الفصل الثالث عشر: حالات الاستخدام في السياسات
إعداد: Margarita Kalamova، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، Gianluca Risi، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجامعة البوليتكنيك في ميلانو.
مع تزايد مضاهاة أنظمة الذكاء الاصطناعي للأداء البشري أو تفوقها عليه في عدد متنامٍ من المجالات، بات من الضروري تطوير أطر متينة لتقييم آثار هذا التقدم التقني في العمل والأنشطة اليومية. ويعرض هذا الفصل مقاربة متعددة الطبقات لربط مؤشرات المنظمة لقدرات الذكاء الاصطناعي بالمهن والمهام المكونة لها، سعياً إلى إتاحة تحليلات تفصيلية قائمة على البيانات لكيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الحياة المهنية. ويناقش الفصل ويعرض منهجيات محتملة تتمحور حول مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، تتيح للباحثين وصانعي السياسات فهم أين يقف الذكاء الاصطناعي وكيف وإلى أي مدى في موقع يؤهله لتكميل الأنشطة البشرية أو تعزيزها أو الحلول محلها.
مقدمة
مع تزايد مضاهاة أنظمة الذكاء الاصطناعي للأداء البشري أو تفوقها عليه في عدد متنامٍ من المجالات، ثمة حاجة إلى أطر متينة لتقييم آثار هذا التقدم التقني في العمل والأنشطة اليومية. ويعرض هذا الفصل مقاربة متعددة الطبقات لربط مؤشرات المنظمة لقدرات الذكاء الاصطناعي بالمهن والمهام المكونة لها، بهدف إتاحة تحليلات تفصيلية قائمة على البيانات لكيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الحياة المهنية. ويمكن تطبيق هذه المقاربة على المقررات التعليمية وأهدافها التعليمية على حد سواء، وعلى مصادر أخرى للأنشطة البشرية. والغاية الشاملة هي مناقشة منهجيات محتملة تتمحور حول مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي وعرضها، بما يتيح للباحثين وصانعي السياسات فهم أين يقف الذكاء الاصطناعي وكيف وإلى أي مدى في موقع يؤهله لتكميل الأنشطة البشرية أو تعزيزها أو الحلول محلها.
ويبدأ الفصل بلمحة موجزة عن الأدبيات البحثية التي حاولت تقييم آثار الذكاء الاصطناعي في الوظائف، قبل أن يفصّل مقاربة قائمة على مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي. وتقوم هذه المقاربة على منظورين متكاملين: يقيم القسم الثاني رابطاً مباشراً بين مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي والخصائص المهنية، ولا سيما القدرات والمهارات البشرية المطلوبة في نطاق واسع من المهن. ولأن وحدة التحليل قد تؤثر تأثيراً عميقاً في الرؤى المستخلصة، يركز القسم الثالث على الروابط بين مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي والمهام بوصفها خاصية مهنية محددة. فبتفكيك المهن إلى مهامها المكونة، يجري الربط بالعمل على مستوى أدق.
وبناءً على هذه الرؤى، يقدم القسم الرابع "مؤشر اللحاق" الكمي، الذي يحول المسافة بين قدرات الذكاء الاصطناعي ومتطلبات الوظائف إلى قيمة قابلة للقياس. ويمكن حساب هذا المؤشر لكل مؤشر من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي على مستوى المهمة وعلى مستوى المهنة، ثم تجميعه على مستوى القطاع والإقليم والبلد، مما يوفر معياراً مرناً لتقييم الأثر الحالي والمحتمل للذكاء الاصطناعي في سوق العمل.
ويوفر مؤشر اللحاق مؤشراً تركيبياً لتحليل مواطن الهشاشة القطاعية، وتحولات القوى العاملة، والاستجابات السياساتية، وذلك بالتقاط ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرات اللازمة لأداء وظيفة ما، وتحديد مدى بعده عن أدائها بفاعلية. ويُختتم الفصل بمناقشة الدور البشري المتغير في المهام والمهن.
المحاولات السابقة لتقييم آثار الذكاء الاصطناعي في الوظائف
أثار تقييم كيفية إعادة التغير التقني تشكيل العمل والتعليم نقاشاً واسعاً، ولا سيما بين الاقتصاديين الذين حاولوا قياس قابلية المهام للأتمتة. فقد استخدم أوتور وليفي ومورنين، رواد هذه الأدبيات، بيانات من "معجم المسميات المهنية" الذي يمنح المهن درجات بحسب المهارات والمتطلبات اللازمة. وبهذه الطريقة يتصور المعجم نموذجاً قائماً على المهام يقسمها إلى ثلاث فئات: مجردة، ويدوية، وروتينية. وطابق المؤلفون معلومات المعجم مع المسح السكاني الجاري، فأنشأوا معياراً مهنياً يبين تركيبة العمالة بحسب المهام المؤداة والمهارات المطلوبة.
ومن الناحية المفاهيمية، يبرز هؤلاء قابلية المهام الروتينية للأتمتة بوصفها التفسير الرئيسي للتغير التقني الناتج عن الحوسبة: فالأنشطة المتكررة القابلة للترميز أصبحت أسهل أتمتةً تدريجياً، في حين ظلت المهام المعقدة غير الروتينية تتطلب مهارات ومعارف أعلى. ويترتب على ذلك انخفاض في الأجور وحصص العمالة للعاملين الأقل مهارة في الأعمال الروتينية، يقابله ارتفاع في الإنتاجية، ومن ثمّ في الأجور وحصص العمالة، للعاملين الأعلى مهارة المنخرطين في المهام المعرفية والمجردة.
وانطلاقاً من هذا الإطار، شرعت موجة جديدة من الدراسات في قياس درجة قابلية المهام للأتمتة. فباستخدام بيانات O*NET، يصنف فراي وأوزبورن مهام العمل في ثلاث فئات رئيسية يظل أتمتتها صعباً: مهام الإدراك والمناولة، ومهام الذكاء الإبداعي، ومهام الذكاء الاجتماعي. ويفحص المؤلفان علاقة وجود هذه المهام التي تمثل "عنق زجاجة" بتقييمات الخبراء لإمكانية أتمتة سبعين مهنة.
واستناداً إلى هذه العلاقات، يستقرئ المؤلفان الاحتمال المتوقع لأتمتة أكثر من ستمئة مهنة إضافية. ومن خلال ربط معيار قابلية المهن للأتمتة ببيانات سوق العمل الأمريكية، تقدر الدراسة أن 47% من الوظائف في الولايات المتحدة معرضة لخطر مرتفع من الأتمتة. وقد صقل أرنتس وغريغوري وزيرهان، ونيديلكوسكا وكوينتيني، التحليل بالتركيز على الوظائف، وهي وحدة أدق من المهن، وخلصوا إلى أن 9% و14% فقط من الوظائف على التوالي معرضة للأتمتة.
ومن بين الدراسات التي استخدمت الاختبارات المعيارية لقياس قدرات الذكاء الاصطناعي، جمع فيلتن وراج وسيمانز درجات الاختبارات المعيارية في مجالات مثل التعرف على الصور والكلام، ثم طلبوا من عاملين عبر منصات العمل الجماعي تقدير مدى ارتباط كل مجال بالقدرات المطلوبة في مهن O*NET. ومن خلال ربط التقدم في الاختبارات المعيارية بالمهن، وجدوا أن التعرض للذكاء الاصطناعي يرتبط إيجاباً بنمو الأجور لكن لا بالتوظيف. وقد استُخدمت هذه المقاربة على نطاق واسع في الأدبيات، فقد وجد غواراسكيو وريليتش أن التعرض للذكاء الاصطناعي يرتبط إيجاباً بنمو التوظيف أيضاً.
وتتبع تولان وزملاؤه الإنتاج البحثي المتعلق بثلاثمئة وثمانية وعشرين اختباراً معيارياً للذكاء الاصطناعي، من أوراق بحثية وأخبار وتدوينات، لاستنتاج اتجاه تقدم الذكاء الاصطناعي، وربطوا هذا التقدم، عبر طبقة وسيطة من القدرات المعرفية الرئيسية، بالمهام داخل المهن المستمدة من مسوح القوى العاملة ومن O*NET. وخلصوا إلى أن المهن ذات الدخل المرتفع، كالأطباء، تواجه تعرضاً كبيراً، في حين لا تواجهه المهن ذات الدخل المنخفض، كالسائقين وعمال النظافة.
وربط باحثون آخرون الأوصاف النصية للمهام مباشرة بالتطورات التقنية الموثقة في براءات الاختراع. فقد مسح ويب، من بين آخرين، براءات الاختراع بحثاً عن مصطلحات مثل "الشبكات العصبية" و"التعلم العميق" و"الروبوت" لتحديد البراءات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، ثم قاس التداخل النصي بينها وبين أوصاف المهام في O*NET.
وباستخدام مقاربة مختلفة، لجأ أليكسيفا وزملاؤه إلى إعلانات الوظائف، فمسحوا بيانات شركة Burning Glass Technologies، المعروفة حالياً باسم Lightcast، بحثاً عن المهارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وتبين أن الشركات التي تعلن عن حصة عالية من هذه المهارات تدفع أجوراً أعلى في الوظائف الشاغرة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وغير المتعلقة به على السواء، وهو ما يقدم دليلاً على أن الذكاء الاصطناعي في مكان العمل يزيد الطلب على المهام المتقدمة المكملة، كإدارة المشاريع وإدارة الأفراد.
وحوّل لاسيبي وكوينتيني التركيز من المهن بأكملها إلى المهارات والقدرات المحددة التي تستطيع الأتمتة محاكاتها، فبنيا استناداً إلى حكم الخبراء مؤشراً لقابلية الأتمتة بالذكاء الاصطناعي يمنح الوظائف درجات بحسب حصة المهارات والقدرات المعرضة للأتمتة.
وقدم إيلوندو وزملاؤه أداة تقدير لتقييم قدرات النماذج اللغوية الكبيرة وأثرها في الوظائف، بما يحاكي أعمالاً سابقة حول التعرض للتعلم الآلي. وطبق مقيّمون من البشر، ونموذج GPT 4 نفسه، أداة التقدير على بيانات مهام O*NET، فصنفوا المهام بوصفها "معرضة" إذا كان بإمكان النماذج اللغوية الكبيرة خفض الوقت اللازم لإنجازها إلى النصف. واعتمدت المنظمة في عام 2024 طريقة مماثلة، لكنها حددت عتبة التعرض بخفض الوقت بنسبة 20%.
أما أحدث المحاولات لوصف قدرات الذكاء الاصطناعي، مثل MLCommons ومؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، فتعرض الأداء في الاختبارات المعيارية دون الرجوع إلى خطوط أساس بشرية. وكما يشير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025، فإن التقييم الحقيقي لقدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي يتطلب تقييمات أكثر صرامة وشمولاً. وفي جهد مكمل، حلل مؤشر Anthropic الاقتصادي للذكاء الاصطناعي ملايين التفاعلات بين النماذج اللغوية الكبيرة Claude ومستخدميها، رابطاً المهام المرصودة بمهام O*NET. ومع أن هذه المقاربة القائمة على المحادثة مفيدة، فإنها لا تغطي إلا مجموعة فرعية من القدرات البشرية.
ربط مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي بمتطلبات القدرات البشرية
على مدى العقدين الماضيين، حاول رصيد ثري من الأعمال، من تصنيفات المهام الروتينية إلى التحليلات القائمة على الاختبارات المعيارية، توضيح المهام القابلة تقنياً للأتمتة. غير أن ما يظل أقل وضوحاً هو مدى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية على مضاهاة طيف القدرات البشرية التي تقوم عليها تلك المهام. ويعالج هذا الفصل هذه الفجوة باقتراح تمرين عملي للمطابقة: ربط مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي بالقدرات المعرفية والاجتماعية والإدراكية الحركية المحددة المطلوبة في المهام أو المهن أو البرامج التعليمية أو فيها جميعاً.
ويتيح ربط أداء الذكاء الاصطناعي بمتطلبات القدرات البشرية تقييماً شفافاً لثلاثة أمور: أي مكونات نشاط ما باتت بالفعل في متناول الذكاء الاصطناعي، وأين ما تزال التقنية متأخرة، وبأي قدر. وتنقل هذه الأدلة النقاش من المفاهيم الثنائية لـ"قابلية الأتمتة" إلى فهم متدرج للإحلال والتكامل، فتزود صانعي السياسات وأصحاب العمل ومقدمي التدريب بأداة استشرافية لتوقع التحولات في محتوى الوظائف والطلب على المهارات مع استمرار تقدم قدرات الذكاء الاصطناعي.
مطابقة مؤشرات الذكاء الاصطناعي مع الطلب المهني على القدرات البشرية
يمكن استخدام متطلبات القدرات البشرية في المهن لتقييم آثار الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة اليومية بمواءمتها مع مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي. ويوفر هذا التمرين رابطاً منظماً بين القدرات التقنية والمتطلبات المهنية التي تحدد عالم العمل اليوم. وتركز المقاربة على مستوى المهنة، فتقدم تقريباً عالي المستوى لكنه منهجي لكيفية تفاعل الذكاء الاصطناعي مع الكفاءات البشرية الجوهرية عبر الوظائف. والمقاربة عامة تنطبق على جميع المهام والأنشطة البشرية، لكن هذا الفصل سيستخدم لغة العمل والمهن لأن التحليلات متطورة جيداً في ذلك السياق.
ويمكن إجراء المطابقة باستخدام معلومات موحدة عن الخصائص المهنية، ويُوضح ذلك بقاعدة بيانات O*NET، وهي مصدر بيانات شامل ومعترف به دولياً يغطي نحو تسعمئة مهنة في الولايات المتحدة. وقد اعتمدت أنظمة وطنية أخرى لتصنيف العمل قاعدة O*NET أو كيّفتها على نطاق واسع، مما يجعلها أساساً متيناً للمقارنة الدولية. والأهم أن O*NET تتضمن واصفات تفصيلية للقدرات والمهارات والمعارف وأساليب العمل وسياقاته البشرية، تتوافق مفاهيمياً مع الأبعاد التي تلتقطها مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، مما يجعلها ملائمة على نحو فريد للربط بين وظائف الذكاء الاصطناعي ومتطلبات الوظائف.
وتجري عملية المطابقة في ثلاث خطوات رئيسية: أولاً، تحديد مقاييس O*NET التي تقابل مفاهيمياً كل مؤشر من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي؛ وثانياً، تجميع مقاييس O*NET ذات الصلة في معايير مركبة لكل مهنة؛ وأخيراً، مواءمة هذه الدرجات المركبة مع بنية المستويات التي تحددها مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي.
وبينما يعرض القسم التالي مقاربة نحو فهم ديناميكيات سوق العمل على أساس المهام، يحلل هذا القسم المستوى المهني بسبب توفر البيانات. فالبيانات التفصيلية المنظمة عن متطلبات القدرات البشرية، ولا سيما بصيغ تتيح المقارنة بقدرات الذكاء الاصطناعي، لا تتوفر إلا على المستوى المهني. فضلاً عن ذلك، يعتمد التحليلان المهني والقائم على المهام في نهاية المطاف على واصفات للقدرات البشرية تتفاوت في توفرها ودرجة تفصيلها. ولهذا السبب، تركز المقاربة المقترحة الأولى على المهن بوصفها نقطة دخول عملية، تماشياً مع بعض الدراسات الحديثة.
اختيار مقاييس O*NET ذات الصلة
طوبق كل مؤشر من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي مع واصف واحد أو أكثر من واصفات O*NET ذات الصلة. ويقابل معظمها مقاييس القدرات في O*NET، وإن كانت في بعض الحالات، كالتفاعل الاجتماعي، مستمدة من مقاييس المهارات بدلاً منها. فمؤشر "اللغة"، على سبيل المثال، يرتبط بقدرات في O*NET مثل الفهم الشفهي، والتعبير الشفهي، والفهم الكتابي، والتعبير الكتابي.
وليست جميع قدرات O*NET ذات صلة بتحليل الذكاء الاصطناعي، فبعض الأبعاد، كالقوة البدنية أو المهارات الحركية الكبرى، تقع خارج نطاق قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية، ولذلك استُبعدت من المطابقة. ويقتصر التركيز على القدرات البشرية القابلة للمقارنة على نحو ذي معنى مع وظائف الذكاء الاصطناعي الحالية أو المرتقبة في المستقبل القريب، كالرؤية والمناولة وحل المشكلات والذاكرة.
تجميع مقاييس O*NET ومواءمتها مع مستويات قدرات الذكاء الاصطناعي
توفر O*NET لكل مهنة تقديرات على مقياس من مئة نقطة لمستوى كل قدرة أو مهارة وأهميتها. وحيث تقابل بنود متعددة من O*NET مؤشراً واحداً من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، يمكن للتحليل العاملي أن يبني درجات مركبة تمثل المستوى الإجمالي لكل قدرة متعلقة بالذكاء الاصطناعي وأهميتها عبر المهن. وتعكس هذه الدرجات المجمعة متطلبات الأداء البشري لكل بعد من أبعاد مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي داخل كل مهنة، وهي تتفاوت تفاوتاً واضحاً بين المهن المتباينة، كالمحاسبين والمدققين، والمعالجين الزوجيين والأسريين، والكهربائيين.
ولإتاحة المقارنات التحليلية بين متطلبات الوظائف البشرية وقدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي، ينبغي مواءمة درجات المستوى المجمعة من O*NET مع البنية الخماسية المستخدمة لكل مؤشر من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي. ويمكن أن تسترشد هذه المواءمة بتقييم تجريبي ينطوي على حكم الخبراء، تُقارن فيه مهام من مهن مختارة بأوصاف قدرات الذكاء الاصطناعي في كل مستوى من مستويات المقياس. ويتيح هذا الإجراء تقدير مستوى قدرة الذكاء الاصطناعي المطلوب لكل مهنة، ويمكن توسيعه ليشمل الفضاء المهني بأكمله عبر أساليب إحصائية، كالتحليل العاملي، والنماذج اللغوية الكبيرة.
وصف المهام بمؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي
تتألف كل مهنة من أدوار متعددة تقدم مجتمعةً صورة كاملة عن الوظيفة. ومن ثمّ فإن المقاربة الثانية لتقييم أثر الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة اليومية تتمثل في تحليل مهام كل مهنة بحسب القدرات المطلوبة. وينبغي التعبير عن متطلبات القدرات باستخدام مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي لإتاحة المقارنة المباشرة مع القدرات الحالية والمستقبلية لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ومن شأن هذا الإطار أن يتيح فهماً دقيقاً للحدود التشغيلية للذكاء الاصطناعي، وأن يبرز مجالات محددة للتكامل المحتمل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي داخل المهن وعبرها. والإطار هنا مستمد من التحليل المهني، لكنه عام تماماً، مما يتيح له دعم تحليل مهام العمل والمهام اليومية.
وتقوم المقاربة على مطابقة كل مهمة من المهام المهنية في O*NET، البالغ عددها نحو عشرين ألفاً، مع مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة باستخدام حكم محللي الوظائف وتحققهم والنماذج اللغوية الكبيرة. وتجري العملية في ثلاث خطوات رئيسية: أولاً، اختيار عينة من المهام التمثيلية كي يحلل محللو الوظائف يدوياً متطلبات كل مهمة ويصفوها بمؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة؛ وثانياً، توسيع الإجراء ليشمل بقية المهام العشرين ألفاً عبر نموذج لغوي كبير مدرب على التقديرات اليدوية لعينة المهام؛ وأخيراً، يمكن تجميع المهام بحسب تشابه ملامح قدراتها، إلى جانب خصائص مهنية أخرى، كما يمكن تجميع النتائج على المستوى المهني.
وبدلاً من ذلك، يمكن مطابقة الأهداف التعليمية للمناهج الدراسية مع مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي. فالأهداف التعليمية توفر معلومات عن الكفاءات المحددة التي يُتوقع أن يطورها المتعلمون للنجاح في واجباتهم المهنية واليومية حين يبلغون، ومن ثمّ يمكن التعامل معها على نحو مماثل تقريباً للمهام المهنية.
اختيار عينة من المهام التمثيلية
بالنظر إلى ضخامة تقييم جميع المهام العشرين ألفاً في قاعدة O*NET، يتجاوز التقييم اليدوي الكامل الحدود العملية. ولمعالجة هذا التحدي بفاعلية، استُخدمت عينة أصغر مختارة اختياراً استراتيجياً. فبالتعاون مع علماء نفس مهنيين بقيادة Phillip Ackerman في معهد جورجيا للتقنية، اختارت المنظمة العينة وفق مقاربة معيارية تهدف إلى ضمان أن تعكس موضوعياً تنوع ملامح القدرات الموجودة عبر الفضاء المهني الواسع.
مقاربة لاختيار مهام O*NET وفرزها
في غياب تصنيفات مقبولة على نطاق واسع لأنواع مهام العمل، صُنفت المهام بحسب الخصائص العامة للمعارف والمهارات والقدرات المطلوبة. وتركز الاهتمام على أربع فئات عامة من هذه المتطلبات: التفاعل الاجتماعي، والاستدلال، والقدرات البدنية، والقدرات الحسية والإدراكية. وكانت قاعدة O*NET أساسية في تحديد المهن ذات المتطلبات العالية في هذه المجالات، وإن لم يكن هناك ربط مباشر بين المهام والمعارف والمهارات والقدرات المرتبطة بها. وأعطت عملية الاختيار الأولوية لأهمية المهمة داخل المهن، وسعت إلى تمثيل متنوع للمهن عبر الفئات الأربع، وعبر جميع مجالات المعرفة والمجموعات المهنية والمناطق الوظيفية.
ففي البداية، اختيرت ستون مهنة بناءً على الفئات الأربع، وأُضيفت ثماني مهن أخرى لتعكس المهن الأعلى توظيفاً في الولايات المتحدة. ولكل مهنة من المهن الثماني والستين، انتُقيت ثلاث إلى أربع مهام جوهرية تمثل المعارف والمهارات والقدرات التي اختيرت المهنة على أساسها. وبالنسبة إلى متطلبات القدرات البدنية، اختيرت مهام من مجالات الرعاية الصحية والميكانيكا والبناء ومكافحة الحرائق وغيرها، لاعتمادها الكبير على المهارات الحركية والتنسيق الجسدي. أما متطلبات القدرات الحسية والإدراكية فتبرز في وظائف مثل تنسيق الزهور وطب الأسنان وقيادة المركبات. وفي الوقت ذاته، تأتي مهام الاستدلال التي تتطلب مستويات عالية من حل المشكلات من الرعاية الصحية والعمارة والتصميم، وكذلك من المال. وتركز المهام ذات المتطلبات العالية من التفاعل الاجتماعي على المهن التي تنطوي على قدر كبير من التواصل والمهارات الشخصية، كالتسويق الهاتفي أو التمريض.
وفي مرحلة ثانية، صنفت مجموعتان من المحكّمين تضم كل منهما اثني عشر محكّماً، إلى جانب ستة محللين من المنظمة، مجموعة المهام الثماني والستين في عناقيد ذات خصائص متشابهة بحسب التشابه المدرك. وتألفت المجموعة الأولى من طلاب دراسات عليا في علم النفس الصناعي والتنظيمي قيّموا المهام بحسب متطلباتها من المشغل البشري، أما المجموعة الثانية فتألفت من طلاب دراسات عليا في علوم الحاسوب قيّموا المهام من منظور الذكاء الاصطناعي والروبوتات. وفرز كل محكّم المهام في أكوام متمايزة، مع تجميع البنود المتشابهة معاً. ثم أُنشئت لكل محكّم مصفوفة تواجد مشترك تُعلَّم فيها المهام الواقعة في الكومة ذاتها بأنها متشابهة، وتلك الواقعة في أكوام مختلفة بأنها غير متشابهة. وجُمعت هذه المصفوفات عبر جميع المحكّمين لإنشاء مصفوفة تشابه إجمالية، أُخضعت لتحليل القياس متعدد الأبعاد لاستكشاف بنية أوجه التشابه بين المهام، ثم لتحليل عنقودي هرمي.
ولتعزيز فهم البنية الإدراكية للمهام، قدم المحكّمون تقديرات أحادية البعد لكل مهمة، استندت إلى بنى مفترضة أو ذات معنى لمتطلبات المهارات، كالقدرة البدنية بما فيها الإدراكية، والاستدلال، والتفاعل الاجتماعي. وهدفت هذه التقديرات إلى تحديد مدى انسجام المهام مع بنى محددة، بما يقدم رؤية حول الفضاء الإدراكي وعلاقته بنتائج تمرين الفرز.
واستناداً إلى نتائج تمرين الفرز والتقديرات أحادية البعد للمهام وتحليل لاحق أجرته المنظمة، اختيرت أربعون مهمة لتمثل ملامح القدرات المتنوعة في الفضاء المهني لقاعدة O*NET بأكمله. وكان الهدف تحديد فئات ملامح القدرات التي تفسر أوجه التشابه داخل كل مجموعة من المهام، وإبراز الفروق بين المجموعات، وإزالة أي مهام زائدة، مع ضمان أن تحافظ المهام المحتفظ بها على تمثيلية العينة.
والعينة المؤلفة من أربعين مهمة تمثيلية من نواحٍ أخرى عدة أيضاً، فالمهام مستمدة من جميع المجموعات المهنية باستثناء مجموعتي الزراعة والصيد والحراجة، والمهن العسكرية. فضلاً عن ذلك، فإن المناطق الوظيفية الخمس، التي تعبر عن مستويات التعليم والخبرة والتدريب اللازمة لأداء المهنة، ممثلة تمثيلاً وافياً. ومن ثمّ توفر عينة المهام المهنية الأربعين أساساً جيداً لتحليل متطلبات القدرات للمهام بدلالة مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، ولتوجيه تحليل فضاء المهام المهنية بأكمله.
التحليل اليدوي لمتطلبات القدرات في المهام
يبدأ التحليل بالربط اليدوي بين مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي وأوصاف المهام الأربعين المختارة لاستخلاص متطلبات القدرات. وتوصف كل مهمة من مهام O*NET هذه بجملة واحدة، وتتضمن بيانات وصفية كالتكرار والأهمية والصلة. فضلاً عن ذلك، تنتمي كل مهمة إلى مهنة بعينها تتوفر عنها بيانات أوفر بكثير، تشمل القدرات والمهارات والمعارف وأسلوب العمل وسياقه والتصنيف المهني، وهي بيانات تساعد في عملية الربط.
ويمكن إجراء الربط بمقارنة أوصاف مستويات المؤشرات التسعة بوصف كل مهمة، باستخدام المعلومات المتاحة عن مهنة المهمة ككل. ومن ثمّ فإن المواءمة ليست تمريناً في المطابقة النصية البحتة، بل هي ذات طبيعة دلالية، تتطلب الاستدلال بشأن المهنة وفهمها، وهو ما يمتلكه محللو الوظائف والخبراء المتخصصون في الموضوع. ونتيجة لذلك، تُسند قيمة تتراوح بين واحد وخمسة لكل مؤشر ذي صلة من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي. والهدف تحديد مستوى القدرة اللازم لأداء المهمة بفاعلية على امتداد كل مؤشر من هذه المؤشرات.
وتركز المطابقة على تحديد القدرات الجوهرية اللازمة لأداء مهمة معينة داخل مهنة محددة. ونتيجة لذلك، لا ترتبط معظم المهام إلا بمجموعة فرعية محدودة من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، إذ ليست جميع القدرات مطلوبة لإنجاز كل نشاط من أنشطة العمل. ولكل مهمة، يُحدد مستوى معين على مقياس المؤشر عند مستوى القدرة الذي يجب بلوغه لأداء المهمة المختارة.
وتجري العملية على النحو الآتي: قد تتطلب مهمة معينة في مهنة معينة، على سبيل المثال، قدرات في اللغة وحل المشكلات والمناولة، أي ثلاثة من الأبعاد التسعة لمؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، كي تُنجز بنجاح. فيتوافق وصف المستوى الثاني من مقياس اللغة مع وصف المهمة وسياقها المهني، كما يتوافق وصف المستوى الثالث من مقياس حل المشكلات ووصف المستوى الرابع من مقياس المناولة مع وصف المهمة وسياقها المهني أيضاً. وقد أجرى المؤلفان هذا التحليل على ثلاث مهام ذات ثلاثة ملامح مختلفة للقدرات من ثلاث مهن مختلفة، هي إعداد التقارير المالية وتحليلها، وتركيب الأنظمة والمعدات الكهربائية واختبارها وصيانتها باستخدام الأدوات اليدوية أو الكهربائية، وتوجيه الأفراد والأسر في تطوير مهارات تعينهم على معالجة المشكلات بطريقة بنّاءة، وهي نتائج تحتاج إلى التحقق منها من قبل مجموعة من محللي الوظائف أو علماء النفس أو الاقتصاديين.
وجُمعت المهام الأربعون المقدرة يدوياً بحسب متطلباتها من القدرات معبراً عنها في ثلاثة مجالات عامة للقدرات. وتجمع هذه المجالات الثلاثة مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي على النحو الآتي: يشمل مجال الاستدلال مقاييس اللغة، وحل المشكلات، والإبداع، وما وراء المعرفة والتفكير الناقد، والمعرفة والتعلم والذاكرة؛ ويضم المجال البدني الرؤية والمناولة والذكاء الروبوتي؛ في حين يبقى التفاعل الاجتماعي مجالاً قائماً بذاته. ولا يُعبر عن النتائج بأرقام تتراوح بين واحد وخمسة كما في مستويات المؤشرات، بل بمصطلحات نوعية تشير إلى متطلبات "مرتفعة" و"متوسطة" و"منخفضة" من القدرات.
ومن البديهي أن كل ملمح من ملامح القدرات يمزج متطلبات الاستدلال والتفاعل الاجتماعي والقدرات البدنية، بما فيها الإدراكية، في توليفات متمايزة تعكس متطلبات الوظائف في العالم الحقيقي. ومع أن ليست كل توليفة نظرية من المتطلبات المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة ممثلة، فإن هذا الإغفال له ما يسوّغه. فأبرز ما في الأمر أن الملامح ذات المتطلبات المنخفضة من الاستدلال على امتداد جميع الأبعاد نادرة أو غائبة، وهو ما ينسجم مع طبيعة المهام المهنية الحديثة التي تنطوي عادة على قدر من الانخراط المعرفي على الأقل. فمن الصعب تصور وظائف كثيرة تتطلب نشاطاً اجتماعياً أو بدنياً كبيراً دون أي استدلال تقريباً، بل إن الأدوار التي تُوصف بأنها روتينية ويدوية كثيراً ما تنطوي على اللغة وحل المشكلات والمعرفة والتعلم والذاكرة. ويعكس ذلك الطبيعة المعرفية المتأصلة في العمل البشري، مؤكداً أن الملامح المحددة تغطي طيف أنواع الوظائف القائمة وذات الصلة العملية تغطية ذات معنى وواقعية.
والنتائج المستخلصة من الربط اليدوي بين أربعين مهمة من مهام O*NET ومؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي قائمة على حكم المؤلفين وحدهما، وتحتاج إلى التحقق منها من قبل خبراء، منهم محللو الوظائف وعلماء النفس المهنيون أو زملاء في المنظمة يعملون على قضايا المهارات والتوظيف. وبعد مراجعة تقديرات المستويات والتحقق منها، تستطيع المنظمة تحديث الملامح المعرفية لهذه المهام، ثم استخدام هذه الملامح بدورها لتطوير أداة تقدير شاملة لوصف الفضاء المهني بأكمله بدلالة مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي وتجميعه في عناقيد.
التوسع إلى فضاء المهام بأكمله
ستكون نتائج الوصف اليدوي لأربعين مهمة من حيث متطلباتها من القدرات ضرورية لتوسيع التحليل ليشمل بقية المهام العشرين ألفاً. ولأن التقييم اليدوي الكامل لجميع هذه المهام يتجاوز الحدود العملية، سيُستعان بنموذج لغوي كبير، وستنقح المنظمة النص التوجيهي وأداة التقدير حتى تصل إلى مقاربة تنتج نتائج متسقة على نحو معقول.
وستحتاج المنظمة إلى تطوير إطار معياري، أي أداة تقدير، لتدريب النموذج اللغوي الكبير على وصف المهام بأكثر الطرق موثوقية. وستستند هذه الأداة إلى التقديرات المتحقق منها لمتطلبات القدرات في المهام الأربعين، وستقدم شروحاً حول استخدام خصائص مهنية أخرى ذات صلة، كما إذا كانت المهمة تنطوي على تلامس جسدي مع إنسان، وما إذا كانت بيئة العمل في الهواء الطلق، ومدى استقرار الظروف الجوية، والخصائص المادية لأشياء معينة ذات أهمية، وربما غير ذلك.
وبهذه الطريقة، ستضفي أداة التقدير بنية على المهام العشرين ألفاً من حيث ملامح قدراتها معبراً عنها بمؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي وخصائص مهنية أخرى ذات صلة. ومن شأن هذه النتيجة أن تتيح استخلاص آثار بالنسبة إلى مهن وقطاعات وبلدان ومجالات قدرات وأنواع مهام بعينها، لا مجرد عشرين ألف مهمة محددة تحديداً فضفاضاً. كما ستتيح تطوير بنية شبكية لجميع المهام، مجمعة في عناقيد بحسب ملامح القدرات ومرتبطة ببقية الفضاء من حيث التشابه. وستكون نقطة الانطلاق ملامح القدرات الاثني عشر المتحقق منها التي تصف المهام الأربعين المقدرة يدوياً، على أن تُنقح بعد ربط جميع المهام العشرين ألفاً بمؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي.
وتشير الاختبارات الأولية على وضع "البحث المعمّق" في ChatGPT إلى أن النموذج قادر على تعميم الربط اليدوي للمهام الأربعين. وعند الحاجة، سيدعم التعاون مع شركاء البيانات والجهات الخارجية عملية التوسع هذه.
وسيراجع الخبراء المخرجات التي تنتجها النماذج اللغوية الكبيرة، وستُنقح أداة التقدير تبعاً لذلك. وقد تُطبق أيضاً أساليب إحصائية إضافية، كالتحليل العاملي، لتجميع المهام في عناقيد ومواصلة تطوير الإطار المعياري.
استخدام الأهداف التعليمية للبرامج التعليمية بديلاً عن المهام
تمثل الأهداف التعليمية والمناهج والتقييمات في مختلف مستويات التعليم الكفاءاتِ التي يسعى برنامج أو مادة دراسية معينة إلى غرسها، ومن ثمّ فهي مصدر آخر للمعلومات عما ينبغي أن يكون الأفراد قادرين على فعله بعد إتمام مسار دراسي أو مستوى تعليمي معين، ويمكن استخدامها على نحو مماثل للمهام المهنية. فضلاً عن ذلك، يمتد هذا النوع من المعلومات إلى ما يتجاوز الأنشطة المتعلقة بالعمل، ليشمل المهام اليومية أيضاً. وعلى سبيل التوضيح، طُبق هذا الربط على الأهداف التعليمية لشهادة التعليم والتدريب المهني السويسرية لفنيي المختبرات، إذ رُبطت الأهداف التعليمية التشغيلية في المستوى الثالث لأحد الأهداف التعليمية ضمن مجال الكفاءة المعنون "الصحة والسلامة وحماية البيئة وضمان الجودة" بالقدرات الكامنة فيها على امتداد مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الأرقام ينبغي التعامل معها بحذر شديد، فهي أولية، والتحليل الذي يقوم عليه الفصل اقتصر على مهام O*NET المهنية.
ففي التعليم والتدريب المهني، تتوافق الأهداف التعليمية توافقاً تاماً مع المهام المهنية التي سيؤديها الخريج، إذ هي عبارات تشغيلية موجهة نحو الممارسة تلتقط الإجراءات والمعايير الأساسية للوظيفة. وفي المقابل، نادراً ما ترتبط الأهداف المحددة في البرامج غير المهنية في مرحلة ما بعد التعليم الثانوي أو في المواد المدرسية العامة، كالأدب الإنجليزي أو الرياضيات، بمهنة واحدة، بل تطلب من الطلاب إنجاز مهام ومشاريع خاصة بالتخصص تحاكي الممارسات المفاهيمية للمجال، كتفسير رواية أو إثبات مبرهنة أو تصميم دراسة بحثية صغيرة. ومن ثمّ فإن وصف هذه الأهداف بدلالة الكفاءات الكامنة على امتداد مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي ومستويات تعقيدها يقدم منظوراً مميزاً، إذ يبرز أنشطة يمكن إعادة توظيفها في مجالات كثيرة من العمل والحياة اليومية. وبذلك يكمل الصورة القائمة على المهام المستمدة من المهام المهنية ومناهج التعليم والتدريب المهني، ويوفر عدسة ثرية لتحليل الأنشطة المدنية اليومية أيضاً.
تطوير مؤشر للحاق الذكاء الاصطناعي بالإنسان
بعد وصف متطلبات القدرات في المهن أو المهام المكونة لها بدلالة مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، يمكن حساب الفرق، أو مقدار اللحاق، بين مستوى القدرة اللازم لأداء الوظيفة والمستوى الحالي لقدرات الذكاء الاصطناعي. ويمكن تجميع هذه التقديرات، المحسوبة أولاً على مستوى القدرة، على مستوى المهنة والمهمة، واستخدامها لتحديد الوظائف التي يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي تكميل العاملين من البشر عند مستويات مختلفة من قدراته. وينبغي ترجيح القيم عند تجميعها على مستوى المهمة والمهنة.
ويمكن بعد ذلك تجميع مؤشر اللحاق على مستوى القطاع والإقليم والبلد، بما يوفر معياراً مرناً لتقييم الأثر الحالي والمحتمل للذكاء الاصطناعي في الاقتصاد. ولأن الهياكل القطاعية ومهارات القوى العاملة وقدرات الشركات والبنية التحتية الرقمية ومنظومات الابتكار تختلف من مكان إلى آخر، يُرجح أن تكون آثار الذكاء الاصطناعي متفاوتة جغرافياً، غير أن هذا التجميع يخرج عن نطاق هذا الفصل.
حساب مؤشر اللحاق لكل قدرة
للمهام والمهن متطلبات متنوعة من القدرات، كما تعبر عنها ملامح القدرات الموصوفة أعلاه. ولتقييم الفجوة بين ما تتطلبه وظيفة معينة وما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله حالياً، تتمثل الخطوة الأولى في حساب الفجوة لكل قدرة مطلوبة. فمؤشر اللحاق لكل قدرة هو ببساطة مستوى القدرة المعنية اللازم لأداء الوظيفة مطروحاً منه المستوى الحالي لقدرة الذكاء الاصطناعي في القدرة ذاتها. ولأن المستويات تتراوح بين واحد وخمسة، يمكن أن يتراوح مؤشر اللحاق للقدرة بين أربعة وصفر. فعند القيمة أربعة يكون الذكاء الاصطناعي في أبعد موضع ممكن عن مستوى القدرة المطلوب، وعند القيمة صفر يكون الذكاء الاصطناعي قد بلغ المستوى المطلوب من القدرة، وهو ما سيكون عليه الحال كلما كان مستوى قدرة الذكاء الاصطناعي مساوياً للمستوى المطلوب أو أعلى منه.
ولتوضيح منهجية حساب مؤشر اللحاق لكل قدرة بأرقام فعلية، يُحدد أولاً مستوى كل مجال من مجالات القدرات التسعة اللازم لأداء مهنة ما، وتُسند هذه المستويات وفق المنهجية الموصوفة في قسم ربط مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي بمتطلبات القدرات في المهن، وهي تختلف باختلاف المهنة أو المهمة أو كليهما. ثم يُحدد المستوى الحالي لقدرات الذكاء الاصطناعي عبر الأبعاد التسعة، وهو مستوى لا يختلف باختلاف الوظائف. وبتوفر هذه الأرقام، يمكن حساب مؤشر اللحاق لكل مؤشر من مؤشرات القدرات التسعة باستخدام الصيغة السابقة. وفي المثال المدروس، يتبين أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد بلغت بالفعل مستويات قدرات اللغة والإبداع والمعرفة والتعلم والذاكرة اللازمة في هذه المهنة، بينما ما تزال قدرات أخرى بعيدة.
حساب مؤشر اللحاق المهني
تتطلب المهن مزيجاً من القدرات المختلفة، ويتقدم الذكاء الاصطناعي على نحو متفاوت عبر هذه المجالات. ومن ثمّ يتوقف أثر الذكاء الاصطناعي في أي وظيفة على مدى أهمية كل قدرة لتلك المهنة ومدى جودة أداء الذكاء الاصطناعي في كل مجال.
وفي المثال المدروس، لا يلبي الذكاء الاصطناعي إلا بعض متطلبات القدرات، مما يشير إلى أن مكونات الوظيفة المختلفة قد تتأثر بدرجات متفاوتة. غير أن استخلاص استنتاجات قاطعة بشأن أثر الذكاء الاصطناعي في المهنة يتطلب معلومات أكثر تفصيلاً، ولا سيما بشأن الأدوار أو المهام المتمايزة داخل المهنة، التي سيُناقش أمرها في القسم التالي، أو الأهمية النسبية لكل قدرة في الأداء الوظيفي الإجمالي، أو كليهما.
ولقياس هذه الأهمية، بيّن القسم الثاني عملية لمواءمة مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي مع الواصفات المهنية في O*NET، كالقدرات والمهارات وأساليب العمل والقيم، وهي واصفات تتضمن جميعها معايير لأهميتها في مهن بعينها. ولأن كل مؤشر من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي يقابل بنى متعددة في O*NET، جمع التحليل العاملي هذه القيم في درجة أهمية موحدة واحدة لكل مؤشر، مقيسة على نطاق يتراوح بين صفر وواحد.
ويكشف هذا التحليل أن القدرتين الأكثر أهمية في المهنة النموذجية، أي الرؤية والمناولة، هما أيضاً القدرتان اللتان يتأخر فيهما الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرهما. وفي المقابل، فإن اثنتين من أقل القدرات أهمية، هما الإبداع واللغة، مجالان يستطيع فيهما الذكاء الاصطناعي أن يتولى الدور البشري تماماً في تلك المهنة النموذجية.
ولحساب مؤشر لحاق إجمالي على المستوى المهني، يُرجّح مؤشر اللحاق الخاص بكل قدرة بقيمة أهميتها النسبية، أي أهمية القدرة مقسومة على مجموع أهميات القدرات جميعها، ثم تُجمع القيم المرجحة. والنتيجة درجة مركبة واحدة تلخص مدى توافق قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية مع المتطلبات الإجمالية لمهنة معينة. وكما في المؤشرات الخاصة بكل قدرة، تتراوح هذه الدرجة على المستوى المهني بين صفر وأربعة، لأنها مشتقة بترجيح المؤشرات المفردة وتجميعها. وتدل الدرجة الأكبر من الصفر، كما في المهنة النموذجية التي بلغ مؤشرها 1.11، على إمكانية التعاون بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، مع إمكانية سيناريوهات تحول متنوعة، في حين تشير الدرجة صفر إلى أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحل محل العمل البشري تماماً في تلك المهنة.
حساب مؤشر اللحاق القائم على المهام
تتطلب المهن عادة مزيجاً من القدرات المختلفة لأداء طائفة من المهام، وكثيراً ما تستند كل مهمة إلى قدرات متعددة. ونتيجة لذلك، يصعب ربط قدرة واحدة بمهمة محددة، فضلاً عن ربطها بمهنة كاملة. ولفهم أثر الذكاء الاصطناعي في المهن فهماً أفضل، وتماشياً مع الأدبيات الحديثة، يكون من الأوثق تحليل متطلبات القدرات على مستوى المهمة ثم استنتاج آثارها في المهن.
ومن خلال العمل ضمن إطار قائم على المهام، يتيح مؤشر اللحاق تقييماً شديد التفصيل لما يستطيع الذكاء الاصطناعي أداءه مقارنة بالبشر، فيدعم منظوراً أدق قد يؤتمت فيه الذكاء الاصطناعي مهام محددة من وظيفة ما، ويعزز مهام أخرى بمساعدة الأداء البشري، ويحوّل طبيعة الأدوار البشرية في مجالات معينة.
وتبعاً لذلك، تتمثل مقاربة بديلة لحساب مؤشر اللحاق المهني في البدء بحساب مؤشرات لحاق خاصة بكل مهمة، ثم تجميعها على المستوى المهني بدلاً من الاعتماد على بيانات القدرات على المستوى المهني وحدها. ويمكن تطبيق هذه المقاربة بعد وصف متطلبات القدرات للمهام المفردة باستخدام مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي كما بيّن القسم الثالث. وتجري العملية في ثلاث خطوات رئيسية، ومن الاعتبارات الأساسية فيها اختيار الأوزان المستخدمة في التجميع:
أولاً، يُحسب الفرق بين مستوى القدرة المطلوب لأداء كل مهمة داخل مهنة ما والمستوى الحالي لقدرة الذكاء الاصطناعي في تلك القدرة.
ثانياً، تُستخدم مؤشرات القدرات هذه على مستوى المهمة لحساب مؤشر لحاق المهمة لكل مهمة داخل مهنة ما، ولهذا الغرض يجب ترجيح مؤشرات القدرات المفردة. ويمكن القيام بذلك بطريقتين: الأولى الترجيح المتساوي، فإذا افتُرض أن جميع القدرات تسهم بالتساوي في المهمة، يُسند لكل مؤشر لحاق خاص بقدرة ما داخل تلك المهمة وزن متساوٍ، فإذا تطلبت المهمة مثلاً أربع قدرات، يُعطى كل منها وزناً قدره 0.25. والثانية الترجيح المتمايز، فإذا كانت المساهمة النسبية لكل قدرة في أداء المهمة معروفة، يمكن تطبيق أوزان متمايزة تعكس أهميتها المتفاوتة. ومع أن الطريقة الثانية أدق مفاهيمياً وأفضل، فقد يصعب تطبيقها عملياً بسبب صعوبة الحصول على تقديرات تفصيلية وموثوقة. ويُحسب مؤشر لحاق المهمة بجمع حواصل ضرب مؤشرات اللحاق الخاصة بالقدرات في أوزانها، والنتيجة درجة مركبة واحدة تلخص مدى توافق قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية مع المتطلبات الإجمالية لمهمة معينة داخل مهنة ما.
ثالثاً، تُجمع مؤشرات لحاق المهام لاشتقاق مؤشر لحاق مهني إجمالي، بجمع حواصل ضرب مؤشر لحاق كل مهمة في وزن تلك المهمة. ولأن المهام لا تسهم بالتساوي في المهنة، فإنها تحتاج إلى ترجيح.
إسناد الأوزان إلى المهام: معايير النوعية مقابل معايير الكمية
يُعدّ تحديد كيفية ترجيح المهام داخل المهن خياراً منهجياً حاسماً، غير أنه لا توجد مقاربة مقبولة عالمياً لذلك. وينبغي أن تسترشد طريقة الترجيح الملائمة بالأهداف المحددة للتحليل، إذ قد تستدعي الأهداف المختلفة تركيزاً مختلفاً. وقد أثارت مسألة كيفية تجميع المهام تجميعاً ذا معنى نقاشاً واسعاً، ولا سيما في الاقتصاد وعلم النفس، بما يبرز التحديات الأوسع لتحويل بيانات المهام التفصيلية إلى رؤى مهنية متماسكة.
نوعية العمل
تركز المقاربة الأولى لترجيح المهام على التقاط المساهمة المحددة لكل مهمة في الواجبات الإجمالية للمهنة. ولأن الهدف هو عكس الأهمية النوعية للمهام، يكون معيار الترجيح القائم على صلة المهمة بالمهنة هو الأنسب. ووفق هذه الطريقة، يمكن اشتقاق مؤشر اللحاق المهني بتجميع المؤشرات على مستوى المهام، مع ترجيح كل منها بحسب الدور الذي تؤديه تلك المهمة في المهنة ككل.
أهمية المهمة
اعتُمدت هذه المقاربة على نطاق واسع في البحث التجريبي، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى توفر بيانات تفصيلية على مستوى المهام من مصادر مثل O*NET. فقاعدة O*NET توفر معايير لأهمية المهمة وصلتها، إذ تُعرّف أهمية المهمة بأنها "درجة أهمية واصف معين للمهنة"، في حين تُعرّف صلة المهمة بأنها "نسبة شاغلي الوظيفة الذين قدّروا أن المهمة المقدمة ذات صلة بوظيفتهم". فضلاً عن ذلك، تُصنف المهام بحسب وظيفتها إلى "جوهرية" أو "تكميلية". وتركز هذه المؤشرات أساساً على البعد النوعي للعمل، فتتيح ترتيب المهام والواصفات بحسب أهميتها، وهو ما يدعم بدوره تجميعاً منظماً للمهام على المستوى المهني قائماً على مساهمتها في الدور الأوسع.
ومن خلال التركيز على المساهمة النوعية لكل مهمة، تتيح هذه المقاربة أيضاً رؤى حول الكيفية التي قد يحوّل بها الذكاء الاصطناعي الأدوار البشرية داخل المهن. فهي تساعد على تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي أرجح أن يعزز الجهد البشري في الجوانب الهامشية من الوظائف، أم أن يُحدث تغييرات أكثر جوهرية، كإعادة تعريف الأدوار وتحويل العاملين نحو دعم الذكاء الاصطناعي في أداء الوظائف المهنية الجوهرية. وقد كان هذا التركيز على نوعية المهام ومحوريتها موضوعاً لأبحاث مستفيضة، كثيراً ما استُخدمت فيها معايير الأهمية في O*NET.
فعلى سبيل المثال، أجرى برينيولفسون وميتشل وروك تحليلاً على مستوى المهام مستخدمين الأهمية وزناً لفهم أي جوانب العمل التقليدي ستتأثر أكثر بالتعلم الآلي، ووجدوا أن الأتمتة الكاملة ستكون أقل شأناً من إعادة هندسة العمليات وإعادة تنظيم المهام. ويعرّف هوانغ وراست وماكسيموفيتش "اقتصاد المشاعر" بأنه "اقتصاد يتجاوز فيه مجموع التوظيف والأجور المنسوبة إلى مهام المشاعر مجموع التوظيف والأجور المنسوبة إلى مهام التفكير أو المهام الآلية". ويقابلون مهام المشاعر بمهام "التفكير" والمهام "الآلية"، التي كانت محور النموذج الحالي للرقمنة وموجة الروبتة السابقة على التوالي. ويرون أن الذكاء الاصطناعي سيجعل مهام "المشاعر" والمهام التفاعلية الاجتماعية والتعاطفية أكثر أهمية، ويحسبون أهمية هذه المهام لاستخلاص آثارها في التوظيف والأجور. وفي سبيل ذلك، يستخدمون الأهمية في O*NET لحساب الأهمية النسبية لمهمة ما في الوظيفة الإجمالية بقسمة أهمية المهمة في وظيفة معينة في سنة معينة على مجموع أهميات المهام في تلك الوظيفة، بعد تحويل الأهمية من مقياس O*NET الأصلي من واحد إلى خمسة إلى نطاق من صفر إلى واحد بطرح واحد من القيمة وقسمة الناتج على أربعة.
فضلاً عن ذلك، استخدم إيلوندو وزملاؤه الأهمية على مستوى المهام لبناء تقديرات لتعرض المهن للذكاء الاصطناعي، معتمدين بوجه خاص على التمييز بين المهام الجوهرية والتكميلية المذكور آنفاً. ففي هذه الدراسة، تُعطى المهام الجوهرية على المستوى المهني ضعف وزن المهام التكميلية، ويبلغ مجموع الأوزان واحداً.
كمية العمل
من ناحية أخرى، يركز رصيد كبير من الأبحاث على قياسات على مستوى المهام تهدف إلى التقاط كمية العمل، المعرّفة بمقدار الجهد أو الوقت اللازم لإنجاز مهمة معينة. ويمكن قياس هذه الكمية بساعات العمل المخصصة لمهمة محددة أسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً. والقدرة على استنتاج توزيع الوقت على مستوى المهام ذات أهمية حاسمة، لأنها تتيح ربطاً مباشراً بين الوقت المستغرق في المهام ونتائج الأجور أو الإنتاجية المقابلة. وفي سياق أدبيات التقنية والعمل، تُعدّ هذه المعايير أساسية لتقييم مقدار الوقت الذي تستطيع الآلات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي توفيره للعاملين من البشر، ولقياس أثر التقنيات الجديدة في سوق العمل. وعلى وجه الخصوص، يتيح توزيع الوقت تقدير ساعات العمل، التي يمكن أن تُشتق منها آثار التوظيف.
تكرار المهمة
لدعم هذه التحليلات، يمكن الاستعانة بعدة مصادر بيانات ومعايير. فقاعدة O*NET، على سبيل المثال، توفر معلومات على مستوى المهام عن التكرار، المعرّف بأنه "مدى تكرار حدوث المهمة خلال فترة زمنية معينة"، باستخدام فئات مثل "كثيراً" و"أحياناً" و"نادراً". وتعكس مؤشرات التكرار هذه النسبة المئوية للوقت الذي يفيد شاغلو الوظائف بأنهم يقضونه في مهام محددة. وقد استفاد بوين وكورالباييفا وتيبو من هذا المعيار لمقارنة تكرار المهام "الخضراء" مقابل المهام "غير الخضراء"، مقدمين رؤى حول الطبيعة المتطورة للعمل في أثناء التحول الأخضر. وإلى جانب O*NET، جُمعت تقديرات تكرار المهام أيضاً عبر مسوح وطنية، كالمسح الألماني للمؤهلات والمسارات المهنية الذي يجريه المعهد الاتحادي للتعليم والتدريب المهني. فقد استخدم بيكر وموندلر هذه البيانات، على سبيل المثال، لدراسة التغيرات في محتوى العمل بمرور الوقت، مبرزين التحولات في تركيبة المهام عبر المهن.
ومع أن تكرار أداء مهمة ما يمثل بديلاً مفيداً لتقدير الوقت المستغرق فيها، فإنه لا يقدم معلومات مباشرة عن المدة الفعلية لتنفيذ المهمة، وهو ما يمثل قيداً كبيراً في جهود التقدير الدقيق لكمية العمل التي تنطوي عليها المهام المختلفة. فدون بيانات موثوقة عن المدة، قد تبالغ التقييمات القائمة على التكرار وحده في تقدير العبء الزمني الحقيقي للمهام المفردة أو تقلل منه.
مدة المهمة
لمعالجة هذه المسألة، استخدمت بعض الدراسات معايير بديلة لتوزيع الوقت على مستوى المهام في محاولة لحساب كمية العمل لكل مهمة. فجمع البيانات عبر المقابلات الهاتفية، على سبيل المثال، طريقة راسخة لدراسة مدة المهام. وقد ميّز كاليو وزملاؤه بين المهام "المتصلة" و"المتغيرة"، فالمهام متصلة إذا أفاد العاملون بأنهم يؤدونها طوال الوقت تقريباً، ومتغيرة إذا كان تكرارها يتفاوت من حين إلى آخر. وحسبوا المدة الإجمالية لكل مهمة منتظمة يومياً بضرب مدة المهمة في تكرارها، على أن تغطي المهام المنتظمة 70% على الأقل من مدة جميع مهام العامل. وأُعطي العاملون يوميات مدونة فيها أسماء هذه المهام المختارة سلفاً، وطُلب إليهم تدوين أوقات بدء كل مهمة وانتهائها خلال ثلاثة أيام عمل. وحُسبت القيم المتوسطة ليوم العمل من تكرار المهام ومدتها المستخلصين من يوميات كل عامل، وحُسب متوسط المدة الإجمالية اليومية بضرب متوسط المدة في متوسط تكرار المهام.
وتمثل دراسة بيريا الطولية مصدراً آخر للبيانات لتقدير مدة المهام. والجدير بالذكر أن معلومات المهام في هذه الدراسة تأتي مباشرة من العامل، مما يوفر معياراً نادراً لما يفعله العامل فعلاً في وظيفته. والواقع أن كثيراً من الباحثين أكدوا حدود O*NET في تقديم معلومات مجمعة سلفاً على مستوى المهام بدلاً من بيانات العاملين الأفراد. ومن السمات الفريدة لمعايير المهام التي قدمها غونغ وستاينبريكنر وستاينبريكنر معلومات توزيع الوقت على مستوى المهام التي جمعوها من بيانات دراسة بيريا. ومع الاعتراف بالقيمة المفاهيمية لفهم كيفية توزيع الأفراد وقت عملهم على مختلف مهام الوظيفة، فإن مصادر البيانات القائمة لا توفر معلومات مباشرة من هذا النوع. وتفصّل البيانات المجمعة في الدراسة النسبة المئوية لوقت العمل في السنة المخصص لفئات مهام "الأشخاص والمعلومات والأشياء"، إذ يفيد المستجيبون بالنسبة المئوية للوقت المستغرق في أداء مهام فرعية مختلفة مرتبة بحسب المهارة. وتتيح هذه البيانات لغونغ وزميليه بناء متغيرات كمية للمهام تقيس الوقت المستغرق في أدائها.
حساب مؤشر اللحاق لبرنامج تعليمي
انطلاقاً من منطق مؤشر اللحاق المهني القائم على المهام، يمكن اشتقاق مؤشر لحاق لبرنامج تعليمي مباشرة من الأهداف التعليمية المعلنة للبرنامج. وتتمثل الخطوة الأولى في مطابقة كل هدف تعليمي مع مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة وحساب درجة لحاق فردية له. ثم يمكن جمع هذه الدرجات في قيمة إجمالية واحدة للمقرر بترجيحها ترجيحاً متساوياً. ويحدد هذا المؤشر بدقة أي أجزاء المنهج أكثر تعرضاً للحاق التقني، وأيها ما يزال يعتمد على مواطن قوة بشرية فريدة، مما يوفر معياراً مباشراً لمقارنة البرامج وإعادة تصميم المناهج.
ومن المقاربات الأخرى التجميع بحسب القدرة قبل التجميع على مستوى المقرر، وهو ما يتطلب تجميع الدرجات المرتبطة بكل مؤشر من مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي عبر جميع الأهداف التعليمية. ولأن الأهداف التعليمية كثيراً ما تختلف في وقت التدريس أو أهمية التقييم، ينبغي ترجيح كل منها تبعاً لذلك قبل حساب المتوسط داخل القدرة الواحدة. والنتيجة ملمح متعدد الأبعاد يبين مدى قوة التركيز على كل قدرة في المقرر ومدى تعرضها لتقدم الذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه الصورة المقارنة بين برامج ذات بنى مختلفة للأهداف التعليمية، وتساعد على تحديد الثغرات أو أوجه التكرار في القدرات، وتدعم القرارات الاستراتيجية.
تحليل الدور البشري المتغير
النظر في مدى استعداد المجتمع لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أداء المهام
يمكن أن تكون مطابقة مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي مع متطلبات المهام والمهن وحساب مؤشرات اللحاق نقطة انطلاق لتحليل معمق لكيفية تطور مهام ومهن بعينها مع قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية والمحسنة. ويتعين أن ينطوي هذا التحليل على نقاش منظم مع أصحاب المصلحة حول ما إذا كان المجتمع يريد أصلاً أن يؤدي الذكاء الاصطناعي مهمة معينة، وما إذا كان ينبغي للطلاب أن يواصلوا تعلم أداء تلك المهمة.
والسؤال المحوري في هذا التحليل هو: حين يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء مهام معينة بفاعلية أكبر من البشر، هل ينبغي أن يواصل الناس أداء تلك المهام؟ ويفتح هذا السؤال مسارين عامين للتفكير:
الأول، نعم: ويؤكد هذا المنظور القيمة المستمرة للمشاركة البشرية حتى لو كان الذكاء الاصطناعي أكفأ، استناداً إلى الاستقلالية أو الاعتبارات الأخلاقية أو القيمة الجوهرية للفعل البشري، ومن ثمّ لا حاجة إلى مزيد من التفاصيل حول قدرات الذكاء الاصطناعي المحددة.
والثاني، لا: وتنظر وجهة النظر البديلة في المنافع العملية للأداء المتفوق للذكاء الاصطناعي، كخفض التكاليف أو تحقيق مكاسب في الكفاءة، التي قد تسوّغ نقل تلك المهام إلى الآلات. وهنا يصبح فهم مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي المحددة أمراً حاسماً لتطوير سيناريوهات التحول على النحو الملائم.
وحين يُطبق الإطار على مهنة محددة كالتدريس، فإنه يتساءل عما إذا كان ينبغي للمعلمين مواصلة أداء مهام معينة، كتخطيط الدروس وتقديم التغذية الراجعة ورصد انخراط الطلاب، إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أداءها بفاعلية أكبر. ويرى مؤيدو استمرار مشاركة المعلمين أن تعليم الأطفال مسؤولية مجتمعية أساسية للبالغين، وأن الطلاب يقدّرون التعلم من معلمين من البشر، ولذلك ينبغي للمعلمين مواصلة أداء تلك المهام حتى لو ثبت أن الذكاء الاصطناعي أقدر. ومن ناحية أخرى، يبرز المؤيدون للتعليم المدفوع بالذكاء الاصطناعي المكاسب المحتملة في تعلم الطلاب والكفاءة المؤسسية. وفي نهاية المطاف، ستتوقف القرارات المتعلقة بتحويل مهام تدريسية محددة عبر الذكاء الاصطناعي على توافق مجتمعي أوسع وقيم مشتركة بشأن التعليم والدور البشري فيه.
تطوير سيناريوهات المهام المتحولة
متى ما وُجد توافق مجتمعي على ضرورة إعادة التفكير في كيفية أداء مهام معينة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، سيكون من الممكن مناقشة كيف يمكن للتقدم في قدرات الذكاء الاصطناعي أن يفضي إلى تحويل الدور البشري في المهن، وفي المهام على وجه التحديد. ويتيح استخدام مؤشرات المنظمة لقدرات الذكاء الاصطناعي على هذا المستوى التفصيلي نقاشاً أكثر استنارة، إذ يساعد تحديداً على تحديد المهام التي يمكن أن يؤديها الذكاء الاصطناعي داخل مهنة ما وتلك التي ستبقى ضمن الكفاءة البشرية. كما يتيح نقاشاً تفصيلياً حول تحول الدور البشري في أداء مهام الوظيفة، وما إذا كان البشر سيحتاجون إلى تغيير دورهم في المهن بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي وكيف.
ولاستكشاف التحولات المحتملة في الأدوار الوظيفية، يقدم هذا القسم ثلاثة ملامح لمهام ذات متطلبات قدرات كامنة متمايزة ومؤشرات لحاق مرتفعة نسبياً. ويركز الملمح الأول على مهمة تتطلب مستويات عالية من قدرات الاستدلال، ويتمحور الثاني حول مهمة تتطلب قدرات بدنية متقدمة، ولا سيما الدقة والبراعة، ويبرز الثالث مهمة تنطوي على مهارات تفاعل اجتماعي مكثفة، كالتفاوض أو الرعاية أو تقديم المشورة. وقد اختيرت هذه الملامح لتمثل عدة عناقيد من المهام المذكورة آنفاً، مقدمة عدسة منظمة لتقييم الكيفية التي قد يكمّل بها الذكاء الاصطناعي المشاركة البشرية أو يعيد تشكيلها عبر مجالات متنوعة من العمل والأنشطة اليومية.
ملمح مهمة تتطلب قدرات استدلال عالية
يُعدّ إعداد التقارير السنوية والقوائم المالية وتحليلها والتحقق منها، وضمان امتثالها لأنظمة ومعايير متنوعة، مثالاً على المهام التي تتطلب مزيجاً استثنائياً من قدرات الاستدلال. فوفقاً لمؤشرات المنظمة لقدرات الذكاء الاصطناعي، تتطلب هذه المهمة المستوى الخامس في اللغة، وفي المعرفة والتعلم والذاكرة، والمستوى الرابع في حل المشكلات، وفي ما وراء المعرفة والتفكير الناقد. وأخيراً، يبلغ مؤشر اللحاق فيها قيمة مرتفعة نسبياً قدرها اثنان، مما يعني أن قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية لا تلبي بعدُ متطلبات الوظيفة.
ويعني استيفاء متطلبات هذه المهمة القدرة على جمع بيانات متفرقة، وتمحيصها للتحقق من دقتها واتساقها، واستخلاص الروابط السببية، وتحويل الأرقام الخام إلى رؤى استشرافية. كما يتطلب انتقالات سلسة بين التحليل التفصيلي بنداً بنداً والتفكير الاستراتيجي الأوسع، بما ينطوي على تقييم القيود التنظيمية والاتجاهات الاقتصادية والأهداف المؤسسية، مع اكتشاف الأنماط الخفية التي قد تنبئ بمخاطر أو فرص ناشئة. ويظل الحكم السليم والوعي الأخلاقي ووضوح اللغة أموراً أساسية أيضاً، لأن التقارير الناتجة توجه القرارات التنفيذية، وتُعلم أصحاب المصلحة، وتشكل الاستراتيجية الطويلة الأمد للمؤسسة.
ومع أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أداء هذه المهمة حالياً، فإن فحص مكوناتها قد يقدم رؤى قيّمة لتطوير سيناريو تحول يتصور التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في الوظيفة. ولنأخذ أحد المكونات الرئيسية للمهمة، وهو جمع البيانات والتحقق منها:
ففي سيناريو مستقبلي، تبلغ أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً بكثير مستوى الخبراء في الاستدلال على امتداد مؤشرات قدرات الذكاء الاصطناعي، ونتيجة لذلك قد تصبح الجوانب كثيفة العمالة في إعداد التقارير المالية مؤتمتة إلى حد كبير. وستتصل هذه الأنظمة مباشرة بمنصات المالية والرواتب والمخزون والخدمات المصرفية، فتوحد صيغ البيانات وتجري فحوصاً مستمرة بحثاً عن الحالات الشاذة أو الثغرات أو التكرارات. ويمكن التحقق من المعاملات مقابل الفواتير والموافقات، وصياغة مسارات التدقيق آلياً، وإطلاق التنبيهات فقط حين يتطلب الأمر حكماً بشرياً أو تقديراً يتعلق بالسياسات. ويمكن أن يجري كل هذا العمل في وقت شبه آني، مصحوباً بتفسيرات واضحة تولّدها الآلة في كل خطوة.
وفي هذا السيناريو، ستتحول الخبرة البشرية نحو مسؤوليات أعلى قيمة. فسيحدد المهنيون القواعد المحاسبية وعتبات الأهمية النسبية التي توجه الذكاء الاصطناعي، ويراجعون الاستثناءات المعقدة القليلة التي ينبه إليها، ويقررون الاستجابات أو الإفصاحات الملائمة. وسيفسرون مخرجات النظام، محولين إياها إلى توصيات استراتيجية بشأن التسعير والسيولة والمخاطر يقدمونها للمديرين التنفيذيين والجهات التنظيمية، مع تدقيق الذكاء الاصطناعي لضمان امتثاله للمعايير الأخلاقية والقانونية ومعايير الشفافية. وسيُفوض العمل الروتيني من قبيل "التحري في البيانات" إلى الآلات، بما يتيح للمهنيين الاضطلاع بأدوار مصممي السياسات والمستشارين الاستراتيجيين وحراس الثقة.
ومن شأن تحليل شامل لجميع المكونات الرئيسية لمهمة إعداد التقارير المالية، وتطوير سيناريو تحول إجمالي للمهمة، أن يوفر عدسة تحليلية متينة لصانعي السياسات. فهذه المهمة تتكرر عبر طيف واسع من القطاعات والمهن، من المدققين والمحللين الماليين إلى المستشارين الإداريين ومسؤولي القروض والمفتشين التنظيميين ومديري المنح في المؤسسات غير الربحية وغيرهم. ومن ثمّ يمكن لمثل هذا التمرين أن يولّد رؤى قابلة للنقل حول المكونات المرجح انتقالها إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، والمواضع التي ستظل فيها الخبرة البشرية ضرورية. وهذه النتائج ذات صلة خاصة بالتعليم والتدريب، إذ قد تحتاج المناهج إلى التطور استباقاً لهذه التحولات، وهو ما سيمكّن الحكومات والمؤسسات من مواءمة تطوير المهارات مع التقسيم الناشئ للعمل، دعماً لمكاسب الإنتاجية وجودة التوظيف معاً.
ملمح مهمة تتطلب قدرات بدنية عالية
يُعدّ تجميع الأسلاك أو المعدات أو الأجهزة أو التجهيزات الكهربائية أو الإلكترونية وتركيبها واختبارها وصيانتها باستخدام الأدوات اليدوية أو الكهربائية مثالاً على المهام التي تعتمد أساساً على القدرات البدنية والحسية. فوفقاً لمؤشرات المنظمة لقدرات الذكاء الاصطناعي، تتطلب هذه المهمة المستوى الرابع في الرؤية والمناولة، والمستوى الثالث في الذكاء الروبوتي، والمستوى الثالث في حل المشكلات، وفي المعرفة والتعلم والذاكرة، إلى جانب المستوى الثاني في ما وراء المعرفة والتفكير الناقد. ويبلغ مؤشر اللحاق فيها واحداً، إذ تلبي قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية إلى حد كبير متطلبات الاستدلال لهذه المهمة، لكنها ما تزال قاصرة عن البراعة والإدراك اللازمين.
ويعني استيفاء متطلبات هذه المهمة القدرة على تمرير الكابلات عبر قنوات ضيقة، وإحكام شد الأطراف داخل لوحات مزدحمة بدقة عالية، والتعرف على رموز الألوان الدقيقة أو عيوب العزل بنظرة واحدة، وتعديل القوة أو الزاوية فوراً عند تغير المقاومة. كما يتطلب انتقالات سلسة بين المناولات الدقيقة على مستوى الأداة والاستدلال الموقفي الأوسع، كتقييم توزيع الأحمال ومخاطر مكان العمل وخطط الطوارئ، مع اكتشاف تلف الطبقة الواقية للأسلاك، وقوة الشد غير الصحيحة، والعلامات المبكرة للتقوس الكهربائي التي قد تنذر بتعطل المعدات. ويظل الحكم السليم وثقافة السلامة الصارمة أمرين أساسيين أيضاً، لأن التركيبات الناتجة تحمي الأرواح وتبقي الأنظمة الحيوية في حالة تشغيل.
وقد تظهر هذه المهمة، بأشكالها المختلفة، في مهن وقطاعات متنوعة كالبناء التجاري، والأتمتة الصناعية، وصيانة الطاقة المتجددة، وبناء السفن، وتجميع الطائرات والمركبات الفضائية، وتشغيل مراكز البيانات. فسواء أكان فني مصاعد يمدد أسلاكاً جديدة لخزانة التحكم، أم طاقم صيانة توربينات الرياح يستبدل صناديق التوصيل أعلى البرج، أم فريق مرافق في مستشفى يحدّث دوائر السلامة الحيوية، فإن كل بيئة تمزج البراعة اليدوية والإدراك الحاد بالاستدلال الآني. ولذلك يتعين على المهنيين قراءة المخططات، وتخطيط عمليات العزل الآمن، واكتشاف الشقوق الدقيقة في أغلفة الكابلات، والإحساس بالتثبيت المرتخي قليلاً، أو التقاط الطقطقة الخافتة لشرارة وشيكة، ثم تقرير كيفية إصلاح العطل فوراً دون تعطيل الأنظمة الحيوية أو مخالفة الأنظمة.
وفي سيناريو مستقبلي، مع ظهور روبوتات مزودة بقدرات رؤية ومناولة من المستوى الرابع ونضجها، تنتقل الحرفة المادية لتركيب الأسلاك الكهربائية إلى حد كبير إلى الذكاء الاصطناعي. فتمسح الوحدات المستقلة الموقع، وتمد القنوات، وتسحب الموصلات وتنهيها بدقة قائمة على التغذية الراجعة للقوة، وتسجل كل خطوة في نموذج رقمي لما نُفذ فعلاً، ولا تنبه البشر إلا عند ظهور التباسات في الأنظمة أو عوائق. ويتحول دور الكهربائي تبعاً لذلك من العمل اليدوي إلى إشراف أعلى مستوى، يشمل تحديد معاملات المهمة، والموافقة على تعديل المسارات، وحل قضايا الامتثال المنبه إليها، وإجراء عمليات فحص عشوائية للحصول على الموافقة التنظيمية، وصيانة النظام الروبوتي وضبطه. ونتيجة لذلك، تنتقل الخبرة إلى المراحل الأسبق من التخطيط والإشراف والتحسين المستمر بدلاً من البقاء في التركيب اليدوي.
ولا يوضح سيناريو تركيب الأسلاك هذا إلا تحولاً واحداً ممكناً لمكوّن واحد من مهمة الكهربائي الأوسع التي يتناولها هذا القسم. أما مدى تطور المهمة بأكملها، بل المهنة نفسها، في نهاية المطاف نحو تعزيز متواضع أو أتمتة شاملة، فسيتوقف على حوار مستمر بين الكهربائيين العاملين في المهنة والجهات التنظيمية في القطاع والمصنعين ومطوري الذكاء الاصطناعي والروبوتات. ولذلك ينبغي أن يُصمم كل سيناريو تحول ويُختبر تحت الضغط ويُفحص بصورة مشتركة من قبل أصحاب المصلحة هؤلاء، وأن يوازن بين الجدوى التقنية والسلامة والتكلفة وقبول القوى العاملة، وأن يضمن مواكبة التعليم والتدريب للتقسيم الجديد للعمل.
ملمح مهمة تتطلب قدرات عالية في التفاعل الاجتماعي والاستدلال
يُعدّ تشجيع الأفراد وأفراد الأسرة على تطوير استراتيجيات تكيّف بنّاءة واستخدامها مهمة تعتمد أساساً على قدرات معرفية اجتماعية متقدمة. فوفقاً لمؤشرات المنظمة لقدرات الذكاء الاصطناعي، تتطلب هذه المهمة المستوى الخامس في اللغة والتفاعل الاجتماعي وحل المشكلات والمعرفة والتعلم والذاكرة، والمستوى الرابع في ما وراء المعرفة والتفكير الناقد، والمستوى الثالث في الإبداع. ويبلغ مؤشر اللحاق فيها اثنين، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية، حتى أقدر نماذج المحادثة، ما تزال تجد صعوبة في الحفاظ على سردية علاجية متماسكة عبر الجلسات، واستنتاج ديناميكيات السلطة الكامنة في الأسرة، وتكييف التدخلات مع السياقات الثقافية أو النمائية المتنوعة.
ويعني استيفاء متطلبات هذه المهمة القدرة على تتبع التحولات الدقيقة في النبرة ولغة الجسد وإيقاع المحادثة، ورسم الشبكة العاطفية المتطورة داخل الأزواج أو الأسر متعددة الأجيال، واسترجاع التقنيات القائمة على الأدلة، كالأساليب المتمركزة حول العاطفة أو البنيوية أو المتمركزة حول الحلول، وتوظيفها آنياً، واستباق دورات القطيعة والإصلاح قبل أن تزعزع التقدم المحرز. كما يتطلب انتقالات سلسة بين الإصغاء التأملي والتوجيه الإرشادي، ودعم البصيرة ما وراء المعرفية لدى العملاء دون إثارة نزعتهم الدفاعية، وذاكرة طولية دقيقة للأهداف والانتكاسات وخطط السلامة. ويظل الحكم السريري السليم واليقظة الأخلاقية أمرين أساسيين، لأن التوجيه غير المعاير جيداً قد يفاقم النزاع، أو يقوّض الثقة، أو يعرض أفراد الأسرة المستضعفين للخطر.
وتظهر تنويعات هذه المهمة ذات الطابع الإرشادي على نطاق يتجاوز كثيراً مجال العلاج الزوجي والأسري. فالأخصائيون النفسيون المدرسيون والمرشدون التربويون يساعدون الطلاب وأولياء الأمور على تبني أنماط بنّاءة لحل المشكلات، والأخصائيون الاجتماعيون في مجالات حماية الطفل أو رعاية المسنين يدربون الأسر على التخطيط للأزمات ووضع الحدود، وأخصائيو إعادة التأهيل يدمجون التدريب على مهارات التكيف في برامج العودة إلى العمل، ومهنيو الموارد البشرية يقدمون ورش عمل لحل النزاعات تحاكي التقنيات العلاجية. بل إن أدواراً في الخطوط الأمامية، كالتوعية الصحية المجتمعية وتيسير دعم الأقران وتصعيد قضايا خدمة العملاء، تتطلب بصورة روتينية من الممارسين استثارة المشاعر وإعادة صياغة السرديات ودعم خطط العمل التعاونية. ومن ثمّ فإن ملمح القدرات الكامن، أي الإتقان المتقدم للغة والتفاعل الاجتماعي وحل المشكلات، ذو صلة عابرة للقطاعات.
ولنتأمل كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل مكوّن واحد من المهمة، وهو التدريب على مهارات التواصل:
ففي سيناريو تسد فيه أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة الفجوة الحالية في اللغة والتفاعل الاجتماعي وحل المشكلات، يتحول التدريب على مهارات التواصل من تمرين تدريب دقيق يقوده المعالج إلى سير عمل هجين غني بالبيانات. فالنماذج متعددة الوسائط المدمجة في الكاميرات والميكروفونات والأجهزة القابلة للارتداء تحلل تبادل الأدوار وتعابير الوجه الانفعالية والاستثارة الفسيولوجية آنياً، فتشخص مواضع الانقطاع وترسل إلى العملاء تلميحات مخصصة مثل "توقف وأعد الصياغة" و"سمِّ الشعور الكامن". ويولّد المحرك ذاته عروضاً توضيحية متناغمة ثقافياً عبر شخصيات رقمية واقعية، ويكيّف السيناريوهات فورياً مع ارتفاع إشارات التوتر أو انخفاضها، ويجمع لوحات متابعة من جلسة إلى أخرى ترصد مكاسب التعاطف وسرعة التعافي من النزاعات وخطر الانتكاس المتوقع. وحين تُتجاوز عتبات الإنذار المبكر، تستدعي إشارات التصعيد الآلية طبيباً سريرياً من البشر في غضون ثوانٍ.
وفي هذا السيناريو، ترتقي الميزة النسبية للمعالج في سلم التجريد. فبدلاً من التدريب على كل تبادل في الإصغاء التأملي، ينتقي المهني البشري تدخلات الذكاء الاصطناعي، ويحيكها في سردية علاجية متماسكة، ويوقف الأتمتة أو يتجاوزها حين يقتضي تاريخ الصدمات أو اختلالات السلطة أو الدقائق الثقافية مساراً مختلفاً. وتصبح الوصاية الأخلاقية محورية، إذ يدقق الممارسون الخوارزميات بحثاً عن التحيز، ويحصلون على الموافقة على الاستشعار المستمر، ويتدخلون مباشرة حين تكون السلامة أو الكرامة على المحك. كما يرشدون العملاء إلى فهم التغذية الراجعة من الذكاء الاصطناعي، معززين البصيرة ما وراء المعرفية لديهم كي تصبح مهارات الحوار البنّاء راسخة ومستدامة حتى بعد إطفاء أجهزة الاستشعار. والنتيجة الصافية إعادة تشكيل ملمح المهارات واحتياجات التدريب لدى المعالجين الزوجيين والأسريين عبر القطاعات التي يكون فيها التوجيه العلائقي حاسماً.
وكما في أي سيناريو تحول تتجاوز فيه قدرات الذكاء الاصطناعي متطلبات المهمة، يصبح السؤال المحوري ما إذا كان المجتمع يريد أن تضطلع الآلات بالدور منفردة، أو أن تعمل إلى جانب البشر، أم أنه يفضل الممارسين من البشر وحدهم.
النظر في التحول التعليمي
قد يجعل التقدم في قدرات الذكاء الاصطناعي الأتمتة الكاملة لمهام معينة ممكنة، ونتيجة لذلك قد لا تعود المهارات الكامنة اللازمة لأداء تلك المهام ضرورية في مكان العمل أو في الحياة اليومية. ومن شأن ذلك أن يدفع إلى إعادة تقييم محتويات التعلم والتعليم وأساليبهما المستخدمة في الأنظمة التعليمية. غير أن تراجع الحاجة العملية إلى بعض المهارات لا يعني أنها تفتقر إلى القيمة أو الأهمية، فقد يختار الناس تعلمها لأسباب متنوعة. وكون الذكاء الاصطناعي قادراً تقنياً على أداء مهارات معينة لا يعني أن مثل هذه الأنظمة ينبغي تطبيقها على نحو شامل. فضلاً عن ذلك، لا ترتبط المهارات بالاحتياجات المهنية وحدها، فقد يسعى الأفراد إليها للمتعة الشخصية أو الإحساس بالإنجاز، أو لأنهم يرون أن لهذه المهارات قيمة إنسانية جوهرية.
والسؤال المحوري في هذا التحليل هو: "حين يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء بعض مهام العمل أو المهام اليومية أفضل من الناس، هل ما زلنا نريد أن يتعلم الناس أداء هذه المهام؟" وتنبثق من هذا السؤال ثلاثة منظورات رئيسية:
الأول، نعم: ويؤكد هذا الرأي أن الناس لا ينبغي أن يصبحوا معتمدين على الذكاء الاصطناعي، وهو يعني أن القدرة البشرية والاستقلالية مهمتان بصرف النظر عن كفاءة الذكاء الاصطناعي.
والثاني، نعم ولكن: ويرى هذا الموقف الأكثر دقة أن من المفيد للبشر أن يعملوا جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي في هذه المهمة بعينها، وأن تتطور الأهداف التعليمية لتتوافق مع ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله وما لا يستطيعه.
والثالث، لا: ومن هذا المنظور، إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أداء المهام على نحو أفضل، فلا ينبغي للناس أداء هذه المهام، ولا ينبغي للتعليم أن يعطي الأولوية لتدريس تلك المهارات، بل ينبغي أن يتحول التركيز إلى كفاءات أكثر صلة.
وحين يتفق المجتمع على أن مهاماً أو مهناً معينة ينبغي تحويلها لدمج الذكاء الاصطناعي فيها، وأن التعليم يجب أن يتكيف استجابة لذلك، يصبح من الضروري مقارنة ملامح القدرات المعدلة لهذه الأدوار البشرية الجديدة، كما في السيناريوهات الثلاثة السابقة، بمحتويات البرامج التعليمية المقابلة وأساليب تدريسها والمستوى التعليمي المعني. ويمكن أن يسترشد هذه المقارنة بمؤشر اللحاق للبرامج التعليمية الذي عُرض آنفاً، إذ يمكن لهذا المؤشر أن يوجه إعادة تقييم نوعية لمحتوى المقرر وأهدافه، قد تفضي إلى تحويل البرنامج ذاته. وهذه المقاربة ذات صلة خاصة بالمقررات في مرحلة ما بعد التعليم الثانوي التي تعد الطلاب لمهن محددة، لكنها تنطبق بالقدر ذاته على مستوى المناهج المدرسية، حيث يمكن أن تدعم مراجعات المواد الدراسية. ومن خلال مواءمة متطلبات القدرات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي مع محتويات التعلم وأساليب التدريس القائمة، يستطيع التربويون تحديد المواضع التي ينبغي فيها تحديث المحتوى والأساليب أو إعادة موازنتها أو توسيعها لإعداد الطلاب على نحو أفضل لعالم متغير.
