة. ومن ثمّ يتمحور كل نموذج حول قدرة محددة تعرّف تلك المقاربة وتنعكس في الاسم الذي أُطلق عليه. وتشبه هذه القدرات الأبعاد المتعددة المستخدمة في المقاييس الأخرى، غير أن كل مستوى في هذا المقياس، وإن أمكن أن يُظهر قدرات متفاوتة، يتميز بتقدم مركّز على امتداد بعد محدد.
المستوى الأول: استرجاع المعلومات
يمكن وصف المستوى الأول بأنه استرجاع المعلومات، أي تخزين المعلومات واسترجاعها بصيغة محددة تحديداً جيداً باستخدام عمليات حاسوبية دقيقة. ويمكن ربط هذا المستوى بإطار زمني يمتد من خمسينيات القرن العشرين، أي فجر عصر الحاسوب، إلى تسعينياته، حين أفسح المجال لعصر الإنترنت.
ومن النماذج الكلاسيكية لهذه المقاربة قواعد البيانات العلائقية، التي تخزن كميات كبيرة من البيانات وتسترجعها باستخدام صيغة رسمية من العلاقات، أي مجموعة من الجداول يتألف كل منها من مجموعة من الصفوف والأعمدة. وكان الوصول إلى البيانات يتم من خلال لغة استعلام مثل SQL تمكّن المستخدم من صياغة طلب معلومات محدد تحديداً جيداً، أي منطقي.
ومن النماذج الأخرى مفهوم الأنطولوجيات، أي التمثيلات الرسمية للمعرفة. وخلافاً لنموذج قواعد البيانات السابق الذي يركز على تخزين معلومات محددة، تركز الأنطولوجيات على المعرفة القابلة للتعميم. وقد أُنشئت طائفة واسعة من الأنطولوجيات، تعكس تنوع المعرفة الممثلة والصيغ الرسمية المعتمدة. فقد هدف مشروع Cyc إلى تجميع قاعدة معرفية شاملة من المفاهيم والقواعد التي تمثل معرفة الحس السليم عن العالم، وهي معرفة ضمنية في الغالب. و WordNet قاعدة بيانات معجمية للعلاقات الدلالية بين الكلمات، منظمة في مجموعات من المترادفات. أما FrameNet فأنطولوجيا معجمية قائمة على مفهوم الإطار، أي مخطط رسمي يمثل الأدوار المحتملة المختلفة في موقف ما أو بنية لغوية ما.
ويقوم الافتراض المشترك لنموذج الأنطولوجيات على تمثيل رسمي للمعرفة، كالبنى والقضايا والقواعد، مع إجراءات محددة تحديداً جيداً لاسترجاع المعلومات والاستنتاج. ويمكن تعلم المعرفة على دفعات من مستودعات البيانات أو تحديدها يدوياً من قبل مجتمعات المستخدمين، مع التركيز على الصحة والتوافق. ويُجرى التعميم عادة باستنتاجات قائمة على القواعد باستخدام محركات استنتاج متخصصة. وقد طُورت تطبيقات خاصة الغرض، ولا سيما لقواعد البيانات العلائقية، لغرض أساسي هو الكفاءة وقابلية التوسع. ويتمثل القصور الأساسي لهذه المقاربة في حاجتها إلى تحديد رسمي للمعرفة قد يتطلب جهوداً هندسية تستهلك وقتاً طويلاً، فضلاً عن حدودها في ترميز المعرفة الضمنية غير المحددة جيداً في الغالب وتمثيلها.
المستوى الثاني: البحث الترابطي
ينقل المستوى الثاني نموذج استرجاع المعلومات من الاستعلامات المحكمة الصياغة على تمثيلات منظمة إلى البحث في مجموعات من المعلومات المنظمة تنظيماً فضفاضاً. وقد حدث هذا التحول إلى حد كبير في التسعينيات مع ظهور محركات البحث التي وفرت وسيلة للوصول إلى فضاء معلوماتي ناشئ ضعيف التنظيم، إن كان منظماً أصلاً، على الشبكة العالمية التي شهدت نمواً هائلاً. وتقدماً على النموذج السابق، لم يعد التنظيم والصياغة الرسمية المضنيان ضروريين، إذ باتت المعلومات تتخذ الصورة الأكثر مرونة للغة الطبيعية، وصوراً أخرى غير نصية كالصور والأصوات ومقاطع الفيديو، يمكن للمستخدمين العاديين إنشاؤها دون حاجة إلى هندسة متخصصة.
واستجابة لتحدي تعريف الاستعلامات على معلومات غير محكمة الصياغة، أتاح البحث الترابطي استعلامات غير محكمة الصياغة بالقدر نفسه، أي مجموعة من كلمات البحث، واستخدم الاستنتاج الإحصائي لتحديد أكثر المعلومات صلة. فخوارزمية PageRank التي استخدمتها Google، على سبيل المثال، تعكس مزيجاً من العوامل يجمع بين بنية المعلومات، كخصائص المخطط البياني الذي تحدده روابط الشبكة، والسلوك السابق للمستخدمين في اختيار مصادر المعلومات. وتُحسب الإحصاءات المستخدمة في خوارزمية الاستنتاج عادة على دفعات على مجموعات بيانات ضخمة. ولتحسين التعميم، يمكن تعريف دلالات مصطلحات المعلومات في صورة رمزية، كالمخططات المعرفية والشبكة الدلالية، لاستكمال الاستنتاج الإحصائي.
ومن حالات نموذج البحث الترابطي الأخرى نظريات الذاكرة البشرية المطبقة في البنى المعرفية. فالنظريات المعرفية مثل ACT R أو Soar تفترض تمثيلاً للذاكرة يتألف من مجموعات بسيطة من المعلومات على هيئة سمة وقيمة تُسمى الكتل، وهي تعرّف ضمنياً شبكة دلالية. ويجري الاسترجاع من الذاكرة وفق عمليات إحصائية تعمل على مقادير التنشيط، التي تعكس تقديرات بايزية لمدى صلة المعلومات، تُتعلم باستخدام خوارزميات آنية لتعكس بنية البيئة ونشاط المستخدم. ويتمثل القصور الرئيسي لهذا النموذج في محدودية الدلالات التي يعرّفها المستخدم، والتي تضعف قدرتها على التعميم حين تكون البيانات ناقصة، ولا تتيح إلا استنتاجاً إحصائياً لا دلالياً.
المستوى الثالث: الذاكرة الدلالية
يحاول المستوى الثالث، الذي يمثل تقريباً أحدث ما بلغه المجال حالياً، معالجة أوجه القصور في نموذج البحث عن المعلومات بتوسيع المقاربة الإحصائية لتتعلم دلالات المعلومات تعلماً منهجياً. وتتخذ هذه الدلالات، المستخلصة في الغالب وإن لم يكن دائماً من المعلومات اللغوية، عادة صورة تضمينات متجهية في تمثيلات موزعة، ثم تُستخدم الدلالات الموزعة في خوارزميات شبيهة بالخلايا العصبية للتعميم على طلبات ومواقف جديدة. ومن أمثلة هذه المقاربة خوارزميات إحصائية مثل التحليل الدلالي الكامن، والنموذج اللغوي BERT، والجيل الحالي من النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT.
وتُجرى عملية استخلاص الدلالات بخوارزميات تعلم على دفعات متوازية على نطاق هائل، تعمل على مجموعات بيانات ضخمة تحتوي على عدد كبير من التيرابايتات من المعلومات. وتستفيد الخوارزميات الحديثة مثل المحوّلات من آليات الانتباه لاستخلاص دلالات إضافية من سياقات بعيدة. وكما في نموذج البحث الترابطي السابق، يمكن الجمع بين المقادير الإحصائية المستخلصة من البيانات وحدها والتغذية الراجعة من المستخدمين لضبط توزيعات المخرجات ضبطاً دقيقاً.
ويمكن أيضاً الجمع بين نموذجي المستويين الثاني والثالث في صورة تقنيات مثل التوليد المعزز بالاسترجاع. ويتمثل القصور الرئيسي لهذه المقاربة في أنها تتطلب كميات هائلة من البيانات والموارد الحاسوبية لاستخلاص الدلالات باستخدام خوارزميات إحصائية بحتة. ومع أن الأنظمة الناتجة قادرة على تعميم مثير للإعجاب، فإنها محدودة بالدلالات التي يمكن استخلاصها من إحصاءات مجموعة التدريب، وغير مؤسسة على مجالات خارجية. ويترتب على ذلك أن هذه الخوارزميات المكلفة القائمة على الدفعات لا تقدر عادة على التعلم الآني للمعلومات طويلة الأمد بما يتجاوز التنشيط ضمن نافذة السياق والضبط الدقيق القائم على التغذية الراجعة البشرية. وتفضي هذه المقاربة إلى مصنوعات مجمدة في الزمن لا تعكس المعلومات الحديثة.
المستوى الرابع: التعلم النشط
يعتمد الجيل الحالي من الذكاء الاصطناعي التوليدي على مجموعة بيانات تدريب مسبق، كبيرة جداً، للحصول على المعرفة التي يتعلمها في ذاكرة أوزانه ويحاول تعميمها استجابة للاستعلامات. أما البشر فقادرون على التعلم الرسمي في المدارس وغيرها من البيئات، كما أنهم ينشئون معرفتهم الخاصة من خلال التفاعل مع العالم ومع الوكلاء الآخرين بدلاً من الاعتماد على بيانات التدريب وحدها.
وربما إلى جانب قدر من التدريب المسبق، يحتاج هذا المستوى إلى التعلم تدريجياً بدلاً من الاعتماد على إعادة التدريب الدورية، لتجنب مشكلات مثل النسيان الكارثي. ولأن التفاعل مع العالم أو مع الوكلاء الآخرين أو معهما معاً يميل إلى أن يكون غير فعال، على الأقل مقارنة باستيعاب المعلومات القائمة، فسيكون من الضروري وجود قدر من الوعي ما وراء المعرفي أو الاستبطان لتركيز التعلم على أوجه النقص في المعرفة.
فضلاً عن ذلك، ستحتاج وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق التوازن في المفاضلة بين الاستكشاف والاستغلال، أي بين إنجاز أهدافها واكتساب معلومات جديدة. وتوجد بالفعل أمثلة على هذا التعلم المفتوح المدفوع بدوافع ذاتية في مجالات محدودة أو اصطناعية أو خاضعة لضبط صارم، كممارسة الألعاب والبيئات الروبوتية.
ومن المرجح أن يتطلب توسيع هذا النموذج إلى مجالات مفتوحة وغير مقيدة فعلاً، كما هو حال الإدراك البشري، توسيعاً جوهرياً لنطاق العمليات والتمثيلات المستخدمة حالياً في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
المستوى الخامس: المعرفة المتكاملة
كما يبرز اختبار نيويل، فإن من السمات المميزة للإدراك البشري القدرة على إظهار سلوك مفتوح وتعلم مدى الحياة لمهام عشوائية في العالم الحقيقي بمعلومات جزئية وغير مؤكدة وخاطئة. وتحتل متطلبات المعرفة والتعلم والذاكرة موقعاً محورياً في هذه القدرات. ومن شأن دمج أنواع مختلفة من المعرفة، كالجمع بين المعرفة الرسمية الرمزية والمعرفة غير الرسمية الموزعة في أنظمة هجينة، أن يحد من أوجه قصور الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالي كالهلوسات.
ومن شأن الجمع بين أنواع مختلفة من التعلم، كاكتساب البنى المعرفية من التعليمات ومراكمة حالات المعرفة من المكافآت والتجارب، أن يحسّن قابلية التعلم للتوسع وكفاءته. كما أن دمج الذاكرات ذات النطاقات الزمنية المختلفة سيتيح التكيف الآني مع البيئات المتغيرة، ودمج الذاكرتين العرضية والدلالية سيتيح أنواعاً مختلفة من الاستدلال والتعميم. وتأسيس المعرفة المجردة على تجسد حسي حركي سيتيح تطوير دلالات تتجاوز المقاربة التوزيعية السائدة حالياً، لتزويد الذكاء الاصطناعي بمعرفة بالعالم الحقيقي. وقد لا يكمن مفتاح متانة الإدراك البشري وعموميته في حل سحري واحد، بل في دمج منظومة غير متجانسة من التمثيلات المتكاملة وعمليات التعلم والاستدلال. ويقابل هذا المستوى قدرةً شبيهة بالقدرة البشرية في المعرفة والتعلم والذاكرة.
التقاط الأداء الذي يتجاوز المقياس الحالي
مع أن الإدراك البشري يتميز بالسعة والكفاءة والمرونة والقدرة على التكيف والمتانة، فإن التحيزات المعرفية تنتج عن المتطلبات المتنافسة لهذه القدرات. ويمكن القول إن هذه التحيزات تعكس أساليب استدلال تقريبية مقصودة تحسن استخدام معلوماتنا المحدودة، لكن يمكن النظر إليها أيضاً بوصفها هفوات غير مرغوبة ناتجة عن افتراضات مدمجة في آلياتنا المعرفية. وفي كلتا الحالتين، يمكن تصور مستوى سادس يتسم بأداء يتجاوز القدرة البشرية، لا يبلغه بمجرد زيادة القدرة الحاسوبية وحجم المعرفة، بل بالاحتفاظ أيضاً بالخصائص المرغوبة للإدراك البشري، مع تجاوز أسوأ انحرافاتنا عن السلوك العقلاني أو التخفيف منها على الأقل.
المعايير
يُعرّف أداء الأنظمة الذكية في المعرفة والتعلم والذاكرة بعدة معايير تتوازن فيما بينها بطبيعتها. وتنطبق هذه المعايير من حيث المبدأ على جميع المستويات، وإن كانت أكثر دلالة في المستوى الذي تُقدم فيه وفي المستويات التي تعلوه. وعلى وجه التحديد، يركز كل معيار على قياس القدرة المحددة الواقعة في صميم كل مستوى، لتحديد التقدم التدريجي بين التحولات في النماذج الفكرية.
وبعض هذه المعايير مقتبس من محاولة سابقة لتطبيق معايير اختبار نيويل. ولا تعنى المعايير في هذه المرحلة بمجموعات بيانات أو بيئات اختبار محددة لتقييم أحدث النماذج كالذكاء الاصطناعي التوليدي، بل تعنى بتعريف المعايير الأساسية التي ينبغي أن تُقيّم بها تلك الأنظمة وأسلافها وخلفاؤها. ولا تُعرّف هذه المعايير بالأداء في نقطة بعينها، كدقة الذاكرة في الأنظمة الحالية، بل تُعرّف، على نحو مماثل للتعقيد الخوارزمي في علوم الحاسوب، بالكيفية التي يتغير بها الأداء تبعاً لتعقيد المهمة والموارد المخصصة لها، كالبيانات والحوسبة وغيرهما.
ولاستخدام الاختبارات المعيارية حدود فيما يتعلق بالحكم على الأداء العام. فمع أن اختبارات معيارية محددة تُستخدم لقياس أداء الأنظمة الحاسوبية وخوارزميات التعلم الآلي، فإنه يمكن التحايل عليها بتحسينات خاصة لا تعكس الأداء العام، مما يفضي إلى محاولات لزيادة عمومية المهام.
وتعالج المقاربة المقترحة، المستوحاة من نظرية التعقيد في علوم الحاسوب، مسألة قياس الأداء العام. ففي هذه المقاربة، لا تُقاس الخاصية الأساسية لخوارزمية ما بمستوى مطلق من الأداء في أي مشكلة معينة، بل بالكيفية التي يتغير بها الأداء مع حجم المشكلة. وعلى وجه التحديد، ترتبط هذه المقاربة مباشرة بقوانين التوسع العصبية التي حاولت وصف أداء الذكاء الاصطناعي التوليدي بدلالة متغيرات مثل حجم بيانات التدريب، وعدد الوحدات والطبقات في الشبكة، ومقدار القدرة الحاسوبية.
ومن مزايا هذه المقاربة أنها تتيح استشراف القدرات المستقبلية انطلاقاً من افتراضات بشأن القدرة الحاسوبية. وتشمل المعايير الخمسة المقترحة: التعقيد والتكلفة، والدقة والقدرة التنبؤية، والتعميم والمتانة، وكفاءة التعلم وأخذ العينات، والقابلية لتولي المهام والتدرج.
التعقيد والتكلفة (المستوى الأول)
أبسط طريقة لقياس أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي في المعرفة والتعلم والذاكرة هي النظر في السعة، كحجم القاعدة المعرفية. غير أن هذا النوع من المعايير لن يعكس إلا حجم الاستثمار في التقنية دون أن يقدم أي رؤية حول التحسينات التقنية. وبدلاً من ذلك، يوفر المنظور التقليدي لعلوم الحاسوب المتعلق بالتعقيد الزمني والمكاني تمييزاً أكثر جوهرية بين التقنيات، ولا سيما من حيث قدرتها على التوسع بمرور الوقت.
وبالنظر إلى متطلبات الحجم اللازمة لذكاء اصطناعي بمستوى بشري، قد تكون كفاءة الخوارزميات والتمثيلات في تخزين المعلومات وتعلمها واسترجاعها أمراً بالغ الأهمية، زماناً ومكاناً.
فالتعقيد المكاني يتأثر مباشرة باختيار التمثيل. وقد يعكس ذلك، على سبيل المثال، قدرة القواعد الرمزية ومحركات الاستنتاج، كالأنطولوجيات، على توليد كميات كبيرة من المعرفة بكفاءة، كما قد يقيس معامل الضغط الذي تحققه النماذج التوليدية حين تخزن تيرابايتات من المعلومات في تريليونات من الأوزان.
والتعقيد الزمني لخوارزميات التعلم مهم أيضاً، لأن الموارد اللازمة لتدريب أحدث النماذج التوليدية هائلة، فقد قُدرت تكلفة تدريب أحدث جيل من النماذج اللغوية الكبيرة بمئات الملايين من الدولارات. غير أن التعقيد الزمني لخوارزميات الاسترجاع قد يكون أهم من ذلك، لأن النماذج لا تحتاج إلى التدريب إلا مرة واحدة، لكنها تُستخدم مراراً من قبل ملايين المستخدمين أو مليارات منهم. فالبحث باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي يستهلك من الطاقة ما يفوق محركات البحث التقليدية بمرتبة عشرية كاملة، وهو ما أفضى إلى توقعات بتزايد أسي في استخدام الذكاء الاصطناعي يجعله مسؤولاً عما يصل إلى 12% من استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2028. وعادة ما تكون الموازنات بين تعقيد التعلم وتعقيد الاسترجاع أو التوليد متعاكسة في الأنظمة الرمزية والأنظمة العصبية، مما يشير إلى مزايا محتملة من حيث التعقيد للأنظمة الهجينة.
ومن شأن هذا التقييم أن يلتقط التعقيد الزمني والمكاني لكل مستوى بدلالة حجم القاعدة المعرفية. ومن الضروري قياس هذا المتغير المستقل قياساً موحداً عبر المستويات، لكن ذلك قد يكون صعباً لأن النماذج الفكرية المختلفة تحمل تصورات متمايزة جوهرياً للمعرفة. ومن الاحتمالات الممكنة تعميم المنهجية ومجموعات البيانات المستخدمة لقياس تعقيد عمليات الاسترجاع في قواعد البيانات العلائقية لتشمل المستويات الأعلى من مقياس المعرفة والتعلم والذاكرة، أي تخزين المعلومات ذاتها واسترجاعها باستخدام النماذج المختلفة وقياس الفروق الناتجة في التعقيد.
الدقة والقدرة التنبؤية (المستوى الثاني)
بينما كان نموذج استرجاع المعلومات في المستوى الأول معنياً في الأساس بالكفاءة وقابلية التوسع، فإن إدخال الاعتبارات الاحتمالية في البحث الترابطي في المستوى الثاني والمستويات الأعلى يثير الحاجة إلى تقييم دقة النموذج وقدرته التنبؤية. وستتوقف هذه العملية على ما إذا كان المرء ينظر إلى المهمة بوصفها إعادة إنتاج للحقيقة في العالم أم تنبؤاً بسلوك المستخدم. ويوضح المستوى الثاني تقارب خوارزميات البحث والذاكرة في نماذج مثل البحث عن المعلومات، وما ينتج عن ذلك من معايير احتمالية لالتقاط أدائها.
ومن منظور كشف الإشارة، يتمثل هدف الأداء الرئيسي في المستوى الثاني في تحديد أجزاء المعلومات الصحيحة، أي تعظيم معدل الإصابة، بأكبر قدر ممكن من الكفاءة، أي تقليل معدل الإنذار الكاذب. وتبعاً لذلك، تُلتقط هذه الموازنة بمعايير مثل الدقة والاستدعاء ومؤشر الحساسية والمساحة تحت منحنى خاصية التشغيل للمستقبل ودرجة F1 بدلالة تعقيد المعرفة. ويمكن بسهولة تطبيق المنهجية التي طُورت لحساب هذه المعايير للجيل الحالي من محركات البحث على نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، بتدريب هذه النماذج على البيانات ذاتها وقياس أدائها في الاسترجاع، إما بتفسير مخرجاتها باللغة الطبيعية أو باستخدام تقنيات مثل التوليد المعزز بالاسترجاع التي تجعل مخرجاتها قابلة للمقارنة مباشرة بمحركات البحث. وفي بعض التطبيقات، قد يدرك النظام أيضاً افتقاره إلى المعرفة فيمتنع عن تقديم إجابة، مما يفضي إلى معايير أداء صحيح متمايزة لجميع المشكلات مقابل تلك التي قُدمت لها إجابات.
التعميم والمتانة (المستوى الثالث)
يهدف مستوى الذاكرة الدلالية إلى التعميم على طلبات تتجاوز المعلومات المحددة المقدمة، ويحقق ذلك باستخلاص التمثيلات الدلالية والاستفادة منها. والنتيجة استرجاع متين للمعرفة يمتد إلى مواقف لم تُصادف من قبل.
وتهدف معايير التعميم إلى قياس العلاقة بين معايير الأداء كالدقة والقدرة التنبؤية من جهة، وكمية بيانات التدريب المقدمة للنظام، أو بعبارة أدق كثافتها، من جهة أخرى. فكلما ارتفع الأداء وانخفضت كثافة بيانات التدريب في فضاء دلالي معين، ازدادت درجة التعميم. ومن ثمّ، لتحديد درجة تعميم نظام ذكاء اصطناعي ما، ينبغي ضبط البيانات المستخدمة في تدريبه ضبطاً منهجياً. غير أن ذلك قد يمثل تحدياً في الأنظمة المملوكة كالذكاء الاصطناعي التوليدي التجاري، التي لا تُعرف المواد المستخدمة في تدريبها علناً، فضلاً عن ضبطها.
ولأن التعميم والمتانة يُعنيان بالدلالة، فإن دقة التمثيل قد تكون ذات صلة. فهذا النموذج معني في الأساس بالتقاط الدلالات، ومن ثمّ قد تكون المعايير الكامنة، كدقة التمثيل ذاته داخل النظام لا المعلومات المقدمة للمستخدم، ذات أهمية أيضاً. وقد حاولت دراسات تجريبية وصف التعميم وقياسه من خلال التلاعب بالخصائص، واكتشاف مشكلات مثل الحفظ والإفراط في المواءمة. كما اقتُرحت معايير تقييم مماثلة، وإن لم تظهر بعدُ منهجيات ناضجة ومجموعات بيانات معيارية.
كفاءة التعلم وأخذ العينات (المستوى الرابع)
تتطلب مقاربات التعلم العميق الحالية في مجالات كثيرة، كممارسة الألعاب، خبرة تفوق ما يحتاجه البشر بمراتب عشرية لبلوغ مستوى الأداء ذاته. ورغم توفر البيانات الضخمة في مجالات كثيرة، يمثل ذلك مشكلة من منظور التعقيد، كما في المستوى الأول، ومن منظور محدودية البيانات المتاحة في المجالات المتخصصة أو التطبيقات المخصصة أو كليهما. وتُظهر المقاربات التي تحاكي الإدراك البشري إمكانية تحقيق أداء شبيه بالأداء البشري بمستويات خبرة بشرية. ويمكن استخدام معايير من نظرية التعلم، كمعايير فابنيك، لقياس الأداء، سواء عُرّف بالصحة أو بالدقة، في نماذج التعلم النشط بدلالة عدد حالات التدريب أو الوقت المستغرق في التعلم.
القابلية لتولي المهام والتدرج (المستوى الخامس)
يصعب قياس فوائد دمج آليات تعلم متعددة وأنواع مختلفة من الذاكرة. والهدف في نهاية المطاف نظام ذكاء اصطناعي واحد قادر على التعامل مع مجموعة مفتوحة من المهام، خلافاً لبناء نظام متخصص لكل هدف محدد، كمهارات Alexa.
وهذا النظام قابل لتولي المهام، أي يمكن تكليفه بمهمة جديدة، ربما مع تعليمات من وكيل معلّم، ثم يستطيع مراكمة الخبرة وتعلم تلك المهمة حتى يبلغ الأداء المطلوب. وقد وُصف ذلك بأنه هدف "الذكاء الاصطناعي القوي" المتمثل في بناء ذكاء عام يضاهي الإدراك البشري، وهو يقابل أيضاً تطوير البنى المعرفية في العلم المعرفي.
وبالنظر إلى هذه الخصائص، ينبغي لمعايير هذه القدرة أن تقيس القدرة على إعادة استخدام المعرفة وتطبيقها في أغراض غير مقصودة. ومن المعايير المرغوبة تقليل الزيادة في تعقيد المعرفة بدلالة نطاق المهام المطلوب أداؤها، ومنها أيضاً تعظيم نطاق المهام التي ينطبق عليها جزء معين من المعرفة. ويكمن التحدي، كما في المعايير الأخرى، في قياس الفضاء الدلالي الكامن، أي فضاء المهام في هذه الحالة.
الخاتمة
قدم هذا الفصل مقياساً منظماً لتقييم قدرات المعرفة والتعلم والذاكرة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمن خلال تحديد خمسة مستويات متدرجة تمتد من استرجاع المعلومات إلى المعرفة المتكاملة، يوفر المقياس إطاراً مفاهيمياً لتتبع التقدم المعرفي للذكاء الاصطناعي وتقييمه. ويلتقط كل مستوى نموذجاً فكرياً متمايزاً في تطور الذكاء الاصطناعي، من قواعد البيانات المنظمة المبكرة والبحث الترابطي إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية وآفاق التعلم الوكيل والبنى المعرفية المتكاملة. فضلاً عن ذلك، يسلط المقياس الضوء على موازنات رئيسية بين الدقة والكفاءة والقدرة على التعميم.
ويقدم الفصل كذلك مجموعة من المعايير لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي في كل مستوى من مستويات المقياس بصورة منهجية، تشمل التكلفة الحاسوبية، ودقة التنبؤ، ومتانة التعميم، وقدرات التعلم التدريجي. وتضمن هذه المقاربة أن يظل الإطار قابلاً للتكيف مع النماذج الناشئة في الذكاء الاصطناعي، مع توفير وسيلة منظمة للمقارنة بين الأنظمة والمنهجيات المختلفة.
ومع استمرار تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكن للمقاربة الموضحة في هذا المقياس أن تساعد المجال على قياس تقدمه والتعبير عنه، بما يضمن أن يظل النقاش حول تطوير الذكاء الاصطناعي صارماً وميسراً لغير الخبراء في آن. وإلى جانب قياس قدرات الذكاء الاصطناعي في المعرفة والتعلم والذاكرة، ينبغي لأي مقاربة أن تتأمل في الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بهذه الأبعاد في مجالات مثل الملكية الفكرية والخصوصية والتحيز والتلاعب. ففيما يتعلق بالملكية الفكرية، ينبغي تعويض منتجي المعرفة التي تستوعبها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تعويضاً مالياً، وكذلك فيما يخص استخدام الأرشيفات المقرصنة في تدريب تلك النماذج، وهي مسألة منظورة حالياً أمام القضاء. وقد تحتفظ أنظمة الذكاء الاصطناعي بمعلومات شخصية من تدريبها أو من تفاعلها مع المستخدمين، مما يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية. وقد تُظهر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تحيزات موروثة من الأنماط الإحصائية في مواد تدريبها، كما يمكن التلاعب بها عمداً للترويج لوجهات نظر بعينها. ويمكن أن تفضي الهلوسات في استرجاع مواد التدريب إلى تصريحات تشهيرية بحق أفراد بعينهم. وتثير هذه المخاوف الأخلاقية مجتمعةً مزيجاً من القضايا القانونية والإدارية والتقنية والعلمية التي ينبغي معالجتها قبل أن يتسنى تطبيق الجيل الحالي من أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في كثير من البيئات اليومية.
